الباروني: قد يحدث تدخل دولي مباشر إذا استمرت الأزمة الليبية

أكد عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة نالوت، الدكتور إلياس الباروني، أن خارطة الطريق الأممية المطروحة حاليًا تواجه تحديات عميقة ومتكررة يصعب تجاوزها بسهولة، رغم الدعم الدولي الملحوظ والإلحاح لإنهاء الأزمة الليبية.
وأوضح الباروني في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، الممولة من قطر، أن أبرز هذه التحديات يتمثل في إعادة تشكيل المناصب السيادية وقوانين الانتخابات، وهي نقاط خلافية سبق أن تسببت في تعثر التوافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة. مشيرا إلى أن التجارب السابقة أظهرت عجز المجلسين عن تجاوز هذه العقبات، مما يجعل من الصعب التعويل على نجاح اللجنة المشتركة أو المجلسين في صياغة قوانين انتخابية مقبولة لجميع الأطراف.
وشدد الباروني على أن نجاح أي تسوية سياسية يتطلب دعماً دولياً فعّالاً مقرونًا بعقوبات رادعة لإلزام الأطراف بالتوافق، خاصة فيما يتعلق بتقاسم المناصب السيادية، والتي تخضع لما وصفه بـ “فكرة المحاصصة” بين الطرفين.
وبيّن أن بعض المناصب قد تكون أسهل في التوافق، مثل تعيين أعضاء جدد في المفوضية العليا للانتخابات، ما لم يُطرح خيار إعادة تشكيل المفوضية بالكامل، الأمر الذي من شأنه أن يفتح باباً لخلافات جديدة.
وقال الباروني: “نحن اليوم أمام تكرار واضح لمشهد السنوات الماضية، ولا يمكن التعويل على نجاح البعثة الأممية ما لم يكن هناك توافق دولي فعلي، لا سيما بين الولايات المتحدة وروسيا، لدعم خارطة الطريق بدلاً من تقاسم المصالح أو تغذية الصراع”.
وفيما يتعلق بالداخل الليبي، أشار الباروني إلى وجود سخط شعبي واسع تجاه أداء مجلسي النواب والدولة، إلا أن هذا الاستياء، بحسب وصفه، لا يرقى إلى مستوى الضغط الشعبي الحقيقي القادر على تغيير المشهد السياسي أو دفع الأطراف نحو التنازل أو التنحي.
وأكد أن الشخصيات السياسية نفسها ما زالت تتصدر المشهد داخل كلا المجلسين، ما يجعل الحديث عن التغيير أو التوافق مجرد إعادة إنتاج لنفس الأزمات، موضحا أن جميع نقاط الخلاف الحالية، من المناصب السيادية إلى القوانين الانتخابية، ما تزال عالقة على طاولة الحوار، مما يزيد الأمور تعقيداً في ظل غياب ضغط شعبي فاعل أو بدائل سياسية واضحة.
ورأى الكبير أن خارطة الطريق التي طرحتها المبعوثة الأممية، ورغم ما رافقها من مشاورات، أعادت المشهد إلى المربع الأول، في تكرار لما حدث في مرحلة ما قبل 2014، دون تحقيق تقدم ملموس نحو حل نهائي للأزمة الليبية. مشيرًا إلى وجود ثلاثة سيناريوهات محتملة تعكس واقع الأزمة السياسية المتشابكة في البلاد.
وأوضح الباروني أن السيناريو الأول يتمثل في التوافق بين الأطراف السياسية، وهو أمر يرى أنه شبه مستحيل في ظل التشكيلة البرلمانية الحالية، حيث يغلب عليها الانقسامات وعدم القدرة على الوصول إلى حلول مشتركة.
أما السيناريو الثاني فهو المماطلة، حيث أشار إلى أن فترة الشهرين التي حددتها المبعوثة الأممية هانا تيته لتشكيل توافق سياسي تعتبر قصيرة جدًا، ولفت إلى أن الاجتماعات الحالية لم تسفر عن أي تقدم، بل تميزت بالتأجيل وعدم الحسم في الملفات الخلافية، وسط واقع برلماني معقد يجعل من الصعب عقد جلسات ناجحة أو اتخاذ قرارات حاسمة.
وفي حال استمرار هذا الوضع، توقع الباروني السيناريو الثالث، وهو التدخل الدولي المباشر، حيث يرى المجتمع الدولي ضرورة وضع قواعد دستورية وقوانين انتخابية تلزم الأطراف الليبية بتنفيذها. موضحا أن هذا التدخل يأتي في ظل انسداد حقيقي واحتجاجات شعبية تطالب بحل سياسي عاجل، رغم رفضه للتدخل الدولي الكامل، إلا أنه يراه حتميًا إذا استمر الطرفان في المماطلة وتمديد أمد الأزمة إلى ما لا نهاية.
وعن احتمال فرض شكل معين من الحل عبر قرار من مجلس الأمن الدولي، أكد الباروني أن ذلك يتطلب توافق الدول الكبرى كروسيا والولايات المتحدة، وهو أمر مستبعد حاليًا بسبب الانقسامات الدولية والصراعات التي تؤثر سلبًا على المشهد الليبي، مما يسمح للأطراف المحلية بالمماطلة والاستمرار في تعقيد المشهد.
وبالنسبة للباروني فإن الأزمة في ليبيا ليست مجرد أزمة حكومية أو سلطوية، بل هي أزمة دستورية عميقة تتعلق بعدم توافق الهيئات التشريعية القائمة على صياغة دستور جديد ووضع القوانين اللازمة، وهو ما يعرقل أي تقدم في ملف الانتخابات أو تشكيل حكومة جديدة. مشددا على ضرورة تجاوز هذه المرحلة بما يحقق طموحات الليبيين ويخرج البلاد من حالة الانسداد التي تعيشها منذ سنوات.
وأكد على أهمية التوصل إلى ميثاق واضح بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، يكرس احترام الإرادة الليبية ويعكس مدى استعداد الأطراف المتحاورة للتنازل والتوافق. وأوضح أن هذا الاتفاق يجب أن يحظى بمصادقة رسمية من قبل المجلسين، وبحضور دولي رسمي ممثل في الأمم المتحدة والبعثة الأممية.
وشدد الباروني على ضرورة الالتزام الصارم بالاتفاق، مع تحديد مواعيد واضحة لتنفيذه، مشيراً إلى أن وجود ضامن دولي ضروري لضمان احترام الأطراف الموقعة، مع فرض عقوبات على من يخالف الاتفاق، والتي يجب أن تكون وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي. وأضاف أن مجلس الأمن والأمم المتحدة يدركان أن تنفيذ أي اتفاق سياسي في ليبيا لا يمكن أن يتم بدون قرار دولي واضح وملزم.
ولفت الباروني إلى الدور الحيوي لمؤسسات المجتمع المدني في ليبيا، والتي يجب أن تراقب أداء الأطراف السياسية وتلعب دوراً فعالاً في دعم توافق المجلسين، مؤكداً أن عدم الالتزام بالاتفاق يجب أن يقابل برد فعل مجتمعي وسياسي واضح. داعيا إلى تعزيز صوت النخب الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، رغم التحديات التي تواجهها، لتشكيل تكتل قوي يدعم الضغط على المجلسين للتوصل إلى توافق حقيقي.
وأشار الباروني إلى الحراك القوي الذي شهدته ليبيا مع تشكيل اللجنة الاستشارية والإعلان عن المسارات الأربعة، مؤكداً ضرورة استمراره من خلال بيانات ورسائل واضحة يجب أن توجه إلى الأمم المتحدة والأطراف الدولية المعنية، وتحديد الخطوات التي ستتخذها القوى الوطنية في حال تعثر التوافق بين المجلسين.
ورأى أن الاجتماعات الموازية بين النواب ومجلس الدولة يجب أن تُواكبها لقاءات بين النخب السياسية والمجتمع المدني، مشدداً على ضرورة وجود تكتل وطني فاعل يدفع نحو التوافق، وفي حال العرقلة، فإن اللجوء للمجتمع الدولي سيكون الخيار المتاح لضمان احترام الإرادة الوطنية وتحقيق الاستقرار السياسي في ليبيا.
وأشار الباروني إلى سلسلة زيارات مكوكية قامت بها هانا تيتيه خلال الأيام الماضية، شملت عواصم عدة مثل موسكو، برازافيل، وكونغو، إلى جانب زيارات أخرى في ألبانيا ودول أخرى، بهدف تعزيز الدعم الدولي لمهام بعثة الاتحاد الأوروبي في ليبيا.
وقال: إن هذه التحركات تأتي في إطار محاولة إشراك الاتحاد الأفريقي، رغم محدودية قدراته في ممارسة الضغط، مشيراً إلى أن الاتحاد الأفريقي يُعتبر شريكاً ضرورياً في العملية السياسية الليبية، مع التأكيد على أن حل الأزمة لا يمكن أن يتم دون تدخل دولي إيجابي ومنسق.
وأضاف الباروني أن التصريحات الصادرة عن هذه الدول يجب ألا تقتصر على الأبعاد السياسية والدبلوماسية فقط، بل ينبغي أن تتوج بدعم عملي وقرارات واضحة من مجلس الأمن، خاصة مع وجود تباينات واضحة بين الدول الخمس الكبرى. حيث أشار إلى أن بريطانيا والولايات المتحدة تسيران في اتجاه، في حين تتخذ الصين وروسيا مسارات مختلفة، فيما تتخذ فرنسا موقفاً خاصاً، مما يعكس تشتت المواقف الدولية حول الملف الليبي.
كما أشار الباروني إلى غياب سياسة خارجية فعالة من جانب الدول الليبية لكسب التأييد الدولي، فضلاً عن هشاشة الإرادة الشعبية الداخلية، مما يعقد من إمكانية نجاح المبادرات، لافتا إلى أن استمرار هذه الزيارات قد يكون محاولة لإرسال رسالة واضحة إلى الدول الكبرى بضرورة دعم بعثة هانا تيتيه، وإلا فإن غياب التوافق الدولي سيؤدي إلى فشل هذه المبادرة كما حدث مع المبادرات السابقة.









