محفوظ: الليبيون يتحملون جزءًا من الأزمة

حذر المحلل السياسي محمد محفوظ من عودة خطر الإرهاب في ليبيا، رغم النجاحات الكبيرة التي تحققت في مواجهته خلال السنوات الماضية.
وأكد محفوظ أن البلاد تخلصت بنسبة كبيرة مما وصفه بـ”الورم السرطاني”، مشيراً إلى أن الإرهاب لم يكن يميز بين المناطق أو الانتماءات السياسية، بل كان يستهدف جميع الليبيين دون استثناء.
وأضاف محفوظ في مداخلة على قناة “سلام”، رصدتها “الساعة 24″، أن هذه الظاهرة تمثل تهديداً لا يمكن القضاء عليه بشكل نهائي إلا بوجود سلطة سياسية موحدة وقوية، قادرة على فرض سيطرتها على كامل التراب الليبي.
وأوضح أن اتساع الرقعة الجغرافية للبلاد، وتعدد الجهات الأمنية والعسكرية، إلى جانب الحدود المنتهكة، كلها عوامل تجعل ليبيا بيئة خصبة لعودة النشاط الإرهابي في حال استمرت حالة الانقسام.
وأشار محفوظ إلى أن غياب التوافق السياسي يعرقل وضع استراتيجيات أمنية شاملة وطويلة الأمد، سواء على المستوى المحلي أو عبر التعاون الإقليمي والدولي، موضحا أن مكافحة الإرهاب لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تتطلب أيضاً مواجهته فكرياً، من خلال برامج توعية تستهدف فئة الشباب بشكل خاص، وهي برامج لا يمكن تنفيذها بفعالية في ظل الانقسام السياسي القائم.
كما شدد على أن الأزمة السياسية تنعكس بشكل مباشر على الأوضاع الأمنية والاقتصادية، محذراً من أن تدهور الاقتصاد قد يدفع بعض الشباب إلى الانجرار نحو الجماعات المتطرفة، ولفت إلى أن إنهاء الانقسام السياسي وتوحيد السلطة في ليبيا يُعدان شرطين أساسيين لبناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها الإرهاب، بطريقة منظمة ومستدامة.
واعتبر أن الانقسام السياسي في ليبيا يُعد أحد أبرز العوائق أمام قدرة الدولة على تبني استراتيجيات فاعلة لمكافحة الإرهاب، سواء على المدى القصير أو الطويل، معتبرا أن غياب المؤسسات الأمنية الموحدة يجعل من المستحيل تنفيذ أي خطة أمنية بشكل فعال.
ونوه إلى أن خطط مكافحة الإرهاب غالباً ما تظل “حبيسة الأدراج”، بسبب غياب آليات التنفيذ وانعدام التنسيق بين الجهات المعنية، مضيفاً أن وضع الاستراتيجيات ليس بالأمر الصعب، غير أن التحدي يكمن في تطبيقها على أرض الواقع، وهو ما يتطلب بنية مؤسسية قوية لا تمتلكها الدولة حالياً.
وأوضح محفوظ أن أي جهد لمكافحة الإرهاب يجب أن يبدأ من التوعية وتغيير أنماط التفكير داخل الفئات المستهدفة، إضافة إلى وضع سياسات واضحة لحماية الحدود نظراً لاتساعها، وصعوبة تأمينها، فضلاً عن الفراغ الأمني الناتج عن غياب مؤسسات موحدة.
وفي سياق متصل، أشار محفوظ إلى أن ردة الفعل في مواجهة الأزمات الإرهابية لا تكفي، مشدداً على أن التعامل مع الظاهرة يجب ألا يكون لحظياً أو مبنياً على الاستجابة للأزمات بعد وقوعها، بل يتطلب رؤية استباقية وشاملة.
وعند سؤاله عن جهود دول الجوار ودورها في دعم ليبيا، خاصة ضمن مبادرة “5+5″، قال محفوظ إن الدول المحيطة مثل تونس والجزائر ومصر وتشاد والنيجر كانت في فترات ماضية أكثر استقراراً من ليبيا، إلا أن تلك الفترات لم تشهد دعماً ملموساً لمكافحة الإرهاب داخل الأراضي الليبية.
وأضاف أن هذه الدول نفسها باتت اليوم تواجه أزمات داخلية، ما يحد من قدرتها على التدخل أو تقديم دعم فعّال، كما لفت إلى أن الطبيعة الجغرافية لليبيا، بمساحتها الشاسعة وقلة عدد سكانها، تمثل تحدياً إضافياً في فرض السيطرة الأمنية وتحقيق التنمية المتوازنة.
وذكر محفوظ أن الحل يكمن في اعتماد الليبيين على أنفسهم من خلال بناء مؤسسات موحدة وسياسة أمنية واضحة، محذراً من الإفراط في التعويل على دعم الخارج، نظراً لانشغال دول الجوار بتحدياتها الداخلية ومحدودية قدراتها الأمنية والعسكرية.
وبينّ محفوظ، أن ليبيا باتت تُستخدم كممر ومسرح لترحيل الأزمات الإقليمية، في ظل هشاشتها السياسية والاقتصادية، وغياب قدرة حقيقية على التعامل مع التحديات الأمنية والإنسانية المعقدة التي تمر بها.
وأوضح أن ليبيا أصبحت الحلقة الأضعف بين دول الجوار، وهو ما جعلها ساحة لتصفية الحسابات وتحويل مسارات الأزمات، سواء المتعلقة بالإرهاب أو الهجرة غير الشرعية. وأشار إلى أن بعض الدول ساهمت في فتح الحدود أو غضت الطرف عن حركة المقاتلين والمهاجرين، غير أن هذا الأمر لا يمكن تأكيده بدليل ملموس حتى اللحظة.
وأضاف أن الحديث عن وجود تعاون فعلي واستراتيجيات حقيقية بين ليبيا ودول الجوار لا يُعوّل عليه كثيراً، موضحًا أن الاجتماعات والأفكار المطروحة بشأن التنسيق الأمني أو إدارة ملف الهجرة، لم تُترجم إلى خطوات عملية أو تأثيرات ملموسة على الأرض.
وفي سياق متصل، لفت محفوظ إلى أن ليبيا تتحمّل اليوم العبء الأكبر من نتائج غياب الحلول الإقليمية الفعالة، حيث تجد نفسها بين مطرقة الدول المُصدّرة للأزمات، وسندان الدول الأوروبية التي تمثّل الهدف النهائي للمهاجرين غير النظاميين. مؤكداً أن هذا الوضع القائم جعل من ليبيا دولة عبور للأزمات بدلًا من أن تكون جزءًا من حلها.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الخارج، بل إن الليبيين أنفسهم يتحمّلون جزءًا من الأزمة، نتيجة استمرار الانقسام الداخلي وضعف القرار السيادي، معتبرًا أن ما تعيشه البلاد اليوم هو نتيجة طبيعية لكونها الطرف الأضعف في معادلة إقليمية معقدة.









