جربوع: المظاهرات السلمية أداة فعالة لإنهاء الأزمة وضمان مستقبل أفضل

دعا المستشار وخبير العلاقات الدولية، محمود جربوع، إلى ضرورة خروج الشارع عبر مظاهرات شعبية سلمية مصحوبة بخطط بديلة واضحة، مشدداً على أهمية انضمام النخب والأحزاب والمنظمات المجتمع المدني، لتوحيد الخطاب الوطني. مؤكدا أن الهدف من النزول إلى الشوارع هو إعادة الحيوية للمواطن الليبي، والتعبير عن مطالبه بشكل واضح وصريح، مشيرًا إلى أن ذلك يمثل الحل الأمثل وفق رؤيته.
وأشار جربوع، في تصريحات على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها الساعة24 إلى أهمية وضع خطة بديلة تتجاوز مجرد الابتعاد عن بعثة الأمم المتحدة، مؤكدًا ضرورة إبعاد القيادات السياسية عن أي حلول مرحلية، والتركيز على التعبير الحقيقي لرغبات المواطنين.
واعتبر جربوع، أن التظاهر السلمي، يُعد حقًا دستوريًا مكفولًا للمواطنين، ويستند إلى أحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. مشيرا إلى أن آخر المظاهرات التي شهدتها المدن الليبية، والتي طالبت بعدم تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام، أسفرت عن نتائج إيجابية، حيث أدت إلى تشكيل لجنة فبراير التي قامت بتعديل الإعلان الدستوري، ومن ثم وصول مجلس النواب إلى المشهد السياسي.
وأوضح جربوع، أن القانون رقم 65 لسنة 2012 الصادر عن المؤتمر الوطني العام ينظم أسس التظاهر السلمي ويعطي الحق للمواطنين في المشاركة به، معترفًا بوجود بعض الثغرات في القانون، لكنه اعتبره خطوة إيجابية نحو منح المواطنين حق التظاهر الذي لم يكن مسموحًا به سابقًا، حتى وإن كان سلميًا.
ورأى جربوع، أن ضمان الحق في التظاهر السلمي يعكس التزام الدولة بالقوانين المحلية والدولية، ويشكل جزءًا من ممارسة المواطنين لحقوقهم الديمقراطية بشكل منظم وآمن. مؤكداً أن المظاهرات تكون مجدية وفاعلة فقط عندما تكون منظمة وهادفة، مع تحديد مطالب واضحة ومحددة. مبيناً أن التظاهر ليس مجرد خروج الناس للتظاهر بلا هدف، بل يجب أن تكون هناك أسس ومطالب مدروسة من قبل منظمي المظاهرات، ويتم الإعلان عنها بشكل واضح في نهاية الفعالية.
وأردف: أن الهدف الأساسي من المظاهرات في ليبيا يكمن في تغيير الواقع السياسي الحالي والدفع نحو حوار ليبي- ليبي، وإيجاد حلول للأزمة السياسية، بما في ذلك الدخول في عملية انتخابية. مؤكدا أن المظاهرات يجب أن تتناول الطريقة المثلى للوصول إلى الحل السياسي، وأن تكون متوافقة مع الخطط والحوار المهيكل الذي تسعى إليه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، مشيراً إلى أنه في حال الاحتجاج على أي خطة يجب أن تُقدم البدائل العملية في نفس الوقت.
وشدد على أهمية العودة إلى الشعب كجهة مرجعية لاتخاذ القرارات، مع ضرورة اقتراح حلول عند التظاهر، وليس مجرد الخروج ضد الأجسام السياسية القائمة، لافتاً إلى أن الحل لا يمكن أن يأتي من خلال هذه الأجسام نفسها التي تستفيد من الوضع الراهن، لأنها ستضع العراقيل لمنع أي تغيير.
واعتبر الحبير في العلاقات الدولية، أن عودة المواطنين الليبيين إلى ثقافة التظاهر تُعد بشارة خير، مشيراً إلى أن ليبيا نسيت هذه الممارسة منذ عام 2012، وأن مجرد العودة إليها يُشكل مكسباً كبيراً، باعتباره وسيلة للمطالبة بالحقوق الأساسية للمواطنين.
وتوقع أن تكون المظاهرات القادمة فعالة، وأن تكون آمنة في المناطق التي تتمتع بالأمن والاستقرار، مع احتمال امتداد تأثيرها الإيجابي إلى مناطق أخرى.
ورأى جربوع أن “الحوار المهيكل” الذي طرحته البعثة الأممية، لا يملك سلطة اتخاذ القرارات أو تشكيل الحكومة، وأن دوره يقتصر على التوزيعات في أربع نقاط أساسية، بعيداً عن السلطات التنفيذية.
وحول الجانب الاقتصادي، أعرب جربوع، عن قلقه من وضع المواطنين، مشيراً إلى أن أكثر من ثلث الشعب الليبي يعيش تحت خط الفقر، وأن معاناتهم الاقتصادية لا يشعر بها معظم القيادات السياسية. وأضاف أن تحقيق الحوكمة الرشيدة ومحاربة الفساد، خاصة في المصارف والجهات المالية، يعتبر خطوة أساسية للوصول إلى حلول فعالة، معتبراً أي محاولات حالية لمكافحة الفساد مؤشرات إيجابية رغم محدوديتها.
وأكد جربوع، أهمية الإصلاح الاقتصادي والمصالحة الوطنية معا، مشدداً على أن هذه المهام الأساسية أهملها المجلس الرئاسي حتى الآن. كما شدد على ضرورة وجود إرادة وطنية حقيقية لحل الأزمة الليبية، معتبراً أن تدخل الأمم المتحدة جاء نتيجة غياب هذه الإرادة الداخلية، وأن الحلول يجب أن تكون ليبية خالصة.
وتطرق جربوع، إلى قضية اختيار ممثلي الحوار الوطني، متسائلًا عن الطريقة الأنسب لاختيار النخب المشاركة: هل عبر سبعة ملايين مواطن، أم عن طريق البلديات والنقابات؟ وأوضح ضرورة وضع آلية واضحة لتحديد من يقدم البدائل لما تقترحه البعثة الأممية.
وفي السياق الاقتصادي والأمني، شدد جربوع، على أن المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط ومؤسسة الاستثمارات الخارجية تشكل الركائز الأساسية للاقتصاد الليبي، وأن المجموعات المسلحة في الغرب الليبي لا تكتسب قوتها إلا من خلال هذه المؤسسات. ورأى أنه من الضروري نقل هذه المؤسسات إلى مواقع مؤقتة بعيدة عن العاصمة لتقليص النفوذ المسلح، مؤكدًا أن حل الأزمة الأمنية لا يكون إلا عبر تجفيف منابع التمويل للمجموعات المسلحة.
وتابع: هذه الخطوات تمثل المرحلة الأولى نحو معالجة الأزمة الليبية وإعادة الاستقرار للمواطن، داعيًا إلى توحيد الجهود الوطنية لتحقيق مطالب الشعب الليبي بشكل فعال وسلمي. سيما وأن المواطن الليبي يعيش حالة إحباط شديد نتيجة الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، ما يجعله متردداً في المشاركة بالمظاهرات، مضيفاً أن جل وقته يذهب لإنجاز حاجياته الأساسية أمام المصارف والأسواق.
وبينّ جربوع أن الوضع الحالي لا يحتمل مزيداً من التدني، لا سيما مع تفشي الفساد في استيراد الأدوية، وطباعة الكتب المدرسية، وانتهاكات بعض الأجهزة الرقابية، وفساد المسؤولين الماليين، ما أثر بشكل كبير على حياة المواطنين اليومية.
وأوضح أن ليبيا ليست في أزمة سياسية بقدر ما هي أزمة مفتعلة بين القيادات السياسية لتحقيق مصالح شخصية، مشدداً على أن المشاركة الشعبية السلمية تشكل خطوة أساسية نحو حل هذه الأزمة وضمان مستقبل أفضل للبلاد.
كما استشهد بدعوة الملك الراحل إدريس السنوسي عند اكتشاف النفط، بتحويل هذه النعمة إلى رفاهية للشعب، محذراً من استمرار استغلال بعض النخب للثروات الوطنية على حساب المواطن البسيط الذي يعاني من صعوبات الوصول إلى لقمة العيش اليومية.
وقال جربوع إن حل الأزمة الليبية ممكن إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة لدى الشعب والقيادات السياسية، مؤكدًا أن استمرار الأزمة يعود جزئيًا إلى رفض بعض القيادات البحث عن حلول جادة. مشيراً إلى أن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا “تماطل” في جهودها، معربًا عن شكوكه في جدوى استمرار الأزمة التي قد تحقق مصالح شخصية لبعض موظفي البعثة، مشيرًا إلى أن بعضهم أمضى في مناصبهم أكثر من عشر سنوات، ما يخلق مصالح مشتركة مع قيادات سياسية محلية، بما يجعل استمرار الأزمة في مصلحتهم.
وأعرب جربوع عن ثقته في قدرة المثقفين والمسؤولين ومنتسبي الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني على التوحد ووضع مقترحات لحل الأزمة والوصول إلى الانتخابات. قائلاً: “الوصول إلى الانتخابات ممكن، ولكن ما يعرقلها هو عدم تعديل الإعلان الدستوري بما يتوافق مع الانتخابات، وليس خلافاً جوهرياً بين الليبيين في الشرق والغرب”.
وأشار إلى أن الانتخابات النيابية يمكن أن تُجرى على غرار الانتخابات البلدية، حيث تنتخب كل مدينة ممثليها، مؤكداً أن الخلافات السياسية المعلنة غالبًا ما تكون ظاهرية، وأن التواصل بين القيادات السياسية يتم سرًا.
وفيما يخص مسألة الميليشيات، استغرب جربوع من عدم لجوء الأمم المتحدة إلى لجنة نزع السلاح التابعة لمجلس الأمن الدولي، كما حدث في دول أخرى، مؤكداً أن ذلك يعكس عدم رغبة البعثة في الوصول إلى حل.
واختتم جربوع مداخلته بالدعوة إلى تعزيز الوحدة الوطنية وبذل الجهود للحفاظ على ليبيا من النزاعات الإقليمية والهجرة غير الشرعية والأوبئة وانتشار الجرائم، مؤكدًا أن بناء الدولة وتحقيق الاستقرار هو مسؤولية وطنية يجب أن تتحقق “بأيدينا نحن”.









