اخبار مميزةليبيا

الخراز: هشاشة الأمن في الغرب الليبي تفتح الباب لعودة الجماعات المتطرفة

أكد المحلل السياسي حمد الخراز، أن ليبيا مرت بمراحل متعددة كانت فيها عرضة لتمدد الجماعات الإرهابية، نتيجة الانقسام السياسي وغياب الاستقرار، ما جعل البلاد بيئة مناسبة في فترات معينة لنشاط هذه الجماعات، خاصة مع ما تملكه من موارد طبيعية وموقع استراتيجي.

وأوضح الخراز خلال مداخلة على قناة “سلام” رصدتها الساعة 24، أن الانقسام السياسي الحاد لا يزال يشكّل تهديداً مباشراً لليبيا، كونه يوفر أرضاً خصبة لعودة التنظيمات المتطرفة وتنامي فكرها، باستغلال عوامل الفوضى، والفقر، وغياب الدولة، وأشار إلى أن التركيبة الاجتماعية الليبية، إلى جانب رفض المجتمع المحلي للفكر المتشدد والدخيل، لعبت دوراً كبيراً في مواجهة هذه الجماعات، إلا أن هذا الرفض المجتمعي وحده لا يكفي في ظل استمرار الانقسام الحالي.

وبيّن أن الجماعات الإرهابية حاولت مراراً استغلال هشاشة الوضع الأمني، خاصة خلال العقود الماضية، مبيناً أن الفكر المتطرف بدأ بالتسلل إلى ليبيا منذ أواخر الثمانينات، إلا أن التصدي له لم يكن على المستوى المطلوب، رغم بعض التحركات الأمنية والعسكرية التي حققت نتائج ملموسة، مثل عملية الكرامة التي واجهت الجماعات المسلحة، وعملية البنيان المرصوص التي تصدت لتنظيم “داعش” في مدينة سرت.

وأبدى الخراز قلقه من احتمال تكرار السيناريو ذاته في بعض المناطق الغربية، مثل صرمان وصبراتة، التي لا تزال تشهد هشاشة أمنية قد تسمح بعودة الجماعات الإرهابية مجدداً، خاصة في ظل غياب استراتيجية وطنية موحدة لمكافحة التطرف.

وحول المبادرات المدنية، قال إن الورش والندوات التي تُعقد لمواجهة الفكر المتطرف تُعد خطوات إيجابية، لكنها تظل “ثانوية” مقارنة بحجم التحديات، مؤكداً أن أكبر التحديات تكمن في استمرار الانقسام السياسي والفوضى، إلى جانب غياب إرادة حقيقية لحل الأزمة الليبية بشكل جذري.

وشدد الخراز على أن الحل يكمن في توحيد الجهود الوطنية، وتقديم مصلحة ليبيا فوق أي اعتبارات سياسية أو جهوية، إضافة إلى إنهاء التدخلات الخارجية التي تعمّق الانقسام. واعتبر أن مثل هذه الخطوات من شأنها أن تشكل سداً منيعاً في وجه الإرهاب، وتحول دون تكرار مآسي الماضي.

وبينّ الخراز، أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي يمثل العائق الأكبر أمام تطبيق الخطط والاستراتيجيات الموضوعة لمكافحة الإرهاب والتطرف، مشيرًا إلى أن الجهود الحالية لا تزال “نظرية” في ظل غياب التنفيذ الفعلي على أرض الواقع.

وتابع الخراز: ليبيا ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من تنامي الظواهر المتطرفة، مستشهدًا بتجارب مماثلة في كل من مالي وتشاد والسودان، حيث تتوفر الخطط والاستراتيجيات، ولكن تغيب الإرادة السياسية الفاعلة لتطبيقها.

وبيّن أن غياب المؤسسة الأمنية الموحدة والانقسام السياسي الحاد ساهما في جعل ليبيا بيئة خصبة لتمدد الجماعات الإرهابية، لافتًا إلى أن تهديد الإرهاب لا يقتصر على منطقة معينة، بل يطال كافة أنحاء البلاد من الشرق إلى الغرب والجنوب.

وشدد على أن استمرار الانقسام السياسي يوفر بيئة مناسبة لاستقطاب الشباب الليبي من قبل الجماعات المتطرفة، خصوصًا في ظل انتشار الفقر والجريمة وتراجع التعليم، وهو ما يُنتج أفرادًا بسلوكيات منحرفة تشكل ثغرات تستغلها التنظيمات التكفيرية. لافتاً إلى أن العديد من قادة هذه الجماعات لديهم “ماضٍ مظلم” وسلوكيات منحرفة، يتم استغلالها لأغراض أيديولوجية.

ودعا الخراز إلى ضرورة التحرك الجاد والخروج من عباءة التدخلات الدولية، مطالبًا بعقد حوار وطني جامع لإنهاء الانقسام وخلق بيئة أمنية مواتية لتطبيق خطط مكافحة التطرف، خاصة تلك التي أُعدت بعد دراسات لحالات واقعية شهدتها البلاد في مراحل سابقة.

ورغم إقرار الخراز، بوجود استراتيجيات فعالة أعدها مختصون، إلا أنه شدد على أهمية الانتباه تطبيق الخطط على أرض الواقع ، محذرًا من أن العودة المحتملة لنشاط الجماعات الإرهابية ستكون مكلفة إذا لم يتم احتواء الوضع أمنيًا وسياسيًا بشكل عاجل.

وأوضح الخراز، أن هذه الجماعات كثيرًا ما تتحد ضد جهة واحدة، مستشهدًا بما حدث في مدن ليبية مثل سرت وبنغازي ودرنة، وغيرها من المناطق التي شهدت تحالفات مشابهة أدت إلى تفاقم الأوضاع الأمنية، داعياً إلى ضرورة إنهاء وجود هذه الجماعات، ومحذرًا في ذات الوقت من الأفكار المتطرفة التي تكتسب نتيجة عوامل محيطة، مؤكدًا أن العديد من المتطرفين كانوا في الأصل أشخاصًا طبيعيين يتمتعون بسلوك سوي، قبل أن يتأثروا بتلك الأفكار.

وشبّه الخراز الفكر المتطرف بمرض السرطان، مشيرًا إلى أن الشخص حتى بعد شفائه من المرض، قد يظل يعاني من آثاره، وهو الحال نفسه مع الفكر المتطرف الذي يترك أثرًا نفسيًا وفكريًا طويل الأمد، حتى بعد التخلص الظاهري منه.

وختم حديثه بالتأكيد على أن محاربة الإرهاب لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تشمل كذلك اجتثاث الفكر المتطرف من جذوره، وتجفيف منابعه الفكرية والاجتماعية والثقافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى