البكوش: الليبيون يكتفون بالشكوى في المقاهي دون اتخاذ خطوات حقيقية للتغيير

قال المحلل السياسي صلاح البكوش، إن اجتماع الدول العشر الفاعلة في الملف الليبي، ومن بينها تركيا وفرنسا وبريطانيا والإمارات وقطر ومصر، أفرز مقاربة مغايرة لتلك التي تتبناها البعثة الأممية. وأضاف البكوش، في مقابلة مع قناة “ليبيا الأحرار” رصدتها “الساعة 24” أن الأمم المتحدة تركز عادة على الجانب السياسي عبر تعديل القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، بينما غاب أي ذكر للانتخابات في البيان الأخير لتلك الدول، وهو ما اعتبره تحولاً لافتاً.
وأضاف أن المقاربة الجديدة تميل نحو الملفات الاقتصادية وتوحيد المؤسسات المالية، خاصة المصرف المركزي ومؤسسة النفط، إضافة إلى تعزيز ما وصف بالتكامل الأمني بين الشرق والغرب من خلال توزيع الأدوار في قضايا مثل ضبط الحدود والهجرة، بدلاً من توحيد المؤسسة العسكرية.
ورأى البكوش أن هذا النهج يعكس صعوبة التوافق على سلطة سياسية موحدة تتبعها المؤسسة العسكرية، واعتبر أن الاجتماعات الأخيرة للأطراف كآفة، قد تمثل محاولة لإيجاد بدائل عملية بعد تعثر المسار السياسي، عبر حلول اقتصادية وأمنية جزئية لتحسين الموقف دون معالجة جذرية للأزمة، وفقا لقوله.
ونوه البكوش، بأن خطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه، القائمة على إقرار القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات قبل تشكيل حكومة جديدة، لن تجد طريقها للتنفيذ، لغياب أي آليات ملزمة أو ضمانات حقيقية.
وأوضح البكوش أن الأزمة الليبية في جوهرها أزمة شرعية، ولا تُحل إلا عبر انتخابات حرة ونزيهة، إلا أن القوى الرئيسية على الأرض، لا تبدي رغبة في المضي بهذا المسار، ما يجعل فرص نجاح خطة تيتيه محدودة.
وأشار إلى أن اجتماع الدول العشر في نيويورك عكس إدراكاً بعدم جدية الأطراف الليبية في الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وهو ما دفع هذه الدول إلى التركيز على ملفات بديلة مثل الاقتصاد، وتوحيد المؤسسات المالية، والتدريب والتكامل الأمني، معتبراً أن ذلك يمثل قبولاً ضمنياً باستمرار الانقسام السياسي والعسكري.
كما لفت البكوش إلى أن واشنطن تسعى لدعم استقلالية مؤسسات سيادية مثل المصرف المركزي ومؤسسة النفط وديوان المحاسبة، عبر تشجيع الأطراف على عدم عرقلة التفاهمات والتعاون، مستشهداً بما جرى سابقاً في التوافق على تعيين فرحات بن قدارة في مؤسسة النفط، والصديق الكبير في المصرف المركزي.
وأفاد بأن هذه الترتيبات قد توفر استقراراً نسبياً لمدة محدودة، لكنها لا تمثل حلاً جذرياً لأزمة الشرعية، ما يعني أن ليبيا ستظل معرضة لتكرار أزماتها السياسية في غياب اتفاق وطني شامل.
وأكد البكوش، أن ليبيا لا تمثل أولوية قصوى في أجندة الولايات المتحدة، رغم استمرار مؤسساتها الدفاعية والخارجية والاقتصادية في مراقبة الملف عن قرب.
وأشار إلى أن واشنطن تضع في مقدمة اهتماماتها منع روسيا من التمركز في ليبيا، فيما ترى بعض دوائر الاقتصاد في الولايات المتحدة أن رفع التجميد عن الأموال الليبية قد يتيح استثمار ما بين 30 إلى 45 مليار دولار في الاقتصادين الأمريكي والأوروبي.
وتابع البكوش: ليبيا تحتاج إلى توحيد القوات المسلحة وحماية المؤسسات الاقتصادية والمالية، غير أن الأولوية القصوى تبقى في إنهاء الانسداد السياسي. وتساءل: “من يدافع اليوم عن الانتخابات في ليبيا؟ أين الأحزاب وأين منظمات المجتمع المدني؟”، مشدداً على أن مجلسي الدولة والنواب، إلى جانب السلطات التنفيذية والعسكرية، لا يبدون أي حرص على الذهاب إلى صناديق الاقتراع.
وأشار إلى أن استمرار غياب الإرادة السياسية قد يُبقي ليبيا عالقة في المراحل الانتقالية حتى عام 2031 دون دستور أو استقرار مؤسسي، ما يجعل البلاد رهينة لحلول مؤقتة تطرحها مجموعات دولية بين الحين والآخر، دون أن تقدم مخرجاً حقيقياً للأزمة.
وبين البكوش أن الأزمة الليبية، باتفاق الجميع، هي أزمة شرعية، مشيراً إلى أن الحل واضح ويتمثل في إصدار دستور يُعرض على الاستفتاء ثم الذهاب إلى انتخابات تنتج سلطات دائمة تسمح بالتداول السلمي للسلطة، على حد قوله.
وذكر أن هذا الطرح لا يتبناه أي طرف من الأطراف القائمة، لافتاً إلى أن الدول المتدخلة، بدورها، لا تدافع عن هذا المسار، بل تركز على الإصلاحات الاقتصادية والأمنية.
وأضاف أن البعثة الأممية وضعت خارطة طريق تحدثت عن الانتخابات، لكنها لم تقدم آليات تضمن تنفيذها، وكأنها لم تستفد من التجارب السابقة.
وأكد أن الشعب الليبي هو الجهة الوحيدة القادرة على فرض الحل عبر الاستفتاء على الدستور والانتخابات، والخروج من دوامة المراحل الانتقالية، مشدداً على أن الإرادة الشعبية ما تزال غائبة.
وأشار البكوش إلى أن الليبيين، بدلاً من تحريك هذه الإرادة، يكتفون بالاحتجاج والشكوى في المقاهي، دون اتخاذ خطوات حقيقية للتغيير، في وقت أظهرت فيه تجارب دول مثل كينيا ونيبال وباكستان وبنغلاديش أن الشعوب قادرة على إسقاط الحكومات والأنظمة القائمة حين تتحرك بجدية.
وحمل البكوش، النخب السياسية مسؤولية غياب هذه الإرادة، متهماً إياها بالانشغال في اجتماعات وندوات وصفها بـ “الهامشية”، في وقت تعجز فيه عشرات الأحزاب عن تنظيم مظاهرة تطالب بالانتخابات، بينما يتسابق معظم قادتها إلى المناصب، بحسب تعبيره.
وانتقد كذلك اعتماد عدد من منظمات المجتمع المدني على التمويل الحكومي، ما يجعلها عاجزة عن لعب دور معارض مستقل،مضيفاً أن هذا الواقع أتاح للقوى الدولية أن تملأ الفراغ السياسي.
وأرجع البكوش أحد أسباب غياب الحراك الشعبي إلى قلة التجربة السياسية والكسل الفكري، فضلاً عن استمرار ثقافة ما أسماه بـ “الكولسة” التي ترسخت خلال 42 عاماً من حكم القذافي، حيث كان الطريق الأقصر للسلطة هو الصفقات والاتفاقات خلف الكواليس لا العمل السياسي العلني أو الانتخابات.
ونوه بأن هذه الثقافة ما تزال سائدة منذ مرحلة المؤتمر الوطني حتى اليوم، حيث تسعى الأطراف السياسية إلى اقتسام النفوذ عبر التحالفات والصفقات، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن، مؤكداً أن بعضهم لا يتردد في “التحالف مع الشيطان” لتحقيق مكاسب شخصية، على حد تعبيره.









