اخبار مميزةليبيا

الفلاح: لا استقرار دون تفكيك التشكيلات المسلحة

قال الناشط السياسي، جمال الفلاح، إن الأزمة الليبية الراهنة لن تُحل عبر تسويات سطحية أو توافقات شكلية، لأن جوهر المشكلة في البلاد سياسي وأمني بالدرجة الأولى، ويتطلب حلولًا جذرية تنطلق من معالجة واقع التشكيلات المسلحة المنتشرة في المدن، لا سيما في العاصمة طرابلس.

ولفت الفلاح، في حديثه لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24” إلى أن التجارب التي عاشتها البلاد منذ عام 2011 وحتى اليوم، تُثبت أن الاتفاقات المرحلية التي جرت بين الحكومات والمجموعات المسلحة لم تصمد طويلًا، وغالبًا ما تنهار بمجرد غياب الضمانات الدولية أو تصاعد الخلافات الداخلية.

وبينّ الفلاح أن طرابلس اليوم مُقسمة أمنيًا إلى مربعات تخضع كل منها لسيطرة مجموعة مسلحة مختلفة، ولا توجد سلطة أمنية موحدة، ما يجعل الوضع هشًا ومعرّضًا للانفجار في أي لحظة، مشيراً إلى أن هذه التشكيلات ليست كيانات موحدة، بل تحظى بدعم أطراف محلية بناء على الولاءات المناطقية والسياسية، لافتًا إلى أن بعض سكان العاصمة ينظرون إلى جماعات مثل قوة الردع الخاصة على أنها تحميهم، فيما تعتبرها مناطق أخرى مصدرًا للتهديد.

وانتقد الفلاح حكومة الوحدة المؤقتة، معتبرًا أنها أخفقت طيلة خمس سنوات في تنفيذ تعهداتها المتعلقة بتفكيك ونزع سلاح هذه الكتائب، رغم أن تلك الالتزامات كانت واضحة في اتفاقي الصخيرات وجنيف، مبينا أن الحكومة اكتفت بإجراء تغييرات شكلية على مستوى القيادة، وكأن المشكلة في الأشخاص لا في الكيانات المسلحة ذاتها، بحسب قوله.

وحذر الفلاح من الرهان على وصفها بالمسكنات الأمنية المؤقتة، في إشارة إلى تسليم قوات الردع لبعض مقارها في طرابلس، معتبرا الخطوة تكتيكية تهدف إلى امتصاص التوترات ومنع اندلاع صراع شامل. منوها إلى أن هذه الخطوة جاءت برعاية تركية، دون وجود اتفاق واضح المعالم أو إعلان رسمي، ما يخلق حالة من الترقب والقلق بين الأطراف المحلية.

ووفقا للفلاح فإن الخيار العسكري لا يزال مستبعدًا شعبيًا، وأن أهالي طرابلس باتوا بين خيارين: إما القبول بالواقع الحالي والتعايش مع الجماعات المسلحة، أو الدخول في صراع دموي قد يدمّر المدينة.

ودعا الناشط السياسي، إلى إطلاق خارطة طريق دولية حقيقية، وجادة بإشراف الأمم المتحدة، تهدف إلى تفكيك التشكيلات المسلحة، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية، بعيدًا عن الصراعات المناطقية أو الأجندات الخارجية، مبيناً أن التحركات الأخيرة لحكومة الوحدة، بدعم إقليمي ودولي، تعكس محاولة واضحة لبسط السيطرة الأمنية على كامل غرب البلاد، وهو ما عدّه توجهًا واقعيًا يتطلب دعمًا من كل الفاعلين الوطنيين، شرط أن يتم ذلك عبر مؤسسة عسكرية نظامية وموحدة، بقيادة شخصيات موثوقة.

ورأى الفلاح أن غياب الدولة الحقيقية والمؤسسات العسكرية الفاعلة هو ما يدفع الجماعات المسلحة للاستمرار، مشيرًا إلى أن بعض القادة المسلحين يبررون بقاءهم بعدم وجود بديل قادر على حماية أمن البلاد.

وحذر من أن الانقسامات السياسية بين مجلسي النواب والأعلى للدولة تكرّس حالة الجمود، وتُفشل أي محاولة لتشكيل حكومات فعّالة، موضحا أن المشكلة ليست في غياب المؤسسات، بل في استخدامها كأدوات لتصفية الحسابات السياسية وخدمة المصالح الضيقة، ما أدى إلى شلل حقيقي في إدارة الدولة.

وانتقد الفلاح أداء بعثة الأمم المتحدة، قائلا: إنها فشلت في تقديم حلول واقعية أو فرض آليات تنفيذ فعالة، رغم تعاقب عدد كبير من المبعوثين الأمميين على الملف الليبي، مشيرًا إلى أن غياب أدوات الضغط والالتزام الدولي الصارم ساهم في إطالة أمد الأزمة، كما شدد على أن المجتمع المدني يمثل عنصرًا أساسيًا لكسر حالة الجمود السياسي والأمني، محذرا من محاولات بعض الجهات السياسية تهميش المجتمع المدني أو اختراقه بما يقوّض استقلاليته ودوره الوطني.

كما حذر الفلاح من خطورة تصاعد الخطابات المتطرفة، لاسيما تلك التي تستغل الدين للتحريض على العنف والانقسام، لأنها تشكل تهديدًا مباشرًا لوحدة البلاد وفرص تحقيق المصالحة.

وشدد الفلاح في خاتمة حديثه على ضرورة العودة إلى طاولة الحوار الوطني الصادق، بعيدًا عن التدخلات الخارجية والمصالح الضيقة، مؤكدا أن ليبيا بحاجة إلى مشروع وطني جامع، وقيادة مسؤولة تعمل من أجل مستقبل الأجيال، لا من أجل البقاء في الكراسي، ولا سبيل لإنقاذ البلاد إلا بتفكيك التشكيلات المسلحة، وتأسيس جيش وطني، وبناء مؤسسات سيادية تحكمها الشفافية والمحاسبة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى