القاضي: الاعتمادات الوهمية أخطر ملفات الفساد في ليبيا

قال رئيس الهيئة الدولية لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة الدكتور عبد الباسط القاضي إن الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها النيابة العامة، والمتعلقة بحبس مسؤولين في عدة مصارف ليبية على خلفية شبهات فساد مالي، لا تُصنّف دوليًا كملف واحد موحّد، بل تعكس شبكات فساد متعددة تعمل داخل مؤسسات مختلفة، رغم تشابه الأساليب المستخدمة في الجرائم المالية.
وأوضح القاضي، في حديث لقناة “الوسط”، رصدته “الساعة 24” أن تحرك مكتب النائب العام في هذا التوقيت لم يكن خيارًا، بل ضرورة، مشيرًا إلى أن الهيئة الدولية لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة وجّهت في مايو 2025 مذكرة رسمية إلى النائب العام ومدير مكتبه تطالب فيها بفتح تحقيقات جدية في هذه الملفات بعد ملاحظات دولية تفيد ببطء التعامل معها.
وأضاف أن المذكرة وصلت عبر البعثة الليبية في جنيف، وأن هذا التحرك الدولي تزامن مع مطالب شعبية واسعة، ما كشف حجم الفساد الذي يهدد – بحسب وصفه – حاضر ليبيا ومستقبلها. وأشار إلى أن وفدًا يمثل مكتب النائب العام ووزارتي الخارجية والداخلية بحكومة الوحدة المؤقتة شارك الأسبوع الماضي في اجتماعات في الأمم المتحدة بجنيف، حيث نوقشت هذه الملفات بالتفصيل.
وأكّد القاضي أن المعلومات التي قُدمت في الاجتماعات الأممية لم تكن جديدة معتبرًا أن الفساد المصرفي لا يقتصر على سرقة الأموال، بل يمثل “عملية تدمير ممنهج للاقتصاد الوطني”، لأن كل دولار يُهدر يعني – على حد قوله – فرصة ضائعة لبناء مدرسة، أو شراء دواء أو كتاب مدرسي.
وفي اجابته حول ما إذا كانت هذه القضايا مرتبطة في ملف واحد أو أنها مجرد توقيفات متزامنة، شدد القاضي على أن ما يحدث لا يعكس شبكة واحدة، بل شبكات فساد مختلفة داخل كل وزارة، منها الصحة، والزراعة، والكهرباء، والاقتصاد.
وقال: “كل وزارة لديها شبكتها الخاصة، لكنها جميعًا تتغذى على نفس الأدوات، فالمنظومة متكاملة ويقودها رجال أعمال يتحكمون بالمناصب للحفاظ على موارد الدولة تحت سيطرتهم”.
وأكد أن هؤلاء الفاعلين يسعون للبقاء بعيدًا عن الملاحقة القانونية، بينما يُستخدم بعض المسؤولين داخل المؤسسات لتسهيل تحركاتهم، ما يشير إلى بنية فساد مترابطة ومعقدة وليست حالات فردية عابرة.
وحذّر الخبير في مكافحة الفساد والجريمة المنظمة من أن القضايا المالية المعلنة خلال الأسابيع الأخيرة تكشف تكرارًا لنمط واحد من الجرائم المرتبطة بالاعتمادات المستندية المشبوهة، والتحويلات غير المقيدة، والأرباح الوهمية، معتبرًا أن هذا التكرار يعد وفق المعايير الدولية، دليلًا على ثغرات منهجية في الرقابة المصرفية، وليس مجرد مخالفات معزولة.
وقال إن تقرير منظمة Global Witness حول حجم الاعتمادات المستندية خلال 13 أسبوعًا فقط كشف أرقامًا “مرعبة”، بلغت 2.5 مليار دولار، مؤكدًا أن هذه المؤشرات تدل على أموال منهوبة منذ سنوات، بدأت ملامحها بالظهور من خلال التحقيقات الحالية.
وبينّ القاضي أن لجنة المالية في البرلمان التونسي سبق وأن تتبعت الأموال الخارجة من مصرف ليبيا المركزي إلى بنوك تونسية، ليتبيّن أن هذه البنوك كانت تعمل كممر عبور فقط، قبل انتقال الأموال إلى دول أخرى مثل الإمارات وسنغافورة.
وأشار إلى أن أسماء عديدة “معروفة ومطلوبة” أمام النائب العام، ومتورطة في هذه الشبكات، ممن يواجهون مذكرات ضبط.
وطمأن القاضي الرأي العام بأن التحقيقات “هذه المرة لن تكون عابرة”، لافتاً إلى أن المتابعة تجري على المستوى الدولي والمحلي بالتوازي، وأن مكتب النائب العام عازم على المضي في معالجة الملفات “العميقة والخطيرة” لإنقاذ البلاد مما أسماها بـ “الكوارث المالية المتراكمة”.
وفي سياق تقييم دور مصرف ليبيا المركزي، قال القاضي إن حجم الاعتمادات الوهمية المفتوحة في فترة قصيرة يكشف “مساهمة كبيرة” من داخل إدارة المصرف، مضيفًا أن هناك موظفين متورطين في تسهيل فتح الاعتمادات بمقابل عمولات، إضافة إلى التلاعب بسعر الصرف والاحتيال في المشتريات الحكومية، والتي يتم تمريرها دون مراجعات كافية.
وذكر أن جهات دولية متخصصة في تتبع الأموال قامت بمراجعة أداء المصرف المركزي، واكتشفت أن الانقسام السياسي وغياب الشفافية وتضارب المصالح مكّنت الموظفين من استغلال الثغرات، مؤكدًا أن “أقل موظف” بات يمتلك أرصدة ضخمة بأسماء أقارب لا يمكن تفسيرها.
وأشار القاضي إلى أن الأيام المقبلة ستشهد – بحسب توقعاته – بدء محاكمة القيادات العليا المتورطة في هذه الجرائم، مؤكدًا ضرورة إعادة هيكلة مصرف ليبيا المركزي وتنظيفه من الشبكات المتورطة.
وتابع: الملفات المتعلقة بالاعتمادات المستندية والعملة الصعبة كانت دائمًا “أكبر بؤرة فساد في ليبيا”، مشيرًا إلى أن التحقيقات الجارية في حال وصلت إلى نهاياتها قد تؤدي إلى إعادة هيكلة شاملة للآليات المالية والرقابية وفق المعايير الدولية، خاصة مع وجود تجاوزات تحمل سمات واضحة لجرائم غسل الأموال والتحويلات عبر أطراف خارجية.
ولفت إلى أن قانون “دعم الاستقرار الأمريكي في ليبيا”، والذي أقره الكونغرس، منح المنظمات الدولية المعنية بمكافحة الفساد صلاحيات واسعة تشمل ملاحقة المسؤولين الليبيين حتى خارج البلاد، بما في ذلك إمكان رفع الحصانة والقبض والتحقيق على أساس أدلة وتقارير دولية.
وأضاف أن البعثة الأممية نقلت رسائل مباشرة للمسؤولين الليبيين تؤكد أن مرحلة المساءلة الدولية قد بدأت بالفعل، وأن المنظمات الأمريكية والأوروبية تعمل حاليًا على فتح ملفات تتعلق بالفساد المالي والانتهاكات المرتبطة به.
مشيراً إلى أن شخصيات لها نفوذ أمني في طرابلس ومصراتة أصبحت ضمن دائرة التحقيقات الدولية.
وأكد القاضي أن لجنة الأمن القومي التي أعيد تفعيلها مؤخرًا، تعقد اجتماعات أسبوعية في بنغازي وبمشاركة الجهات الأممية بهدف تعديل القوانين المتعلقة بملاحقة الفساد والجريمة المنظمة، مما يشير إلى مرحلة جديدة من الرقابة الدولية على المؤسسات الليبية.
وضرب مثالًا بقضية الاعتمادات المستندية التي فُتحت في أكتوبر 2025 في مصرف ليبيا الخارجي بقيمة 32 مليون دولار، والتي يجري التحقيق فيها حاليًا، معتبرًا أن نتائج هذه القضية قد تكون مؤشرًا على الاتجاه نحو “إعادة هيكلة شاملة” لمنظومة الاعتمادات.
ووجّه القاضي رسالة مباشرة للمسؤولين قائلاً إن الجهات الدولية بدأت منذ سنوات تسجيل كل البيانات المتعلقة بالثروات والممتلكات والسفر، سواء للمسؤولين أنفسهم أو لزوجاتهم وأفراد أسرهم. وأضاف:” من يظن أن لا أحد يراقبه فهو مخطئ.. واليوم جاء وقت الحساب”.
وكشف أن بعض المطلوبين المقيمين خارج ليبيا بدأوا يطلبون تسويات مالية لإغلاق ملفاتهم، موضحًا أن بعضهم يطالب بدفع 5 ملايين دولار لإعادة 90 مليونًا للدولة، والاحتفاظ بـ 10 ملايين، مشيرًا إلى أن هذه التسويات – إن أُقرت – ستتم خارج ليبيا، ما قد يؤدي إلى ضياع جزء من الأموال الليبية المنهوبة.
وكشف إن المرحلة المقبلة ستشهد “تحولًا جذريًا” في طريقة التعامل مع الملفات المالية، وإن المسار الحالي هو بداية “العدالة المالية”، لكنه شدد على أن استمرار التحقيقات يتطلب استقلالية حقيقية وتعاونًا دوليًا فعّالًا.









