المسماري: البرلمان مارس اختصاصاته حول إنشاء المحكمة الدستورية

أكد أستاذ القانون بالجامعات الليبية، الدكتور راقي المسماري، أن مسألة إنشاء المحكمة الدستورية ترتكز على شقين رئيسيين، أولهما إصدار قانون من قبل مجلس النواب باعتباره السلطة التشريعية الشرعية في البلاد، موضحًا أن ما جرى ليس “قرارًا” كما يعتقد البعض، بل قانون صادر عن سلطة مختصة.
وقال المسماري، في مداخلة على قناة “سلام”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن الاختصاص الدستوري كان في السابق منوطًا بـ “الدائرة الدستورية” داخل المحكمة العليا، وفقًا لقانون صدر في عهد المملكة، والذي نظم عملية الطعن بعدم دستورية القوانين. وقد أُعيد تنظيم هذا الاختصاص لاحقًا بموجب قانون نظام القضاء الصادر عام 1982 بشأن تنظيم المحكمة العليا.
وبيّن أن مجلس النواب، بصفته السلطة التشريعية الشرعية، يملك الاختصاص الدستوري في إصدار القوانين وتعديلها أو إلغائها، مشيرًا إلى أن القانون الأخير الصادر عنه نقل اختصاص الطعون الدستورية من المحكمة العليا إلى محكمة مستقلة جديدة سُمّيت “المحكمة الدستورية”.
ونوه المسماري، بأن القضاء الدستوري في ليبيا “ليس ذا جذور عريقة”، موضحًا أن فكرة الطعن بعدم الدستورية تعني مراجعة القوانين التي يُعتقد بمخالفتها للدستور، ليُصار إلى إلغائها عبر القضاء الدستوري إن ثبت تعارضها معه.
واستعرض المسماري التطور التاريخي لهذا النظام، مبينًا أن القضاء الدستوري فُعل في ليبيا منذ عام 1951 حتى 1969، قبل أن يُلغى الدستور عقب أحداث سبتمبر 1969، مما أدى إلى توقف العمل بالطعن الدستوري لغياب المرجعية الدستورية.
وأضاف أن الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان، الصادرة عام 1988، اعتُبرت وثيقة ذات طابع دستوري، وأعادت اختصاص الطعن الدستوري إلى المحكمة العليا عبر دائرتها الدستورية، لتصبح مرجعية للطعن في القوانين المخالفة لمبادئها.
وفي أعقاب ثورة فبراير، نص الإعلان الدستوري على أن الاختصاص الدستوري ينعقد للمحكمة العليا، إلى أن أصدر مجلس النواب لاحقًا قانونًا بإنشاء المحكمة الدستورية المستقلة.
ورأى المسماري، أنه لا إشكالية قانونية في تنظيم القضاء الدستوري ضمن محكمة مستقلة، طالما أن السلطة التشريعية هي الجهة المختصة أصلاً بإصدار القوانين وتنظيمها، مؤكدًا أن ما تم يأتي في إطار ممارسة البرلمان لاختصاصاته الدستورية والتشريعية.
وأوضح المسماري أن التدرج التشريعي في الدولة الليبية، كما في باقي دول العالم، يقوم على تراتبية واضحة تبدأ بالدستور الذي يصدره الشعب عبر الاستفتاء، يليه القانون الذي تصدره السلطة التشريعية، ثم القرارات واللوائح والتعليمات الصادرة عن السلطة التنفيذية وفق نطاق اختصاصها.
وأشار المسماري إلى أن تنظيم القضاء الدستوري بقانون مسألة لا خلاف عليها، مستشهدًا بما حدث عقب ثورة عام 1969، حين ألغى مجلس قيادة الثورة الدستور وحلّ البرلمان، وتولى بنفسه مهام السلطة التشريعية، وأصدر في عام 1970 قانونًا لإعادة تنظيم المحكمة العليا.
وأضاف أن الإشكال القانوني والسياسي في ليبيا تجلى بوضوح عقب حكم الدائرة الدستورية للمحكمة العليا عام 2015 بشأن ولاية مجلس النواب، مؤكدًا أن الحكم كان “معيبًا” لأنه لم يحدد الجهة التي تتولى السلطة التشريعية بعد حل المجلس، ما تسبب في حالة فراغ تشريعي.
وتابع المسماري: البرلمان من الناحية الإجرائية تصرف ضمن اختصاصاته بإصدار القوانين، غير أن الخلل يكمن في مضمون القانون ذاته، خصوصًا فيما يتعلق بحصر حق الطعن في دستورية القوانين في فئة من النواب، أو الوزراء فقط، معتبرًا أن ذلك يتنافى مع مبدأ العدالة والمشروعية الذي يقر بحق كل متضرر في الطعن.
وقال: “الدعوى الدستورية بطبيعتها دعوى حسبة، أي أنها من الدعاوى الشعبية التي يجب أن تكون متاحة للجميع، لا حكراً على النخبة السياسية”.
كما بيّن أن هناك نوعًا من التحفظ أو الحذر تجاه القضاء الدستوري في ليبيا، في ظل ما تشهده البلاد من تجاذبات سياسية، مشيرًا إلى أن البرلمان ربما يسعى من خلال تعديلاته إلى تحسين تشريعاته المستقبلية.
واعتبر أن النقاش حول هذا القانون ليس جديدًا، إذ بدأ منذ مايو 2023، أي قبل أكثر من عامين ونصف من صدوره رسميًا.
وأكد أن البرلمان يمتلك الحق الدستوري في إنشاء محكمة دستورية جديدة، لكنه لا يملك حق تقييد أو حصر الطعن أمامها في فئة معينة، لأن حق الطعن مكفول لكل المواطنين دون استثناء.









