السنوسي: الاقتصاد الليبي “مشوّه” ويحتاج إلى هيكلة شاملة

أكد إبراهيم السنوسي، رئيس تحرير مجلة “مال وأعمال”، أن معالجة الأزمة الاقتصادية في ليبيا لا يمكن أن تقتصر على مظاهرها فقط مثل شح السيولة النقدية، بل يجب أن تبدأ من جذورها السياسية والمؤسساتية. وأوضح أن أي حلول مالية أو تقنية لن تحقق النتائج المرجوة دون إصلاح سياسي شامل وتوحيد المؤسسات، مشددًا على أن الإصلاح البنيوي يمثل المدخل الأساسي للاستقرار المالي والاقتصادي.
وأشار السنوسي، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، إلى أن التحول نحو الخدمات المصرفية الإلكترونية خطوة ضرورية للتخفيف من آثار أزمة السيولة. مبيناً أن التجربة الليبية شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد نقاط البيع الإلكترونية (POS) من بضعة آلاف عام 2016 إلى عشرات الآلاف في مختلف المناطق، بما فيها النائية، وهو ما يعكس تحسن البيئة التقنية للقطاع المصرفي.
كما أوضح أن التحديات التقنية لم تعد عائقًا جوهريًا، إذ أصبحت أنظمة الدفع الإلكتروني الحديثة قادرة على العمل حتى في ظروف ضعف الاتصال بالإنترنت، بفضل حلول رقمية متقدمة توفرها شركات عالمية، فيما تكمن المشكلة الحقيقية في ضعف القناعة المجتمعية باستخدام هذه الأدوات بدل النقد الورقي التقليدي.
ونوَّه السنوسي إلى أن حجم المعاملات الإلكترونية والتحويلات المصرفية تجاوز خلال الأشهر الماضية 100 مليار دينار ليبي، وهو ما يعكس تنامي الثقة تدريجيًا بهذه الوسائل، مشيرًا إلى أن القيمة المالية للبطاقات المصرفية وتطبيقات الهاتف المحمول تعادل العملة الورقية كونها محمية قانونيًا ومضمونة من مصرف ليبيا المركزي، الذي يتحمل مسؤولية الحفاظ على قيمتها واستقرارها.
ودعا السنوسي إلى تعزيز الوعي المجتمعي والإعلامي بأهمية التحول الرقمي في الدفع، مؤكدًا أن استمرار أزمة السيولة دون تغيير نمط التعامل النقدي يجعل تلبية احتياجات المواطنين صعبة للغاية نظرًا لأن جذور الأزمة تتجاوز الجانب النقدي لتصل إلى أبعاد سياسية واقتصادية وهيكلية.
ونفى المحلل الاقتصادي، أن تكون أزمة السيولة السبب المباشر وراء انتشار الجرائم المالية داخل المصارف، محددًا المشكلة الحقيقية في ضعف الرقابة والإشراف المصرفي من قبل الجهات المختصة وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي. وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت مئات القضايا المتعلقة بالاختلاسات المالية واستخدام أرصدة الزبائن دون علمهم في عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية، كما قامت بعض المصارف بإصدار بطاقات مصرفية للعملاء دون طلبهم واستغلالها لتحقيق أرباح غير مشروعة. معتبراً أن هذه الممارسات تكررت نتيجة ضعف الرقابة داخل المصرف المركزي، الذي اكتفى بفرض غرامات “رمزية وغير رادعة”، ما أدى إلى استمرار التجاوزات وتفاقمها.
وبيّن السنوسي أن جزءًا كبيرًا من السيولة التي تُضخ من المصرف المركزي لا تصل فعليًا إلى الجمهور، إذ يستحوذ عليها التجار ويعيدون بيعها في السوق بأسعار مختلفة، حتى أصبح الدينار الليبي سلعة تتفاوت قيمتها بين النقد الورقي، الرصيد المصرفي، والدفع الإلكتروني، مشيرًا إلى أن ما يعرف بظاهرة “حرق الشيكات” أو “بيع البطاقات المصرفية” باتت من أخطر الجرائم الاقتصادية التي تنتهك حقوق المواطنين وتخالف القانون.
وفيما يتعلق بالإنفاق العام، شدد السنوسي على أن استمرار الإنفاق غير المنضبط يشكل تهديدًا مباشرًا، موضحًا أن غياب الحل السياسي وفشل الأجسام القائمة في أداء مهامها الرقابية أدى إلى “فوضى مالية” شملت معظم مؤسسات الدولة، إذ يتم صرف الأموال دون رقابة أو محاسبة أو تحديد لوجهة الصرف، وهو ما فاقم أزمة العجز المالي. وأكد أن “الميزانية الموحدة” تمثل المدخل الحقيقي لضبط الإنفاق، داعيًا إلى إشراف جهة حيادية أو دولية عليها لتحديد أوجه الصرف والمبالغ وفق قانون واضح، بما يضمن التزام الحكومة وجميع الأجهزة التنفيذية به.
ولفت السنوسي إلى تضخم بند المرتبات بصورة غير مسبوقة، إذ تجاوز عدد الموظفين في الدولة 2.2 مليون موظف، مع الإفراجات الجديدة في قطاعات التعليم والصحة وغيرها، موضحًا أن إجمالي الإنفاق على المرتبات يصل إلى 70 مليار دينار، في حين لا تتجاوز الإيرادات المتوقعة 30 مليار دولار، ما يجعل استمرار هذا النهج “غير قابل للاستدامة”.
وأكد أن ليبيا بحاجة إلى ميزانية موحدة لعام 2026 لضمان استقرار سعر صرف العملة الأجنبية، الذي لا يمكن أن ينخفض إلى خمسة دنانير للدولار إلا عند العودة إلى مستويات الإنفاق والمرتبات كما كانت في عامي 2011 و2013.
وفيما يخص دعم الوقود، اعتبر السنوسي أن ترشيد الإنفاق في هذا المجال “شبه مستحيل” حاليًا، لأن المواطن يرى في الوقود “صمام أمان”، رغم أن حوالي 30% منه يُهرَّب إلى الخارج وفق تقارير دولية. وأوضح أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بمشروعات الإعمار فقط، بل بالاستثمار في الإنسان الليبي، الذي يعاني من “تحطم نفسي” وانعدام الثقة في المستقبل، مشيرًا إلى أن الوظيفة العامة لم تعد تمثل أمانًا حقيقيًا، وأن الحل يكمن في دعم القطاع الخاص وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة كمصدر بديل للدخل وفرص العمل.
وتطرق إلى أزمة أخرى تتمثل في آلاف ملفات المشاريع الريادية التي لا تزال مجمدة في البرنامج الوطني للمشروعات الصغرى والمتوسطة، داعيًا إلى تفعيلها لخلق فرص حقيقية للشباب وتقليل الاعتماد على الدولة، التي لم تعد قادرة على تحمل عبء التوظيف.
ووصف السنوسي الاقتصاد الليبي بأنه “بلا هوية حقيقية”، و”اقتصاد مشوه” يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة”، مقترحاً أن يتم الاعتماد على بدائل غير نفطية، والاهتمام بإدارة فعّالة للموارد أو الاستثمار الحقيقي في التنمية المستدامة.
وختم السنوسي حديثه بالتأكيد على أن إنقاذ الاقتصاد الليبي يتطلب هيكلة شاملة للمؤسسات الاقتصادية، وتغيير جذري في فلسفة الإدارة، مؤكدًا على ضرورة تحول الدولة من دور الممول إلى دور الشريك والمحفز، مع السماح لرأس المال الوطني بالعمل بحرية ضمن بيئة قانونية واقتصادية مستقرة، لضمان استدامة التنمية وتوفير فرص العمل وتعزيز الاستقرار المالي.









