التهامي: مبادرة القائد العام ليست تفويضاً بل خارطة لإنهاء الانسداد السياسي

انتقد الكاتب والمحلل السياسي أحمد التهامي، أداء الأمم المتحدة ومبعوثيها المتعاقبين إلى ليبيا، معتبرًا أن فشل المقاربة الأممية يعود إلى تجاهلها للواقع الميداني وموازين القوة الحقيقية على الأرض.
وقال التهامي، في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها صحيفة الساعة 24، إن “الخطيئة الرئيسية” للأمم المتحدة تكمن في تعاملها مع المشهد الليبي بمعزل عن القوى الفاعلة، مشيرًا إلى أن المنظمة تسعى باستمرار إلى “تركيب حكومات شكلية لا تملك السيطرة الفعلية”، على حد تعبيره.
وأضاف أن السلطة في ليبيا “ليست منبع القوة، بل نتيجة لها”، موضحًا أن السلاح هو الذي يفرض السلطة، وليس العكس. منتقداً المساعي الأممية لعقد اجتماعات بين قادة القوات المسلحة شرقًا وغربًا دون الاعتراف بحقيقة أن “القوة هي التي تؤسس للحكم في الواقع الليبي”.
وتابع التهامي: أن حكومة عبد الحميد الدبيبة لا تسيطر إلا على نطاق محدود في العاصمة طرابلس”، مستشهدًا بوقائع تظهر هشاشة سلطتها، من بينها حلّ إحدى الميليشيات المسماة بجهاز دعم الاستقرار، ليعاد تشكيلها في اليوم التالي بقرار من المجلس الرئاسي وكأن شيئًا لم يكن.
وأشار المحلل السياسي إلى أن هذا الفشل الأممي في قراءة المشهد الليبي يدفع الأطراف المحلية إلى البحث عن حلول موازية خارج الإطار الأممي، مؤكدًا أن تجاهل الحقائق على الأرض يؤدي إلى إنتاج حلول خيالية لا تمت للواقع بصلة.
وتطرق التهامي بالقول إن القوى الموجودة في الغرب، كما أقرّ الدبيبة نفسه، تغولت على الدولة، بينما في الشرق والجنوب هناك قوة منظمة تتمثل في الجيش الوطني، ما يعني أن الاعتراف بتوازن القوى شرط أساسي للوصول إلى تسوية واقعية ومستدامة.
وأكد التهامي إن ليبيا تمر بمرحلة انتقالية معقدة تتسم بغياب الدولة وتراجع المؤسسات القانونية، مشيراً إلى أن البلاد تبدأ من الصفر بعد مرحلة من الفوضى، ما يفرض – حسب قوله – قبول إجراءات استثنائية في سبيل بناء الدولة وإرساء تقاليدها القانونية والسياسية.
وأوضح التهامي أن الحديث عن تقاليد قانونية مستقرة في ليبيا أمر غير واقعي، لأن الدولة نفسها لم تكتمل بعد، مضيفاً أن المرحلة الحالية تقتضي المرونة في تطبيق القوانين والقبول ببعض الاستثناءات الدستورية، تماماً كما حدث في تجارب دول أخرى مرت بظروف مشابهة، مثل الحالة الكولومبية التي أُدرج فيها قادة من المجموعات المسلحة داخل البرلمان كجزء من عملية المصالحة الوطنية.
وأشار إلى أن الانتخابات المقبلة يجب أن تُجرى بمشاركة أوسع شريحة ممكنة من الليبيين، وأن تُفتح أمام الجميع دون إقصاء، معتبراً أن شروط منع العسكريين أو مزدوجي الجنسية من الترشح كانت سبباً رئيسياً في تعطيل العملية الانتخابية طيلة السنوات الماضية.
وأضاف أن جميع رؤساء الحكومات بعد عام 2011 كانوا من مزدوجي الجنسية، ولم يعترض أحد حينها، متسائلاً عن سبب إثارة هذه المسألة حالياً، معتبراً أن الهدف الحقيقي منها هو إقصاء المشير خليفة حفتر ومجموعة كبيرة من الليبيين من المشاركة السياسية.
وأكد التهامي أن مبادرة المشير حفتر الأخيرة تدعو إلى انتخابات رئاسية دون شروط، يدخلها الجميع سواء كانوا مؤيدين أو معارضين له، موضحاً أن المبادرة ليست دعوة للتفويض كما رُوّج لها، بل طرح عملي لإنهاء حالة الانسداد السياسي والانتقال من الحرب إلى الانتخابات باعتبارها الطريق إلى الاستقرار.
وبين التهامي أن المشير حفتر لم يفرض حلاً بعينه، بل دعا القبائل والقوى الوطنية إلى تقديم مقترحاتهم، مؤكداً أن الجيش الوطني الليبي سيحمي وينفذ ما يتفق عليه الليبيون. مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات انتقالية غير تقليدية تهدف إلى المصالحة ولمّ الشمل، وصولاً إلى بناء دولة مستقرة تمثل جميع الليبيين دون استثناء.
ورأى التهامي أن الاجتماعات التي يعقدها المشير خليفة حفتر مع عدد من القيادات والوجهاء المحليين لا تُقاس بمدى كونهم منتخبين أو ممثلين رسميين، بل بقدرتهم الفعلية على تحريك الناس ودعم المبادرة المطروحة من قبل القائد العام.
وأوضح التهامي أن قيمة هؤلاء لا تتعلق بتمثيلهم الانتخابي، وإنما بمدى قدرتهم على التأثير في محيطهم الاجتماعي وجذب الدعم الشعبي لتوجهات القيادة العامة للجيش، مضيفًا أن هذه الاجتماعات تمثل “امتحانًا عمليًا” لمدى قوتهم الاجتماعية وقدرتهم على الحشد.
وأشار إلى أن القائد العام يحظى بدعم واسع من شريحة كبيرة من الليبيين ومن البلديات والمناطق الشرقية، وأن وجوده على رأس الجيش جاء برضى شعبي واضح، مؤكدًا في الوقت ذاته أن انتقاد بعض الجوانب الإدارية أو الخدمية لا يعني رفض الفكر أو المشروع الذي يتبناه المشير حفتر.
وشدد التهامي على أنه لا يوجد في برقة من يُمنع من التعبير عن رأيه، لافتًا إلى أن الحديث عن انعدام حرية التعبير في المناطق الخاضعة للجيش هو وهم. مبيناً أن النقاش الحقيقي يدور حول قدرة القيادات الاجتماعية على تنظيم صفوفها والتعبير عن موقفها من المبادرة بصورة علنية وواضحة أمام الجميع.
وفيما يتعلق بوجود المعارضة، أكد التهامي أن المناطق التي يديرها الجيش لا تشهد معارضة علنية منظمة، لكنه أشار إلى وجود بعض الأصوات المعارضة التي تعمل في الخفاء دون أن تظهر في الإعلام.
ولفت إلى أن المبادرة المطروحة لا تخص فقط المناطق الخاضعة للجيش، بل تشمل كل أنحاء ليبيا، ويحق لكل من يرغب أن يؤيدها أو يعارضها.
وفي ختام حديثه، علّق التهامي على الجدل الدائر بشأن إمكانية إجراء الانتخابات، مؤكدًا أن الحديث عن تدخل أطراف خارجية أو تأثيرها على العملية الانتخابية يجب أن يُعالج بآليات عملية، كاستقدام قضاة من دول محايدة مثل مصر وتركيا للإشراف على الصناديق في مختلف المناطق، بما يضمن نزاهة العملية الانتخابية حتى في المناطق التي توجد فيها تشكيلات مسلحة.









