اخبار مميزةليبيا

العبود: الأزمة الليبية تحتاج إلى معالجة سياسية من «خارج الصندوق»

أكد الأكاديمي والسياسي أحمد العبود، أن المشهد السياسي في ليبيا يواجه ثلاث إشكاليات رئيسية تتعلق بالاستحقاق الانتخابي، واستكمال تشكيل الحكومة، وإعادة هيكلة المفوضية العليا للانتخابات، مشيرًا إلى أن مجلسي النواب والدولة أصبحا عاجزين عن تحقيق أي تقدم ملموس في هذه الملفات بعد انتهاء المدة الزمنية الممنوحة لهما.

وقال العبود، في مداخلة عبر قناة «الوسط»، رصدتها «الساعة 24»: “المجلسان لم ينجزا ما كُلّفا به خلال الشهرين المحددين، خاصة فيما يتعلق بـالتعديل الدستوري الرابع عشر، وقوانين الانتخابات، واستكمال بنية المفوضية، وما يجري اليوم هو عودة إلى نقطة الصفر، ومحاولة لإعادة إنتاج مسار بوزنيقة الذي لم يلقَ دعمًا من البعثة الأممية في ملف المناصب السيادية”.

وأشار إلى أن الخلاف حول المناصب السيادية ما زال قائمًا، بعد مطالبة أكثر من سبعين نائبًا بفتح ملفها من جديد وفق مبدأ العدالة والمساواة بين الأقاليم الثلاثة، مؤكدًا أن غياب التوازن في توزيع المناصب زاد من حدة الانقسام السياسي والمؤسسي، لافتا إلى أن البعثة الأممية لم تُعلن حتى الآن عن انتهاء المرحلة الأولى من الحوار السياسي، ولم تضع آليات أو معايير واضحة لتشكيل لجنة “الحوار الهيكلي” أو “الحوار التأسيسي”، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على غياب هذا المسار.

وأضاف أن الملف الأمني يمثل فرصة ضائعة للبعثة الأممية، إذ كان ينبغي بعد الاشتباكات الأخيرة في طرابلس الدفع باتجاه تنفيذ ترتيبات أمنية حقيقية لإخراج التشكيلات المسلحة من العاصمة، وتوحيد المؤسسة الأمنية، في مسار موازٍ لمحادثات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) التي وصفها بأنها بحاجة إلى “قبلة حياة” لتجديد آلياتها وبنيتها.

وانتقد العبود ما وصفه بـ “المنهج القائم على الغموض البنّاء” الذي تتبعه البعثة الأممية، معتبرًا أنه أصبح عاجزًا عن تفكيك تعقيدات الأزمة الليبية، داعيًا إلى مراجعة شاملة لمسارات البعثة وأهدافها وآلياتها، سواء في المسار المؤسسي أو المسار الهيكلي الجديد.

وفي سياق مداخلته، أشار العبود إلى تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي دعا إلى تجديد أدوات التسوية والانفتاح على جميع الأطراف الليبية دون استثناء، مشددًا على أن جميع المؤسسات الحالية فقدت شرعيتها وانتهت آجالها الزمنية، ما يستدعي البحث عن معالجة سياسية جديدة تختلف عن تجارب الصخيرات وتونس وجنيف، وتقوم على حلول “خارج الصندوق” تضمن شمولية المشاركة وإنهاء الانسداد السياسي القائم.

أكد العبود أن ورقة العقوبات الأممية لم تعد ذات جدوى في ظل حالة الشلل والعجز التي يعيشها مجلس الأمن والمجالس التشريعية، مشيراً إلى أن حتى التلويح بالعقوبات أصبح بلا تأثير حقيقي على الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي.

وأوضح أن مجلس الأمن يعيش انقساماً واضحاً منذ عام 2020 نتيجة للأزمات الدولية المتلاحقة، أبرزها الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، وتعقيدات الملف الليبي، لافتاً إلى أن المسار الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بات هو الأبرز في إدارة الأزمة الليبية، رغم اعتراضات بعض الأطراف الدولية عليه.

وأشار إلى أن مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس يبني على تراكمات السياسة الأمريكية السابقة في التعامل مع طرفي الأزمة الليبية، سواء على مستوى المؤسسة الوطنية للنفط أو المصرف المركزي، إضافة إلى الدفع نحو تكامل اقتصادي وأمني، بل وحتى عسكري، حيث من المنتظر أن تُعقد مناورات عسكرية مشتركة في مارس 2026 بين القيادة العامة للقوات المسلحة وتشكيلات تتبع وزارة الدفاع بحكومة الوحدة المؤقتة.

وأضاف العبود أن المسار الأمريكي يهدف إلى تقصير الطريق نحو الانتخابات وتوحيد الحكومة، وهو ما أثار انتقادات المبعوثة الأممية هناء تيتيه، في حين تواجه خطتها اعتراضاً روسياً صريحاً يرفض تجاوز مجلسي النواب والدولة في أي تسوية سياسية.

كما تساءل عن ضمانات استمرار المبعوثة الأممية في مهامها، مشيراً إلى أن ولايتها تنتهي في ديسمبر المقبل، في الوقت الذي وضعت فيه جداول زمنية للانتقال إلى المرحلة الثانية من العملية السياسية في نوفمبر، متسائلاً عما إذا كان سيتم التجديد لها أم لا.

وفي السياق ذاته، بينّ العبود أن الدعم الدولي للمسار الأممي الحالي ضعيف للغاية مقارنة بما حظيت به بعثات سابقة مثل برناردينو ليون، أو ستيفاني ويليامز أو غسان سلامة، مؤكداً أن البيئة الليبية تفتقر اليوم إلى الضمانات الحقيقية لفرض أي اتفاق سياسي، وأن نجاح أي تسوية مشروط بمدى التوافق الداخلي والدعم الإقليمي والدولي.

وشدد العبود على أن ملف ليبيا لم يعد ضمن أولويات المجتمع الدولي في ظل تشعب الأزمات العالمية، مبيناً أن خريطة الطريق التي تطرحها هناء تيتيه لا تزال غامضة بالنسبة حتى للأطراف الدولية، سواء فيما يتعلق بـ آلية الحوار المهيكل أو القضايا التي سيتم طرحها خلاله، مثل القوانين الانتخابية والأمن الانتخابي وتوحيد الحكومة والإعلان الدستوري الرابع عشر.

وتطرق بالقول إن المشهد الليبي يسير في مسارين متوازيين: الأول ترعاه الولايات المتحدة ويهدف إلى تشكيل حكومة موحدة، والثاني تمثله البعثة الأممية التي لم تحسم بعد موقفها من دعم توحيد الحكومتين أو تشكيل حكومة جديدة، مؤكداً أن غموض هذا المسار الأممي يزيد من تعقيد الأزمة وتأجيل الحلول السياسية المنتظرة.

ورأى العبود إنّ الحكم على إمكانية خروج الليبيين بحلّ حقيقي من خلال البعثة الأممية يبقى أمراً صعباً، مؤكداً أنه لا يستطيع أن يكون “متفائلاً ولا متشائماً”، لكن دروس التاريخ تدفع – على حد تعبيره – إلى التأمل والاتعاظ من التجارب السابقة.

ولفت العبود إلى أنّ الليبيين في الماضي استطاعوا، رغم فقرهم وقلة مواردهم، أن يوحدوا صفوفهم ويحققوا استقلالهم بدعمٍ دولي ساعد على قيام دولة ليبيا الاتحادية في عهد الملك إدريس السنوسي، لافتاً إلى أن النفط، الذي كان من المفترض أن يكون نعمة، تحوّل اليوم إلى عامل انقسام وصراع على الموارد.

وأشار إلى أن ليبيا تعيش حالة فوضى منذ إلغاء النظام الفيدرالي عام 1963، مبيناً أن المشكلات الراهنة ليست جديدة، لكنها تفاقمت بسبب غياب الوحدة الوطنية وتوزع المؤسسات بين الأقاليم منذ عام 2014، مما جعل البلاد “دولة غير موحدة تتقاسم مؤسساتها وتواجه أزمة اقتصادية خانقة”.

وأكد العبود أن ليبيا اليوم “تُفقر من مواردها المالية والاقتصادية”، مشيراً إلى أن الإنفاق الحكومي تجاوز 8 مليارات دولار في وقت يعجز فيه المواطن عن تأمين الحد الأدنى من معيشته. وأضاف أن الدولة “على وشك الإفلاس” إن لم يتم التحرك بخطة وطنية شاملة تقودها الكفاءات الليبية لتوحيد البلاد وإنقاذها من الانهيار.

وشدد الأكاديمي والمحلل السياسي على ضرورة استغلال أي فرصة متاحة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق المصالحة الوطنية، مشيراً إلى أهمية المبادرة التي تتحدث حول “تكتل الكتلة الحرجة” كخطوة لتجميع الإرادات الوطنية حول مشروع وطني موحد.

وختم قائلاً: “آن الأوان أن يدرك الليبيون حجم الأزمة التي يعيشونها، وأن يعملوا على توحيد دولتهم قبل فوات الأوان، فليبيا تمتلك موقعاً جغرافياً فريداً وإمكانات كبيرة، لكن استمرار الانقسام سيقودها إلى الانهيار الكامل”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى