الرويحة: الليبيون فقدوا الثقة بالمبادرات الدولية.. ويأملون في انتخابات حقيقية

اعتبر أستاذ العلوم السياسية، الدكتور إسماعيل الرويحة، أن الزيارة الأخيرة التي أجراها وزير الخارجية المصري، إلى تركيا تعكس سعي البلدين نحو تقارب سياسي قد يعيد ترتيب أولوياتهما الإقليمية بعد سنوات من الفتور والتباعد.
وأوضح أن مصر وتركيا تمثلان دولتين محوريتين في المنطقة، وتجمعهما مصالح متشابكة رغم التباينات التي سادت علاقاتهما خلال العقد الماضي، لافتاً إلى أن الزيارة الأخيرة أسهمت في وضع أولويات مشتركة، خاصة في ظل الملفات الساخنة التي تشهدها المنطقة مثل الأوضاع في السودان وغزة.
وأشار الرويحة، في حديث لقناة “الوسط”، رصدته الساعة24 إلى أن التقارب بين القاهرة وأنقرة يأتي في سياق إعادة ضبط التوازنات الإقليمية، بعيداً عن التأثيرات الخارجية، وعلى رأسها الدور الأمريكي، موضحاً أن البلدين بدآ اتباع سياسة جديدة تقوم على تقليص الخلافات وتفعيل قنوات التنسيق في الملفات الإقليمية.
ولفت إلى أن هذا التقارب قد ينعكس إيجابياً على الملف الليبي ودفع العملية السياسية وخارطة الطريق التي تهدف إلى تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات شاملة تحظى باعتراف الأطراف كافة، مشيراً إلى أن تجاوز الخلافات السابقة حول اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق عام 2019 يمثل خطوة مهمة نحو تعاون بنّاء يخدم استقرار المنطقة.
ورأى الرويحة، أن المشهد الليبي خلال السنوات الماضية كان ساحة تنافس مفتوح بين مصر وتركيا، حيث دعمت كل دولة طرفاً مختلفاً في الصراع الليبي منذ عام 2019، مما ساهم في ترسيم حدود غير معلنة لنفوذهما داخل الأراضي الليبية.
وبينّ أن تركيا تمكنت، من خلال دعمها لحكومة الوفاق السابقة، من ترسيخ وجودها في المنطقة الغربية، في حين دعمت مصر الطرف المقابل في الشرق الليبي ممثلاً في المشير خليفة حفتر، وهو ما أدى إلى تشكّل خطوط تماس واضحة أو ما يعرف بـ “الخط الأحمر” بين الجانبين. مشيرا إلى أن هذا التنافس رسم ملامح النفوذ في ليبيا، وجعل من الصعب تغييره دون توافق سياسي جديد بين البلدين.
وأضاف أن أنقرة تبنّت خلال السنوات الأخيرة سياسة “صفر مشاكل” في محاولتها لإعادة بناء علاقاتها الإقليمية، وبدأت تتعامل ببراغماتية أكبر مع الملفات الحساسة، بما في ذلك الملف الليبي. مشيراً إلى أن ضعف حكومة الوحدة المؤقتة التي تشكّلت عام 2021 ساهم في دفع تركيا لتعزيز علاقاتها مع المنطقة الشرقية ومع المشير خليفة حفتر، حيث شمل هذا التقارب ملفات اقتصادية وتبادلاً دبلوماسياً بين الجانبين، بما في ذلك استقبال الفريق صدام حفتر في تركيا بحضور رسمي من وزارة الدفاع التركية، ما يعكس رغبة أنقرة في تجاوز الخلافات السابقة وإقامة تعاون يخدم مصالحها.
وأكد أن هذا التقارب يُظهر مدى حرص أنقرة على علاقاتها مع الأطراف الإقليمية، رغم وجود اختلافات أيديولوجية كبيرة بين النظامين “المصري والتركي”، مؤكداً أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو تحقيق مصالح الدولتين بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويهيئ الأرضية لتنسيق سياسي محتمل في ليبيا، كما أضاف أن أولويات هذا التقارب باتت تتجه نحو ملفات أخرى في المنطقة، مثل الأوضاع في السودان أكثر من تركيزها على حل الأزمة الليبية.
وبشأن الدور الداخلي، شدد الرويحة، على أن الحل السياسي في ليبيا، لن يتحقق ما لم يُمنح الليبيون أنفسهم مساحة أوسع للمشاركة في صياغة مستقبلهم، مشيراً إلى أن النفوذ الخارجي، جعل من الصعب على الفاعلين المحليين، سواء القبائل أو القوى المدنية فرض رؤيتهم المستقلة.
وأشار إلى أن أي خارطة طريق أو مسار انتخابي لن ينجح في ليبيا ما لم تتوافق الدول الإقليمية المؤثرة على دعم نتائج الانتخابات بشكل صريح، محذراً من أن استمرار التدخلات الخارجية سيجعل من تحقيق الاستقرار أمراً بالغ الصعوبة.
وبحسب أستاذ العلوم السياسية فإن الشارع الليبي لم يعد يثق في الوعود الأممية أو المبادرات الدولية التي تروّج لتشكيل حكومات انتقالية جديدة، مشيراً إلى أن الليبيين يتطلعون إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حقيقية تفضي إلى سلطة شرعية نابعة من الإرادة الشعبية.
وأوضح الرويحة، أن حكومة الوحدة المؤقتة الحالية، رغم أنها جاءت برعاية أممية وتشكّلت في جنيف وليس داخل ليبيا، لم تحقق وعود الاستقرار التي تعهدت بها الأمم المتحدة والأطراف الدولية في حينه، مشدداً على أن الليبيين لن يقبلوا بتكرار التجربة نفسها تحت شعارات جديدة.
وذكر أن أي محاولات لإعادة إنتاج حكومة تنفيذية مؤقتة ستُقابل بالرفض الشعبي، لأن المواطن الليبي يدرك أن هذه الصيغ لم تؤدِّ إلا إلى إطالة أمد الانقسام وتعطيل المسار الانتخابي، مضيفاً أن الحل الوحيد يكمن في العودة إلى صناديق الاقتراع لا في تشكيل كيانات مؤقتة خاضعة للتجاذبات الإقليمية.









