فؤاد: الميليشيات وبعض الفاسدين عرقلوا سير العطاء العام للأدوية

قال الطبيب والناشط في الشأن الصحي، الدكتور محمد فؤاد، إن أزمة نقص الأدوية في ليبيا ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى أكثر من عقد ونصف، موضحًا أن آخر عطاء للأدوية نُفذ كان عامي 2007 – 2008، قبل أن تتوقف هذه الآلية تمامًا حتى محاولة إعادة تفعيلها في 2016، ولم تكتمل إلا في 2019.
وأضاف أن تنفيذ العطاء استمر حتى عام 2023، ثم توقف مجددًا في 2024 بعد فترة قصيرة من إعادة تفعيله.
واعتبر فؤاد في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، أن الفساد هو السبب الرئيسي، وراء هذا الواقع المرتبك، مبينًا أن العطاء العام كان من شأنه ضمان استمرارية توريد الأدوية بأسعار مناسبة وكميات معروفة، بفضل التعاقدات طويلة المدى مع الشركات المنتجة. لكنه أشار إلى أن هذا النظام لا يعجب كثيرًا من المتنفذين داخل الوزارة وخارجها، بل وحتى بعض الميليشيات وهو ما يدفعهم إلى عرقلة العطاء العام واستبداله بآلية التكليف المباشر.
وبيّن أن نظام التكليف المباشر يقوم على شراء أصناف محددة من شركات معينة بأسعار مرتفعة وكميات محدودة، دون الاعتماد على الاحتياجات الفعلية للدولة، معتبرًا أن هذا الأسلوب يُستخدم فقط لحلّ الاختناقات المؤقتة منذ عام 2007 وحتى اليوم.
وأشار فؤاد إلى أن العطاء العام الذي أُعيد تفعيله لمدة ستة إلى سبعة أشهر، كان من الممكن أن يحل أزمة الدواء جذريًا، إذ خُصص له مبلغ سنوي يقدّر بنحو 600 مليون يورو لمدة خمس سنوات، من بينها 300 مليون يورو للأدوية التخصصية، خاصة أدوية الأورام ذات الكلفة العالية. لكنه استدرك أن هذا العطاء أُوقف مجددًا لأسباب وصفها بغير المبررة، مؤكدًا أن الأجهزة الرقابية والميليشيات وبعض الفاسدين داخل وزارة الصحة ساهموا جميعًا في تعطيله.
وتساءل فؤاد، عن منطق استمرار اللجان المحلية والتكليفات المباشرة رغم ارتفاع تكاليفها مقارنة بالعطاء العام، الذي قال إنه يحافظ على المال العام، مشيرًا إلى أن الأسعار في العطاء العام لعام 2019 ظلت كما هي عند إعادة تفعيله في 2023 رغم زيادة الأسعار عالميًا، التزامًا من الشركات بضمان الاستمرارية لمدة خمس سنوات.
ولفت إلى أن استمرار تعطيل العطاء العام مقابل السماح بآليات الشراء المباشر يؤكد أن المشكلة ليست في الإجراءات أو الملاحظات الرقابية، بل في منظومة فساد لا ترغب في وجود نظام يضمن الشفافية ويمنع التربح من المال العام.
وأكد فؤاد أن إيقاف لجنة العطاءات العامة للأدوية لم يكن بقرار من ديوان المحاسبة كما يُشاع، بل من هيئة الرقابة الإدارية ولجنة متابعة وزارة الصحة، موضحًا أن هذا الإيقاف استمر قرابة عام كامل.
وبين أن الأموال المخصصة للعطاء العام خلال فترة التوقف تم تحويلها لسداد ديون سابقة لشركات كانت قد زودت الدولة بالأدوية عبر التكليف المباشر، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تمت دون مراجعة واضحة للعقود أو آلية الصرف، متسائلًا عن دور الأجهزة الرقابية في متابعة تلك الصفقات.
وأوضح أن لجنة العطاءات العامة تعمل حاليًا في أضيق نطاق، بعدما استُنزف جزء كبير من موازنتها لتسديد التزامات قديمة، مضيفًا أن عطاء “الفواقد” – الذي أُنشئ لتغطية الأدوية الحديثة أو غير المتوفرة في العطاء الأساسي – تم تعطيله أيضًا رغم أهميته في سد النقص الدوائي.
وأشار فؤاد، لما وصفه بـ “الكارثة الثانية” والتي تمثلت في تفريغ وزارة الصحة من اختصاصاتها، بعد إنشاء هيئات موازية كهيئة الأورام، التي تحولت من جهة علمية رقابية إلى جهة تنفيذية تملك ميزانية خاصة وتباشر أعمال الشراء والعطاء، معتبرًا أن ذلك عبث إداري ينبغي أن تتحمل الحكومة مسؤوليته، خاصة بعد أن كانت في البداية داعمة للعطاء العام.
وشدد فؤاد، على أن إصلاح ملف الدواء يجب أن يبدأ بإعادة الصلاحيات إلى لجنة العطاءات العامة وإيقاف عمل الأجهزة الموازية، إضافة إلى رفع يد الأجهزة الرقابية عن تعطيل العقود المرتبطة بتوريد الأدوية، والتي قال إنها متوقفة لدى الرقابة الإدارية منذ أكثر من ستة أشهر دون مبرر واضح.
وأوضح أن هذا التعطيل يفتح الباب أمام العودة لأسلوب الشراء بالتكليف المباشر، وهو ما يصفه بـ “المدخل الأكبر للفساد”، مضيفًا أن تفعيل العطاء العام وتوفير الميزانية الكافية لتوريد الأدوية يمثلان الحل الواقعي والوحيد في المرحلة الحالية، على أن يأتي إصلاح قطاع الصحة الشامل لاحقًا باعتباره ملفًا أوسع وأعقد.
وأكد أنه لا يعارض دور الأجهزة الرقابية من حيث المبدأ، لكنه يرى أن تدخلها الحالي يثير الكثير من التساؤلات، وخاصة من قبل جهاز الرقابة الإدارية الذي – بحسب قوله – تحول من جهة رقابية إلى طرف معرقل لعمل القطاع الصحي.









