مستشار في بناء السلام: الحوار المهيكل نسخة مكررة من تجارب فاشلة سابقة
قال المستشار في بناء السلام رياض بومطاري، إن البعثة الأممية في ليبيا تعمل على إعادة تدوير الحوار السياسي، مؤكداً أن ما يُطرح اليوم تحت مسمى الحوار المهيكل ليس جديداً، بل هو نسخة مكررة، من الحوارات السابقة التي لم تُحدث أي تغيير فعلي في المشهد السياسي.
ورأى بومطاري في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها «الساعة 24»، أن البعثة هي الطرف الوحيد الذي يحتكر إدارة الحوار، وبالتالي فإن الحوار الليبي هو نتاج منظومة البعثة الأممية، لا نتيجة توافق وطني حقيقي. وأضاف أن كثيراً من الأطراف لا تؤمن بالحوار كمفهوم سياسي أصيل، مستشهداً بفترة الجمود السياسي التي استمرت لأكثر من أربع أو خمس سنوات، ما يعكس، بحسب قوله، أن الحوار بالنسبة لكثيرين مجرد وسيلة لإعادة التموضع السياسي أو إعادة تشكيل الخارطة السياسية من جديد.
وأشار بومطاري، إلى أن الحوار المهيكل الذي أطلقته الممثلة الأممية هانا تيتيه، ليس إلا تكراراً لآلية سابقة اعتمدتها المبعوثة السابقة ستيفاني ويليامز، ولم تُترجم نتائجها في أي أجندة عملية، متوقعاً أن ينتهي الحوار الحالي إلى النتيجة ذاتها. وأضاف أن ما يجري محاولة لشرعنة ما هو قادم بمعايير وآليات تحددها البعثة أو من يؤثر فيها.
وعن تمثيل المشاركين في الحوار الذي يتراوح عددهم بين 100 إلى 120 شخصية، تساءل بومطاري عن مدى قدرة البعثة على تحقيق تمثيل فعلي لمختلف القوى السياسية والاجتماعية، مشيراً إلى أن تجربة سابقة طرحت فيها البعثة حواراً بمشاركة 200 شخصية في عهد المبعوث غسان سلامة، لكنها واجهت تساؤلات جوهرية حول من يمثل فعلاً المؤسسات الليبية القائمة على الأرض.
وبحسب بومطاري فإن الأحزاب السياسية المسجلة في ليبيا اليوم تتجاوز 190 حزباً، منها ما هو فعّال ومنها ما هو شكلي، إضافة إلى ما بين 5000 و6000 منظمة مجتمع مدني، فضلاً عن النقابات والكيانات المحلية الأخرى. ورأى أن هذا العدد الكبير يجعل من المستحيل تمثيل كل هذه الأطراف في حوار يضم 200 شخص فقط، معتبراً أن البعثة تبحث عن ركائز غير ثابتة، لأن العديد من هذه الكيانات تتغيّر أو تُستحدث بشكل متكرر، مما يجعل عملية التمثيل غير مستقرة.
وانتقد بومطاري، أيضاً اختيار بعض الشخصيات أو الجهات التي تأثيرها على الأرض يساوي صفراً، مشيراً إلى أن تمثيلها لا يتجاوز نقل وجهات نظر شخصية أو محدودة لا تعبّر عن الرأي العام الليبي. وأضاف: “كيف يمكن أن نسمي هذا حواراً وطنياً شاملاً يعكس وجهة نظر الليبيين جميعاً؟ أعتقد أن ذلك أقرب إلى الخيال”.
ورغم انتقاداته، أقرّ بومطاري بأن هذا المسار هو الوحيد المطروح حالياً، موضحاً أن الليبيين ينتظرون انطلاق حوارات البعثة أملاً في إيجاد موطئ قدم داخل العملية السياسية. مؤكداً أن الحاجة قائمة لحوار شامل، ولكن بشرط أن يكون قائماً على أسس واضحة ومعايير شفافة تضمن تمثيل جميع القوى الفاعلة في ليبيا بشكل عادل وحقيقي، لا أن يكون مجرد إعادة إنتاج للمشهد السابق.
وبينّ أن هناك فرقاً جوهرياً بين الحوار والتفاوض، إذ أن الحوار يقوم على تبادل وجهات النظر وقد لا يفضي إلى اتفاق بالضرورة، بينما التفاوض يسعى إلى الوصول إلى اتفاق مُلزِم.
وأكد أن ما يحدث اليوم هو في جوهره مرحلة من مراحل التفاوض لا الحوار، إذ تجلس الأطراف الليبية حول طاولة واحدة بهدف الوصول إلى صيغة اتفاق، مشدداً على ضرورة التعامل مع العملية السياسية بواقعية أكبر، وبناء سيناريوهات على أساس الفرضية الأسوأ، وليس التفاؤل المفرط بنتائج مثالية.
وشدد المستشار في بناء السلام، على أنه لا يوجد أي طرف محلي قادر على فرض مخرجات الحوار على الأرض، لأن ذلك يتطلب سيطرة شاملة على البلاد، وهو أمر غير متحقق في ظل الانقسام الجغرافي والعسكري. وقال إن السيطرة في ليبيا متعددة ومجزأة، ما يجعل فرض أي اتفاق مستحيلاً في ظل غياب قوة موحدة أو إرادة جامعة.
وأضاف أن البعثة الأممية نفسها لا تمتلك أدوات حقيقية لفرض أي حوار أو مخرجات، إذ تظل صلاحية فرض العقوبات أو القرارات الدولية بيد الدول الكبرى داخل مجلس الأمن، التي تمتلك تحالفات واتفاقات مع أطراف ليبية فاعلة، مما يجعل كل دولة في المجلس درعاً حامياً لحلفائها داخل المشهد الليبي.
ورأى بومطاري أن الحديث عن فشل البعثة الأممية في ليبيا ليس جديداً، لكنه اعتبر أن هذا الفشل قد يكون في ذاته سر نجاحها واستمرارها، قائلاً إن البعثة جاءت لكي تفشل، وليس لتحقيق النجاح، موضحاً أن فشلها في تحقيق الاستقرار يعني بقاء دورها واستمرارها في إدارة المشهد الليبي.
وأضاف أن العالم منذ أواخر الثمانينات انتقل من مفهوم إدارة الأزمة إلى الإدارة بالأزمة، أي استخدام استمرار الأزمات وسيلة لإدامة السيطرة على مسارات الحل. وأشار إلى أن ليبيا مثال واضح على ذلك، حيث يُعاد تدوير المشهد كل أربع أو خمس سنوات، ما يجعل البلاد تعيش في حلقة مفرغة من التكرار السياسي دون أي تقدم فعلي نحو الاستقرار.
وشدد بومطاري على أن استمرار الحوارات بالشكل الحالي لن يقود إلى نتيجة ما لم يتم إعادة تعريف العملية السياسية برمتها، ووضع آليات وطنية واضحة تضمن تطبيق مخرجات الحوار على الأرض بعيداً عن التجاذبات الدولية. وقال إن ليبيا بحاجة إلى كسر هذه الحلقة المفرغة والانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء حلٍّ حقيقي شامل يملك الليبيون زمامه.
وتابع: الحديث عن وجود قوتين عسكريتين متوازنتين في الشرق والغرب داخل ليبيا هو قياس مع الفارق، موضحاً أن موازين القوى على الأرض غير مستقرة ولا تسمح لأي طرف بفرض إرادته السياسية بشكل كامل، وهو ما يضع العملية السياسية أمام تحديات كبيرة تتعلق بجدّية تنفيذ أي اتفاق أو حوار مهيكل.
وأردف بومطاري: أن القيادة العامة للجيش الليبي في الشرق والجنوب تملك سيطرة شبه كاملة على الأرض هناك، وتؤثر بدرجة كبيرة في القرار السياسي داخل برقة وفزان، بينما في المقابل، فإن المنطقة الغربية تشهد تعدداً واضحاً في مراكز القوة، حيث في كل مدينة هناك قوة مسيطرة بعينها، ما يعني غياب سلطة عسكرية موحدة يمكن أن تمثل نفوذاً شاملاً على الإقليم.
وأضاف أن الحديث عن وجود قوة عسكرية في الغرب تضاهي في تأثيرها الجيش في الشرق هو أمر غير واقعي، مؤكداً أنه لا توجد في أي من المنطقتين قوة قادرة على بسط السيطرة الكاملة أو فرض المسار السياسي. مشيرا إلى أن هذا الانقسام يجعل المشهد السياسي في ليبيا كمن يضع العربة أمام الحصان، إذ لا يمكن التعويل على القوى العسكرية الحالية في إنجاح الحوار السياسي أو فرض نتائجه على الأرض.
وشدد بومطاري على أن أي اتفاق سياسي في ليبيا سيظل هشّاً ما لم يتم الاعتراف بواقع التباين العسكري على الأرض، مضيفاً أن القوى السياسية التي لا تمتلك قوة ميدانية لا يمكنها أن تكون جزءاً فعالاً في نجاح أي حوار أو فرض مخرجاته. داعيا إلى إعادة النظر في طبيعة الأطراف التي يُفترض أن تكون ضامنة لتنفيذ أي اتفاق قادم، مؤكداً أن الحل لا يكمن في التفوق العسكري، بل في التفاهم السياسي الشامل بين مختلف القوى والأقاليم.
وختم بومطاري حديثه بالتأكيد على أن الحل الحقيقي في ليبيا يجب أن يكون من الداخل، عبر حوار وطني شامل يجمع الأقاليم الثلاثة “برقة، فزان، وطرابلس” على طاولة واحدة، بوصفها الركائز الثابتة لبنية الدولة الليبية. موضحا أن مثل هذا الحوار هو المدخل الوحيد لإقامة عملية سياسية متماسكة قائمة على أسس واقعية وضوابط ثابتة، بعيداً عن المحاصصة أو المعادلات العسكرية المتغيرة.









