الدينالي: إخفاق النخب السياسية سبب تعثر المسار الأممي في ليبيا

قال المحلل السياسي سعد الدينالي، إن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أصبحت انعكاسًا مجردًا للواقع الليبي المنقسم، معتبرًا أنها تأثرت بالمشهد السياسي الداخلي من صراعات، وأصبحت تتحرك وفق ردود أفعال تجاه الأحداث، بدلًا من أن تكون جهة مبادرة للحلول.
وأشار الدينالي في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار” إلى أن البعثة لم تعد تمارس دورها كمظلة محايدة، بل باتت تحاول إيجاد حلول تتوافق مع الفاعلين السياسيين الموجودين على الأرض، مما أفقدها القدرة على فرض توازن حقيقي.
وأضاف: “رغم هذا الأداء الضعيف، إلا أن وجود البعثة كان في بعض الأحيان يشكل عنصر توازن نسبي، ويخلق بيئة أقل توترًا بين الأطراف المتصارعة، حيث لعبت دور “رمانة الميزان” في مشهد بالغ التعقيد.
وأكد الدينالي أن الإخفاق الحقيقي لا يكمن في أداء البعثة الأممية فحسب، بل في النخب السياسية الليبية التي تتصدر المشهد. موضحاً أن المشكلة الجوهرية هي في العناصر الليبية التي تدير المشهد السياسي، وتصر على البقاء في نقطة الصفر، وتغذي الصراع السياسي العقيم الذي لا يمكن أن يؤدي إلى أي نتيجة حقيقية، مهما حاولت البعثة تقديم مقترحات أو حلول انتقالية.
وبينّ أن المبادرات السياسية التي طُرحت سابقاً كانت كفيلة – لو التزم بها الجميع – بأن تُفضي إلى حلول حقيقية، من بينها تنظيم الانتخابات، إلا أن أطرافاً محلية، سواء في الحكومة أو البرلمان أو المجلس الأعلى للدولة، كانت وراء إفشال هذه الخطط، ورفضت الانصياع للمسارات المقترحة.
وتابع: “الأجسام السياسية أصبحت، للأسف، متخصصة في صناعة الأزمات ووضع العراقيل أمام أي حل يُطرح، وهو ما دفع البعثة الأممية أحياناً إلى اتخاذ مواقف رد فعل، ومحاولة التماهي مع هذه الأطراف أملاً في الوصول إلى حل ممكن”.
وأردف الدينالي بأن البعثة الأممية تعاني من عثرات مستمرة، أبرزها غياب الاستمرارية بين المبعوثين، وضعف صلاحياتها في التأثير على الأطراف السياسية المحلية، مشدداً في الوقت ذاته على أن المشكلة الليبية “متداخلة ومركبة” وتتطلب جهداً جماعياً، ولا يمكن تحميل البعثة وحدها مسؤولية فشل العملية السياسية.
وبيّن الدينالي أن توصيف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للعقلية السائدة لدى الفاعلين الليبيين في المشهد السياسي، على أنها “عقلية صفرية”، هو توصيف دقيق للغاية ويعكس واقع الأزمة الليبية الراهنة. موضحاً أن هذه “العقلية الصفرية” تتجسد في قناعة الأطراف السياسية الليبية بأن المكاسب لا تتحقق إلا بالإقصاء الكامل للآخر.
وتابع: نحن عالقون في حلقة مفرغة، حيث يسود منطق: إما أن نأخذ كل شيء أو أن نحرق كل شيء.”
وبين أن التدخلات الدولية، خصوصًا من القوى الكبرى، تنعكس بشكل مباشر على أداء البعثة الأممية في ليبيا، بل وتمتد أحيانًا إلى مجلس الأمن نفسه، مما يتسبب في حالة من الارتباك والتضارب في مواقف الأطراف الدولية.
كما لفت الدينالي إلى أن هذه التدخلات تحدّ من قدرة البعثة على العمل بحرية، وسط محيط إقليمي ودولي غير مريح، تسوده تدخلات مباشرة وفرض أجندات سياسية من بعض الدول، ما يعمّق من تعقيدات المشهد الليبي ويعيق الوصول إلى حل سياسي شامل.
أما فيما يتعلق بجذور “العقلية الصفرية”، فقد أرجع الدينالي سببها إلى ما أسماه بالتصحر الفكري السياسي الناتج عن عقود من الحكم الديكتاتوري سابقاً، والذي رسّخ ثقافة الصوت الواحد والإقصاء.
واعتبر أن معظم السياسيين الحاليين هم نتاج تلك المدرسة التي لم تعتد على الحوار ولا تقبل المشاركة في صنع القرار.
وأكد أن هناك أزمة ثقافية متجذرة في ذهنية بعض السياسيين الليبيين، تتمثل في اعتقاد كل طرف بامتلاك الحقيقة المطلقة، ورفضه الاعتراف بأن حل الأزمة الليبية يتطلب الشراكة والتوافق، لا الانفراد بالقرار.
واختتم الدينالي حديثه بالتأكيد على أن الشراكة السياسية هي السبيل الوحيد لحل المأزق الليبي، لكن أغلب الساسة يرفضون هذا المفهوم ويصرّون على المضي في نهج الإقصاء والتفرد بالسلطة.









