المسماري: واشنطن تسعى للتعامل مع الطرف القوي القادر على فرض الاستقرار في ليبيا

أكد أستاذ القانون، الدكتور راقي المسماري، أن هناك جهودًا دولية متسارعة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع عدد من الدول المتداخلة والفاعلة في الشأن الليبي، ودائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، مما يجعلها تلعب دورًا محوريًا في صياغة حلول للأزمة الليبية، مشيرا إلى الاجتماع الذي عُقد في نيويورك، وأعلنت عنه وزارة الخارجية الأمريكية، جرى من خلاله مناقشة مسارين رئيسيين لحل الأزمة: هما المسار الاقتصادي، والمسار السياسي.
وأوضح المسماري، في مداخلة عبر تلفزيون “المسار”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن التركيز على الجانب الاقتصادي يُعد ضروريًا لاستقرار ليبيا، مشددًا على أنه في حال نجاح هذا المسار، فإنه سيوفر بيئة ملائمة لتفعيل المسار السياسي والاتفاق على خارطة طريق موحدة.
ومع بقاء شهر واحد على تنفيذ خارطة الطريق، يرى الدكتور راقي أن الوضع يتطلب خطوات سريعة وحاسمة، وهو ما قد يكون صعبًا من الناحية اللوجستية أو التوافقية بين الأطراف المختلفة. كما أوضح أن الإدارة الأمريكية، باتت أقل اعتمادًا على الحلول الأممية والدولية، ما يعقّد معالجة الأزمة الليبية.
وأشار إلى أن واشنطن تركز حاليًا على بناء توافق حول محوري الاقتصاد والأمن، معتبرةً أن استقرار المناطق الرئيسية سيساهم بشكل كبير في تحقيق تقدم في العملية السياسية.
وبينّ أن التحديات الاقتصادية التي تواجه ليبيا، بما في ذلك تأمين نفقات الدولة وفق القوانين المالية الدولية، تُعد من أبرز العقبات أمام تحقيق الاستقرار، مؤكداً أن الحل يكمن في بناء منظومة اقتصادية متكاملة تدعم المؤسسات الوطنية، مثل مفوضية الانتخابات، التي بدورها تساهم في تصحيح القوانين المتعلقة بالعملية السياسية.
وفي سياق حديثه، شدد المسماري على ضرورة الإسراع في تنفيذ الخطط المطروحة، مع الأخذ في الاعتبار أهمية التنسيق الدولي ودعم الأطراف المحلية لتحقيق استقرار مستدام في ليبيا، مؤكدا أهمية الدور المركزي للاقتصاد في الأزمة الليبية.
ولفت المسماري إلى أن البيانات الصادرة عن المصرف المركزي تبين أن ليبيا صرفت حوالي 886 مليار دينار خلال 12 عاماً، مع تراكم ديون تصل إلى 170 مليار دينار و182 مليار دولار تم تحويلها للخارج بين عامي 2012 و2018، مبيناً أن هذه الأرقام تعكس وجود خلل جوهري في الاقتصاد الليبي.
ونبّه المسماري إلى أن ليبيا لا تملك ميزانية معتمدة حتى قرب نهاية عام 2025، وسط استمرار الإنفاق في غياب الترتيبات المالية الرسمية، وهو ما يشكل ضغطًا كبيرًا على المؤسسات العامة، خاصة في ظل الالتزامات المالية القائمة على الدولة تجاه مشروعات إعادة الإعمار في شرق البلاد، ومقاولين أجانب ومحليين.
وبشأن الوضع الأمني، أكد المسماري أن التدهور الأمني أدى إلى تفاقم الأوضاع في البلاد، مما أثر بشكل مباشر على الحكومة في طرابلس التي تعاني من ضغوط السلاح والخروقات الأمنية، كما أن الأزمة تمددت لتصبح أزمة سياسية واقتصادية..
وفيما يتعلق ببيان الدول العشر الذي صدر عن الاجتماع الدولي، أشار المسماري إلى أنه يعكس وجهة نظر مختلفة عن خطة البعثة الأممية، حيث ركز على مسارين اقتصادي وأمني، بينما لم يتناول خطة البعثة بشكل كافٍ.
وأعرب المسماري عن أمله في أن تتعامل الدول المعنية بجدية مع المسار الاقتصادي بالتوازي مع المسار العسكري، للوصول إلى توافق سياسي شامل يمكن أن يقود إلى استقرار دائم في ليبيا.
ورأى المسماري أن الدول الأوروبية لم تنجح في إدارة الأزمة الليبية، مشيرًا إلى أن فرنسا دعمت طرفًا معينًا في الصراع، بينما انحازت إيطاليا لطرف آخر، ما تسبب في تداخل المصالح وتفاقم الأزمة، وبالتالي فإن الانقسام الأوروبي الداخلي انعكس سلبًا على المشهد الليبي، ما أدى إلى تراخي المجتمع الدولي تجاه القضية.
وأشار المسماري إلى أن المجتمع الدولي ارتكب سلسلة من الأخطاء، بدءًا من تدخله عام 2011، مرورًا باتفاق الصخيرات، ثم اتفاقي تونس وجنيف، مؤكدًا أن هذه الاتفاقات كانت جيدة من الناحية القانونية، لكنها افتقرت لأدوات تنفيذ حقيقية على الأرض، مما حوّل الأزمة من سياسية إلى أمنية، ثم إلى أزمة اقتصادية عميقة.
وفي معرض رده على إمكانية توحيد الحكومتين، قال المسماري إن ما حدث مؤخرًا في طرابلس من مواجهات مسلحة وتحركات عسكرية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، لم يكن يهدف إلى إشعال الحرب بقدر ما كان محاولة لفرض أمر واقع سياسي. وبيّن أن هذه التحركات كانت محاولة لتصفية الخصوم السياسيين وإقصائهم من طاولة التفاوض، عبر استعراض القوة العسكرية والتلويح بالسيطرة الميدانية.
وأضاف أن هذه الرسائل وصلت إلى أطراف دولية عديدة، بما فيها الولايات المتحدة والأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن، الذين باتوا يدركون أن تحريك القوات على الأرض ليس بالضرورة إعلانًا لحرب، بل وسيلة لفرض معادلة تفاوضية جديدة.
ورأى المسماري أن التعويل على تحالفات واقعية بين أطراف النفوذ العسكري والسياسي في شرق البلاد وغربها قد يكون أحد الحلول الممكنة، خاصة في ظل دعم بعض القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لتحركات تقود إلى إعادة هيكلة العملية السياسية على أسس اقتصادية وأمنية متينة.
وتطرق المسماري، إلى الانقسام الدولي بشان الملف الليبي، مبيناً أن هذا الانقسام أدى إلى وجود مسارين متوازيين، أحدهما أممي تقوده البعثة الأممية، والآخر أمريكي بدأ يتبلور بقوة في الآونة الأخيرة. موضحاً أن المسار الأمريكي يبدو في ظاهره متكاملًا أو داعمًا للمسار الأممي، إلا أن التحليل الواقعي يُظهر وجود تباين واختلاف واضح بينهما، ما يستوجب الفصل في فهم توجهات كل مسار على حدة.
وقال إن المبعوثة الأممية هانا تيتيه أبلغت عدة شخصيات ليبية بأن مجلس الأمن منقسم بشأن رؤيتها، مبينًا أن الانقسام لم يعد بين الولايات المتحدة وروسيا كما في السابق، بل بات بين روسيا والدول الأوروبية. ففي حين تتجه أوروبا نحو موقف معين، يذهب الروس في الاتجاه المعاكس، بينما تلعب واشنطن دور التوازن بين الطرفين.
وتابع المسماري أن أميركا اليوم أقرب إلى روسيا منها إلى أوروبا فيما يخص الشأن الليبي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تمضي قدمًا في مسار مستقل، بمشاركة قوى دولية كبرى، في حين يُحتمل استدعاء روسيا لاحقًا للمشاركة في هذا المسار.
وحول اللقاءات الأخيرة، أوضح المسماري أن الدور الأمريكي بات أكثر وضوحًا، خصوصًا فيما يتعلق بتقديم طرح اقتصادي وأمني يمهد لحل سياسي. ولفت إلى أن واشنطن تدرك أن نجاح العملية السياسية في ليبيا يتطلب أولًا تحسن الأوضاع الاقتصادية، تليها معالجة الملف الأمني.
وفي هذا السياق، قال المسماري إن واشنطن تبحث عن الطرف القوي في ليبيا، أي الطرف الذي يسيطر فعليًا على أكثر من 80% من الأراضي، ويتحكم في التشكيلات الاجتماعية والعسكرية، ويمتلك خبرات أمنية واتفاقيات خارجية، بما يؤهله للسيطرة وفرض الاستقرار على الأرض.
وأضاف أن هذا الطرف يُعتبر الأجدر في حماية مصالح المجتمع الدولي، مؤكدًا أن استقرار ليبيا يبدأ من القدرة على حماية الحدود، المؤسسات، الثروات الوطنية، والداخل الليبي على المستويات الاجتماعية والإدارية والمالية.
وأشار المسماري إلى أن هناك إشارات واضحة على ترتيبات أمنية تجري حاليًا في غرب البلاد، عبر تواصل عسكري وأمني مباشر بين قيادات ليبية وأمريكية، وأن بعض هذه الترتيبات تمهد لما وصفه بـ “عملية استحواذ” لصالح القوات المسلحة العربية الليبية، وذلك من خلال إعادة هيكلة التشكيلات المسلحة ودمجها تحت قيادة موحدة.
وتوقع أن تؤدي هذه الخطوات إلى فترة هدنة أمنية واقتصادية واجتماعية، تفتح المجال أمام الذهاب إلى تسوية سياسية حقيقية تنظمها صناديق الاقتراع، مؤكدًا أن لا إمكانية لأي عملية انتخابية ناجحة في ظل الفوضى الأمنية والسلاح المنفلت.









