اخبار مميزةليبيا

المخزوم: الحديث عن حوار مهيكل لا يعني إعادة إنتاج مؤتمر وطني جديد

أكد أستاذ القانون الدستوري بجامعة طرابلس، الدكتور صالح المخزوم أن انقضاء المدة المحددة لشهري الحوار بين مجلسي النواب والدولة لم يكن مفاجئًا، مشيرًا إلى أن التجربة أثبتت منذ عام 2012 أن هذه الأجسام عاجزة عن إنجاز أي تقدم ملموس في المسار السياسي أو الدستوري.

وأوضح المخزوم في حديث لقناة الوسط، رصدته “الساعة 24” أن “الهدف من تحديد المدة كان تنظيميًا فقط، وأن البعثة الأممية سعت من خلال هذا الإجراء إلى رفع الحرج عن نفسها وإظهار حرصها على تحريك عجلة الحوار، دون أن تتوقع نتائج حقيقية من المجلسين”.

وأضاف أن الشخصيات المتصدرة للمشهد السياسي في الشرق والغرب تنتظر دائمًا ما يُفرض عليها من حدود أو حلول جاهزة، معتبرًا أن هذه النخب لا تمتلك روح المبادرة ولا القدرة على الإنجاز، بل تتصارع على النفوذ والتمثيل دون إدراك لضرورة استثمار وجود البعثة الأممية كما فعل المؤسسون سابقًا.

وحول مسألة “انتظار الحلول”، أوضح المخزوم أن هذا الانتظار نسبي، وليس مطلقًا، مشيرًا إلى أن الأطراف السياسية “تترقب الشكل الذي ستجلس به البعثة الأممية على طاولة الحوار، وما إذا كانت ستعيد تجربة اتفاق الصخيرات أو جنيف من خلال إشراك الأطراف ذاتها كأعضاء في مسار جديد.

وبيّن أن البعثة تسعى إلى الحفاظ على المسار الدستوري والانتخابي بإشراك ممثلين عن المجلسين أو اختيار شخصيات بديلة عن طريق المناطق، وهو ما يجعلها -بحسب قوله – تسعى للتوازن أكثر من السعي للحسم.

وأشار المخزوم إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب القيادات الوطنية القادرة على تحمّل المسؤولية واتخاذ زمام المبادرة، مؤكدًا أن كل ما يجري حاليًا هو انتظار للحل من الخارج.

واستشهد المخزوم بما حدث في تجربة حكومة باشاغا، معتبرًا أنها كانت نموذجًا واضحًا على فشل البعثة في دعم التوافق المحلي. مبيناً إن الاتفاق بين الشرق والغرب كان حقيقيًا وقويًا حينها، إلا أن بعثة الأمم المتحدة لم تُقرّه بسبب اعتراض حكومة الدبيبة ومن معها في المنطقة الغربية، مضيفًا أن البعثة الأممية تفشل حين يتمترس أحد الأطراف، وأحيانًا ترتبك أو حتى تسعد بذلك التعطيل.

وأكد أن مستقبل الحل في ليبيا مرهون بوجود إرادة وطنية حقيقية تتجاوز حالة الانتظار، وتبادر إلى فرض رؤية توافقية بعيدًا عن الاعتماد الكامل على البعثة الأممية أو الضغوط الخارجية.
ولفت المخزوم أن الحديث عن حوار سياسي مهيكل يضم شخصيات سياسية وعسكرية ومدنية لا يعني بالضرورة إعادة إنتاج مؤتمر وطني جديد أو تشكيل مرحلة انتقالية جديدة بالكامل، بل يمثل محاولة لإذابة المجلسين القائمين “النواب والدولة” ضمن إطار حوار شامل يضم مختلف الفئات الليبية دون أن يكون المجلسان المتحكمين في المشهد السياسي.

وأوضح المخزوم أن فكرة “الإذابة” لا تعني إنهاء وجود المجلسين، بل دمجهما في عملية سياسية أوسع تتيح لجميع الأطراف المشاركة في صياغة حل جديد للأزمة الليبية.

وبيّن أن البعثة الأممية لا تزال تعتبر هذا الحوار المهيكل خيارًا مطروحًا، رغم تحفظها السابق على ما يعرف بـ “الخيار الرابع” الذي اقترحته اللجنة الاستشارية، والمتعلق بتشكيل مجلس انتقالي ومؤتمر وطني جديد.

وأشار المخزوم إلى أن الضغوط الدولية هي العامل الرئيس الذي يدفع البعثة الأممية إلى تحريك العملية السياسية، مستعرضًا المراحل السابقة التي شهدت تدخلاً أمميًا تحت تأثير أحداث ميدانية كبرى. وقال: “إن اتفاق الصخيرات جاء نتيجة تمدد تنظيم داعش في مدينة سرت عام 2015، ما دفع المجتمع الدولي إلى الضغط على الأطراف الليبية للتوصل إلى اتفاق سياسي”.

ورأى، أن اتفاق جنيف عام 2020 جاء بعد حرب طرابلس عام 2019، والتي شهدت تدخلات عسكرية خارجية من روسيا في الشرق وتركيا في الغرب، مما اضطر القوى الدولية إلى فرض وقف إطلاق النار وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وتابع المخزوم: أن جزءًا كبيرًا من النفط الليبي يُباع خارج الرقابة المحلية والدولية، ما جعل الفساد المالي ونهب الثروات الوطنية سببًا جديدًا للضغط الدولي على الأطراف الليبية.
وشدد على أن المجلسين القائمين غير قادرين على تحقيق أي تقدم سياسي حقيقي، وأن الحل يكمن في تشكيل كتلة وطنية قوية من النخب الليبية، تستفيد من الضغط الدولي ومن دور الأمم المتحدة لدفع العملية السياسية نحو حل شامل يعيد للدولة الليبية سيادتها ووحدتها.

من جهة ثانية اعتبر المخزوم أن المسار الأممي يواجه تحديات متزايدة في ظل بروز المسار الأمريكي الذي ترعاه واشنطن لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، مشيراً إلى أن البعثة تركت له الفرصة دون إعلان رسمي.

وأشار إلى أن هذه التطورات تعيد إلى الأذهان مرحلة اتفاق الصخيرات، حين كان المجتمع الدولي موحداً تجاه ليبيا، ولم يكن الانقسام بين القوى الكبرى قد بلغ ما هو عليه اليوم. ونقل المخزوم عن المبعوث الأمريكي في تلك المرحلة، جوناثان وينر، قوله لليبيين: “استظلوا بعدم اختلافنا مع روسيا حول ليبيا، لأنكم إن فقدتم هذا التوافق الدولي فلن تقوم لكم قائمة كما حدث في سوريا.”

وأضاف أن وحدة الموقف الدولي آنذاك مكّنت المبعوث الأممي من إنجاز اتفاق الصخيرات بنجاح نسبي، غير أن “الطامعين والمتشبثين بالسلطة” أفشلوا تطبيقه، ما أدى إلى استمرار الأزمة السياسية حتى اليوم.

ورغم ذلك، عبّر المخزوم عن تفاؤله الحذر، معتبراً أن ضعف دور الأمم المتحدة والانقسام بين الدول الكبرى يمثلان فرصة لليبيين من أجل استعادة إرادتهم الوطنية، كما حدث في خمسينيات القرن الماضي عندما تمكنت القوى الوطنية من استثمار الخلاف الدولي لإعلان استقلال ليبيا عام 1951 عبر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 289، بإشراف المبعوث الهولندي أدريان بيرت.

واستعرض المخزوم تجربة تأسيس الدولة الليبية، مشيراً إلى أن الدستور الذي وُضع آنذاك رغم ملاحظاته، كان نتاج إرادة وطنية صلبة سعت لتوحيد البلاد. واستطرد: الضغوط الدولية في الستينيات دفعت نحو إنهاء النظام الفيدرالي لتسهيل إدارة الثروات النفطية، وهو ما استجاب له الليبيون توحيداً لبلدهم.

وفي حديثه عن مرحلة ما قبل انقلاب 1969، اعتبر المخزوم أن الفساد وضعف مؤسسات الدولة الملكية مهّدا الطريق أمام سقوط النظام، داعياً إلى استخلاص الدروس من التاريخ وإدراك أن غياب الإرادة الوطنية الحقيقية يفتح الباب أمام الفوضى والتدخلات الخارجية.

وختم المخزوم بالتأكيد على ضرورة تشكيل نخبة وطنية جديدة تتجاوز من وصفهم بـ “الفاسدين المتحكمين في المليارات”، وتعمل على توحيد الليبيين حول طاولة حوار لإنقاذ البلاد، قائلاً: “الليبيون اليوم يعانون الجوع وتُهدر أموالهم، وحان الوقت لظهور كتلة وطنية قوية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى