اخبار مميزةليبيا

السنوسي: لقاء سرت مكسب وطني يجب دعمه لا التشكيك فيه

رحّب المحلل السياسي السنوسي إسماعيل بالاجتماع الذي عُقد في مدينة سرت وجمع قيادات عسكرية من الشرق والغرب، مشيدًا بكل اللقاءات التي توحّد الصف العسكري وتُعيد جسور الثقة بين أبناء المؤسسة العسكرية في مختلف مناطق البلاد.

وقال إسماعيل، في تصريح لقناة «المسار»، رصدته «الساعة 24»، إن مثل هذه المشاهد التي يظهر فيها من كانوا بالأمس في خنادق متقابلة يجلسون اليوم حول طاولة واحدة “تتحدث عن نفسها”، وتعكس رغبة حقيقية لدى الليبيين في تجاوز الماضي والانتقال من لغة السلاح إلى الحوار والتقارب.

وأشار إلى أن لقاءات مماثلة، مثل اجتماع القائد العام المشير خليفة حفتر مع المرشحين لحكومة باشاغا، ولقاء روما الأخير، تُعد مكاسب وطنية مهمة، مؤكدًا أن الاستمرار في الانقسام هو “الفتنة الحقيقية”، وأن كل خطوة تُقرب الليبيين من بعضهم يجب دعمها لا التشكيك فيها.

وأوضح أن ليبيا لا تعاني من صراعات طائفية أو دينية أو عنصرية، بل إن أزمتها سياسية في جوهرها، وتتمثل في التنافس على موارد الدولة وغياب الأعراف السياسية المتفق عليها بين الأطراف الليبية. معتبراً أن هذا الواقع يجعل من الحل السياسي أمرًا ممكنًا، شريطة توفر الإرادة الوطنية وابتعاد التدخلات الخارجية.

وأكد أن العالم، وخاصة الدول ذات المصلحة في ليبيا وعلى رأسها الولايات المتحدة، يدعم التوجه نحو تسوية سلمية، لافتًا إلى أن استمرار اللقاءات بين القيادات الليبية، يسهم في تقريب وجهات النظر وتقليل احتمالات العودة إلى الصراع المسلح.

وردا على الانتقادات التي تقلل من أهمية هذه الاجتماعات أو تشكك في تمثيل المشاركين، أوضح إسماعيل أن المنطقة الغربية تعاني من تعدد التيارات وتداخل المؤسسات، وهو ما يجعل من الطبيعي أن تكون مسألة التمثيل متباينة. لكنه شدد على أن المطلوب في هذه المرحلة هو دعم كل مبادرة تجمع الليبيين على كلمة سواء، سواء كانت رسمية أو رمزية، طالما أنها تخدم هدف توحيد الصف وإنهاء الانقسام. داعيًا إلى النظر إلى هذه المبادرات كفرص حقيقية لبناء دولة موحدة ومستقرة بعيدًا عن التجاذبات والمصالح الضيقة.

وبينّ أن اجتماع سرت الأخير بين القيادات العسكرية يمثل خطوة أولى نحو كسر الجمود الذي طبع المشهد العسكري خلال السنوات الماضية، غير أن استمرار حالة الانقسام داخل المنطقة الغربية يبقى العقبة الأساسية أمام أي مساعٍ جادة لتوحيد المؤسسة العسكرية.

وقال إن من ينتقد هذه اللقاءات بحجة أن المشاركين “خمسة لا يمثلون إقليم الغرب بأكمله”، عليه أن يتساءل أولاً “من الذي يمثل الإقليم فعليًا؟”، موضحًا أن المنطقة الغربية تعاني من تشظي السلاح وتعدد التشكيلات المسلحة، بل وظهور تشكيلات جديدة بشكل متكرر، ما يعكس غياب القيادة الموحدة.

وأضاف أن الطرف العسكري للشرق، على عكس الغرب، تمكن من توحيد السلاح في مؤسسة واحدة هي الجيش التابع للقيادة العامة، بينما لا يزال الغرب يعيش حالة من التشتت المؤسسي والأمني، تجعل من الصعب الحديث عن موقف موحد أو تمثيل واضح لأي طرف.

وأشار إلى أن الاجتماعات العسكرية الجارية، وطرح فكرة تشكيل قوة مشتركة، ليست جديدة، مستذكرًا أن تنسيقًا مشابهًا جرى في السابق لحماية منظومة النهر الصناعي بين قيادات عسكرية من الشرق والغرب، ما يؤكد أن مثل هذا التعاون ليس بدعة، بل ممارسة وطنية مشروعة تسعى لحماية المصالح العامة.

وشدّد على أنه لا أحد يمثل أحدًا في المنطقة الغربية اليوم، حتى على مستوى الحكومة، حيث تُظهر الممارسات اليومية غياب الانسجام بين مكوناتها، قائلاً: “حتى داخل حكومة الوحدة المؤقتة نفسها، هناك انقسام واضح. فبينما يعقد بعض مسؤوليها لقاءات مع شخصيات من الشرق، نجد آخرين يهاجمون هذه الخطوات في الوقت ذاته”.

وتابع أن المنطقة الغربية لا تمتلك جيشًا موحدًا حتى الآن رغم وجود رئاسة أركان رسمية بقيادة الفريق محمد الحداد، مشيرًا إلى أن الحداد نفسه يتعرض للانتقادات والتشكيك إذا شارك في أي لقاءات مع قيادات من الشرق. ودعا إلى البناء على الإيجابيات بدل التركيز على الخلافات، مؤكدًا أن “هذه اللقاءات – وإن كانت محدودة في عدد المشاركين – تمثل بداية لمسار تصالحي أوسع. المهم أن نستمر في طريق التوحيد بدلاً من البقاء أسرى الانقسام والفوضى”.

وأكد أن التفاهمات التي نتجت عن اجتماع سرت، وعلى رأسها وقف التصعيد الإعلامي والدعوة إلى قطع الطريق أمام دعاة الفتنة والانقسام، تمثل خطوة مهمة نحو مسار أوسع لتوحيد المؤسسة العسكرية، مشيرًا إلى أن العملية الجارية تتجاوز فكرة دمج الوحدات العسكرية لتشمل بناء واقع أمني موحد يقوم على التعاون بين مختلف القوى تحت مظلة وطنية واحدة.

وبينّ أن الجهات المعارضة لمسار التوافق في ليبيا تتراجع تدريجيًا من حيث التأثير والحدة، قائلاً إن “المعارضين للتوافق هم أنفسهم منذ البداية، لكنهم اليوم أقل تشددًا من السابق”، لافتًا إلى أن الواقع الميداني والسياسي يدفع نحو مزيد من الانفتاح والتفاهم بين الأطراف.

وتابع: المسار العسكري، الذي يهدف إلى توحيد الجيش الليبي ودمج التشكيلات المسلحة ضمنه عبر آليات معروفة تشمل التفكيك والتأهيل والتدريب، يُعد أحد أهم المسارات المكمّلة للعملية السياسية، موضحًا أن ما تحقق حتى الآن من وقف إطلاق النار واستمرار التنسيق الأمني يمثل قاعدة صلبة للبناء عليها.

وحذّر من أن بعض القوى ما زالت تحاول عرقلة مسار الدمج والتوحيد، غير أن تأثيرها يتضاءل مع مرور الوقت، مضيفًا أن وجود أطراف دولية ضامنة لوقف إطلاق النار، مثل الأمم المتحدة وتركيا، يساعد في منع الانزلاق مجددًا نحو الصراع المسلح، خاصة في المناطق الغربية التي شهدت أكثر من مرة توترات أمنية محدودة.

وشدد على أن اللقاءات بين العسكريين الليبيين ليست سرية أو ذات أهداف ضيقة، بل هي علنية وواضحة وتحظى بتأييد شعبي واسع والمطلوب الآن هو الانتقال من مرحلة اللقاءات الرمزية إلى خطوات تنفيذية حقيقية. واعتبر أن الاستقرار القائم في ليبيا هش ويعتمد بدرجة كبيرة على توازنات دولية وإقليمية، وحثّ على الاستفادة من هذه التوازنات لإرساء قاعدة لاستقرار دائم ينتقل لاحقاً إلى توحيد الدولة ومؤسساتها.

موضحاً أن الدور الدولي – سواء من قوى إقليمية كتركيا أو من قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا – سيظل مؤثّراً في مدى ثبات هذا التوازن الهش، مشدداً على أن وجود قواعد أجنبية أو تدخلات خارجية لا ينبغي أن يكون مانعاً أمام تقارب الليبيين فيما بينهم إذا توافرت النوايا الحقيقية لبناء دولة مستقرة.

وربط السنوسي بين واقع ليبيا الراهن وتجارب الماضي، مشيراً إلى أن النظام السابق، رغم ما له من عيوب تتعلق بالحقوق والتنمية والديمقراطية، تميَّز بدرجة من وحدة التراب وسيادة الدولة التي باتت الآن شكلية أو ناقصة. لذلك دعا إلى مقاربة شاملة تجمع بين الحل السياسي والمقاربة العسكرية الممنهجة لحل مشكلات الانقسام والتميّع الأمني.

أكد السنوسي أن للشرق والجَنوب مقاربة كانت تهدف إلى توحيد السلاح تحت قيادة واحدة، وبالتالي فإن المطلوب في المنطقة الغربية مقاربة مماثلة تقلل من تشظي التشكيلات المسلحة وتمنع تكرار سيناريوهات الانزلاق إلى عنف جديد.

وأوضح أن هذا لا يعني حكمًا عسكريًا – مستشهداً بترشح قادة عسكريين للمشهد السياسي (كمرشح يُقدم نفسه ضمن آليات انتخابية) كدلائل على عدم وجود نية لحكم عسكري – بل يعني توحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية عبر آليات معروفة: التفكيك، الدمج، التأهيل والتدريب.

وختم السنوسي بالدعوة إلى تبنّي مقاربة سياسية وعسكرية متوازنة، تستفيد من الضمانات الدولية والإقليمية لتثبيت وقف التصعيد ثم الانتقال إلى مراحل أعمق من المصالحة وبناء مؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى