اخبار مميزةليبيا

العبدلي: ليبيا تفتقر إلى استراتيجية واضحة وشاملة لإدارة ملف الهجرة

كشف المحلل السياسي المختص في شؤون الهجرة، حسام الدين العبدلي، أن أكثر من 450 شخصاً قُتلوا أو فُقدوا في عرض البحر منذ بداية العام الجاري، وفق إحصاءات أولية قد لا تعكس الأعداد الحقيقية.

وأوضح العبدلي في مداخلة عبر قناة “الوسط”، أن هذه الأرقام ليست مجرد نتائج عرضية لظاهرة الهجرة، بل تعكس نمطاً ممنهجاً من التراخي وربما تجاهل رسمي لحياة هؤلاء الأشخاص، مضيفاً أن المهاجرين يتنقلون عبر شبكات تهريب تقودها في الغالب عصابات إجرامية لا تعترف بالقيم الإنسانية.

وأضاف أن الكثير من المهاجرين يتعرضون أثناء رحلتهم الطويلة عبر الصحراء ثم إلى المدن الساحلية، لأشكال متعددة من الانتهاكات مثل التعذيب والابتزاز والقتل، في ظل غياب حماية حقيقية من قبل السلطات الليبية.

وأكد أن مكافحة هذه الظاهرة يجب أن تبدأ بمحاربة المهربين وليس ملاحقة المهاجرين أو احتجازهم، مشدداً على أن الدولة مطالبة بحماية كل من يدخل أراضيها، ولو بطرق غير قانونية، كونهم في النهاية بشر لهم حقوق إنسانية يجب احترامها.

وتطرق العبدلي إلى تفكك المنظومة الرسمية المعنية بإدارة ملف الهجرة في ليبيا، مشيراً إلى أن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية تم حله بقرار من رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، وأن الجهاز البديل الممثل في الإدارة العامة للهجرة، ما زال يواجه صعوبات في استكمال هيكليته ونقل الموظفين إليه.

وأشار إلى أن هذا الوضع، انعكس سلباً على الأداء الميداني، خاصة في ظل الخلافات السياسية والأمنية التي عطلت عمل الأجهزة التنفيذية.

ونوه العبدلي إلى أن الاشتباكات الأخيرة في العاصمة طرابلس ساهمت في تقويض سلطة الجهاز الأمني المعني، مضيفاً أن رئيس الجهاز السابق كان يعاني أصلاً من ضعف في الأداء، فما بالك عندما يُحاصر بصراعات مع رئيس حكومته.

وشدد العبدلي على أن ليبيا تفتقر إلى استراتيجية واضحة وشاملة لإدارة ملف الهجرة، مؤكداً أن المرحلة الأمنية الأولى يجب أن تركز على تفكيك شبكات التهريب المنظمة، قبل الانتقال إلى التعامل مع المهاجرين أنفسهم، الذين هم في النهاية ضحايا وليسوا جناة.

وأكد العبدلي أن ليبيا في ظل أوضاعها السياسية المتأزمة، غير قادرة على معالجة ملف الهجرة بشكل إنساني أو قانوني، مشددًا على أن غياب قانون للجوء وتدهور المؤسسات يمثلان عقبتين أساسيتين أمام تحسين أوضاع المهاجرين داخل البلاد.

وأشار إلى أن عدد المهاجرين في ليبيا بات يفوق عدد السكان الأصليين في بعض المناطق، وهو ما يثير مخاوف لدى المسؤولين من أن فتح الباب أمام تقنين أوضاعهم ومنحهم الحماية القانونية قد يهدد الأمن القومي للبلاد مستقبلًا.

كما انتقد العبدلي ما وصفه بغياب الجدية من حكومة الوحدة المؤقتة في التعاون مع دول المهاجرين الأصلية لإعادتهم، مستغربًا في الوقت ذاته من استمرار عمليات إعادة المهاجرين من عرض البحر إلى السواحل الليبية، مما أدى إلى تكدّسهم بأعداد ضخمة، ما يطرح تساؤلات عن احتمال وجود صفقات غير معلنة بين ليبيا وبعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا.

وفي سياق متصل، أشار العبدلي إلى تصريحات سابقة لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي اعتبرت أن التعاون مع ليبيا أدى إلى انخفاض كبير في أعداد المهاجرين نحو أوروبا، وهو ما يعزز الشكوك حول ضغوط أوروبية تُمارس على طرابلس للعب دور الشرطي الحدودي.

وشدد العبدلي على أن ليبيا، دولة منقسمة سياسياً وغير قادرة على تلبية احتياجات شعبها أو معالجة أزماتها الداخلية، وبالتالي فهي غير مهيأة اليوم للتعامل مع ملفات خارجية معقدة كالهجرة، مبيناً أن بعض المهاجرين قد يشكلون تهديدًا أمنيًا، إذ أن في صفوفهم من يحمل سوابق جنائية أو انتمى سابقًا لمجموعات مسلحة في بلاده.

ولفت إلى تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين القادمين من السودان، الذين تجاوز عددهم 300 ألف شخص.

ودعا السلطات الليبية إلى ضرورة تنظيم وجود هؤلاء المهاجرين، عبر تخصيص أماكن محددة لإقامتهم، وتسهيل عملية إحصائهم وحمايتهم، تمهيدًا لإعادتهم إلى بلدانهم، حتى لو تطلب الأمر تحمّل الدولة الليبية بعض التكاليف.

وانتقد العبدلي ترك الحدود الليبية مفتوحة أمام الجميع، مشيرًا إلى أن الآلاف يتجهون نحو العاصمة طرابلس بهدف التسجيل في مفوضية شؤون اللاجئين، ما يزيد من تعقيد المشهد الإنساني والأمني في البلاد.

وذكر أن أزمة الهجرة لا يمكن معالجتها بشكل جذري دون التوصل إلى حل سياسي شامل ينهي حالة الانقسام ويعيد تنظيم مؤسسات الدولة الليبية.

ودعا العبدلي إلى إطلاق حوار وطني شامل بين الليبيين، يفضي إلى بناء رؤية موحدة للدولة، ويضع أسساً واضحة للتعامل مع ملف الهجرة في إطار حماية حقوق الإنسان، ومناقشة آليات الترحيل، للوصول إلى نتائج توضح تأثير هذه الظاهرة على الأمن القومي والديموغرافيا الليبية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى