اخبار مميزةليبيا

المسماري: الثقة في المستشارين المعينين في المحكمة الدستورية العليا أمر حتمي

أكد أستاذ القانون العام راقي المسماري، أن الأزمة الدستورية والقانونية في ليبيا لا يمكن فصلها عن السياق السياسي المعقد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، مشيرًا إلى أن مجلس النواب، باعتباره جهة منتخبة لممارسة السلطة التشريعية، يتصرف في إطار نزاع سياسي متعدد الأطراف، ويستخدم كل الوسائل القانونية المتاحة للدفاع عن نفسه وعن الكيانات المرتبطة به، مثل القوات المسلحة العربية الليبية.

وأوضح المسماري في مداخلة عبر قناة “ليبيا الأحرار”، الممولة من قطر، أن مسألة وجود الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا ترتبط أساسًا بتنظيم قانوني لا دستوري، إذ تم تنظيمها بموجب القوانين وليس عبر نصوص دستورية، مشيرًا إلى أن القضاء الدستوري في ليبيا لا يمتلك عراقة مؤسسية بسبب غياب التقاليد القضائية المستقرة في هذا المجال، باستثناء الحكم المثير للجدل الصادر عام 2015 عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، والذي قضى بحل مجلس النواب على أساس إجرائي شكلي دون تحديد الجهة التي تتولى السلطة التشريعية بعد ذلك القرار.

وأضاف المسماري في مداخلته التي رصدتها “الساعة 24″، أن تنظيم المحكمة العليا تم بموجب القانون رقم (6) لسنة 1982 بشأن إعادة تنظيم المحكمة العليا، وهو قانون أُقر ما بعد العام 1969، وأشار إلى أن هذا يوضح أن تنظيم القضاء الدستوري في ليبيا جاء دائمًا من خلال القوانين لا الدساتير.

وبيّن المسماري، أن البرلمان يرى نفسه سلطة تشريعية كاملة الصلاحيات، وله الحق القانوني في إصدار القوانين التي تنظم اختصاصات المحاكم، بما في ذلك تعديل أو إعادة توزيع الاختصاص القضائي بين المحاكم، وهو ما أدى مؤخرًا إلى إخراج القضاء الدستوري من المحكمة العليا وتحويلها إلى محكمة نقض ذات اختصاصات محددة في نظر الطعون.

كما أوضح أن نظام القضاء الليبي لا يزال يعمل وفق نموذج “المحاكم الجامعة”، حيث تمارس المحاكم الجزئية والابتدائية اختصاصات متعددة تشمل القضايا المدنية والجنائية والشرعية، مع اختلاف بسيط في قيمة الدعوى، مؤكدًا أن الاتجاه الحديث يسعى نحو تخصص المحاكم، مثل إنشاء محاكم تجارية وأخرى للأحوال الشخصية.

وفي سياق مداخلته، تساءل المسماري عن الأساس القانوني لقبول الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا للطعن في القانون رقم 5 لسنة 2023 بشأن إنشاء المحكمة الدستورية العليا، معتبرًا أن القاعدة القانونية العامة التي تنص على “سريان القانون فور صدوره وبأثر مباشر” تعني أن اختصاص الدائرة الدستورية قد سُحب فعليًا منها، وبالتالي لا تملك ممارسة هذا الدور بعد صدور القانون الجديد.

واعتبر المسماري أن هذا الجدل القانوني يعكس في جوهره صراعًا سياسيًا حول الشرعية ومراكز السلطة، أكثر مما هو خلاف قانوني صرف، ما يجعل معالجة الأزمة الدستورية في ليبيا مرهونة بالتسوية السياسية الشاملة قبل أي إصلاح قضائي أو دستوري.

ولفت المسماري أن الاستدلال بمسودة دستور لم تُعتمد بعد ولم تُطرح للاستفتاء يُعد أمرًا “غريبًا وغير قانوني”، موضحًا أن هذه المسودة لا يمكن اعتبارها مرجعًا دستوريًا حاكمًا للدولة قبل صدورها بشكل رسمي كعقد اجتماعي نافذ.

وأضاف أن القضاء الدستوري في ليبيا “ليس عريقًا بالمعنى المعروف عالميًا”، موضحًا أن البلاد عاشت أكثر من 42 عامًا دون دستور، ما أدى إلى انقطاع العمل الدستوري لفترة طويلة، قبل أن يعود القضاء الدستوري لممارسة اختصاصاته في عام 2015، عبر حكم قضائي وصفه بأنه “منقوص ويحتاج إلى تصحيح”.

وتطرق المسماري إلى مسألة حصر الطعون الدستورية في النواب والوزراء، موضحًا أنها ليست حكرًا أو تقييدًا، بل “إجراء تنظيمي يهدف إلى حماية الاستقرار القانوني والمجتمعي”. مبيناً أن القانون كذلك يمنح الخصوم أثناء نظر الدعوى حق الطعن بعدم الدستورية، شرط أن تتم الإحالة عبر قاضي الموضوع المختص، وفقًا لما نصت عليه المادتان 25 و26 من القانون رقم 523 المنظم لعمل المحكمة الدستورية العليا.

وتابع: توسيع نطاق المصلحة في الطعون قد يربك المشهد القانوني، قائلاً: “لو فتح الباب أمام كل من أراد الطعن على القوانين، سنكون أمام ملايين الطعون المحتملة، مما يرهق القضاء ويهدد استقرار المنظومة القانونية.”

وأكد على أن حصر المصلحة في الطعن الدستوري لا يعني تقييد الحق، بل يهدف إلى ضمان “أمان قانوني واستقرار تشريعي”، بحيث لا تُلغى القوانين بعد فترة وجيزة من صدورها نتيجة طعون عشوائية أو غير مؤسسة.

استعرض المسماري، التطورات المتعلقة بقانون الاستفتاء على الدستور، مؤكدًا أن مجلس النواب أحال مسودة القانون في عام 2018، قبل أن يرفضها مجلس الدولة. وأوضح المسماري أن مجلس النواب هو الجهة التي عطّلت تنفيذ الاستفتاء، فيما تمت إحالة الطعون المتعلقة بالقانون إلى اللجنة الدستورية، التي بدورها أحالتها إلى مجلس الدولة، والذي رفض بدوره القانون المقترح.

وذكر أن بعض الأطراف تجاهلت أو أنكرت وجود مواد قانونية تسمح لأي مواطن له مصلحة شخصية ومباشرة بالطعن على القانون أثناء النظر في أي نزاع متعلق به. وأضاف أن هذا التجاهل يمثل “الهروب إلى الأمام”، مؤكدًا على ضرورة احترام القواعد القانونية المتعلقة بالطاعنين وأصحاب المصلحة المباشرة، سواء كانوا مسؤولين برلمانيين أو في السلطة التنفيذية.

وتطرق المسماري إلى دور القضاء في تفسير النصوص القانونية، موضحًا أن الدعوى المنظورة تمثل وقائع يطبق عليها القاضي القانون، وأن التفسير والتأويل يقعان ضمن سلطة تقديرية للقاضي. كما شدد على احترامه الكامل للقضاء في مختلف مناطق العالم، مؤكدًا نزاهته وعدالته.

وأكد أن ما قامت به الدائرة الدستورية في عام 2015 كان خطوة أولى نحو تعزيز دور القضاء في متابعة الشؤون السياسية، مؤكداً أن الهدف كان تحقيق ترتيب قانوني مستقر للطاعنين وأصحاب المصلحة المباشرة.

ولفت أن دائرة المحكمة العليا الدستورية ليست مخولة بإرسال الطعون والأرشيف والمستندات إلى المحكمة الدستورية العليا المنشأة بموجب قانون رقم 5 لسنة 2023، محذراً من أن أي إجراء مخالف لذلك قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة.

وشدد المسماري على أن الالتزام بالقانون أمر ضروري، قائلاً: “طالما هناك نص قانوني ينص على أن القوانين تسري بأثر فوري ومباشر، فعلى الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، كما نص عليه قانون رقم 5 لسنة 2023، أن تحيل الخصومات في الطعون المنظورة أمامها، وأن تأمر بوقف الخصومة وإحالة كافة الطعون، سواء كانت منظورة أم لم تُنظر بعد، إلى المحكمة الدستورية العليا”.

وفي ختام مداخلته اعتبر أن الثقة في المستشارين المعينين بالمحكمة الدستورية العليا أمر حتمي، مؤكداً أنهم من أصحاب الكفاءة والخبرة والالتزام، وأنهم أكثر حرصاً على مصلحة الدولة الليبية وضمان استقرار الأوضاع التشريعية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى