صافيناز: غياب الدعم المؤسسي يجعل الأطفال ضحايا للعنف والإهمال

اعتبرت مديرة جمعية كساء لرعاية الأيتام، في درنة صافيناز محجوب، أن موجة العنف والانتهاكات التي تطال الأطفال في ليبيا ليست مفاجئة، بل متوقعة في ظل غياب التنسيق بين الجهات المسؤولة، وضعف الهياكل الرقابية، وتعطل المؤسسات المتخصصة في العلاج والدعم النفسي.
وقالت محجوب في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها الساعة24 إن مسؤولية حماية الأطفال لا يمكن اختزالها في جهة واحدة، لأن حجم التحديات يتطلب تضافر جهود الجهات الأمنية، والمؤسسات الصحية والتعليمية، ودور الرعاية، والمجتمع المحلي على حد سواء. وأضافت أن مدينة درنة تحديداً شهدت مؤشرات واضحة على تدهور الصحة النفسية عقب الحرب والكوارث المتتابعة، وهو ما أثبته تقرير أصدره مركز البحوث والدراسات النفسية في المدينة، رغم أنه يعمل حتى اليوم من دون ميزانية رسمية.
وأوضحت أن المركز تنبّه مبكراً إلى أن الصدمة الجماعية التي سببتها كارثة درنة ستفرز حالات عنف واضطرابات نفسية شديدة، وهو ما يظهر الآن بوضوح في شكل جرائم ضد الأطفال، أو سلوكيات خطيرة داخل الأسرة، أو فقدان التحكم الانفعالي لدى الأفراد.
وحذّرت محجوب، من التأثيرات العميقة التي تخلّفها البيئة الاجتماعية المضطربة على الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، مؤكدة أن انعكاسات العنف والإهمال تتجاوز السلوكيات الظاهرة وتمتد إلى اضطرابات نفسية طويلة المدى.
وأوضحت أن الأطفال الذين يعيشون في بيئات مفككة أو غير مستقرة، يفقدون تدريجياً ثقتهم بأنفسهم وبالمجتمع من حولهم، مشيرة إلى أن الجمعية ترصد سلوكيات مقلقة لدى عدد من الأطفال، مثل رفض الذهاب إلى المدرسة، وكراهية أحد الوالدين، والانعزال داخل المنزل، والتصرفات العدوانية.
وعند حديثها عن قضية الطفلة إيلاف التي تعرضت للعنف الأسري، قالت إن المركز النفسي في درنة كان الجهة الوحيدة التي أعدّت تقريراً مهنياً حول حالتها، في حين اكتفى كثيرون بالتصوير والمتابعة على وسائل التواصل دون تقديم تدخل حقيقي. وأشارت إلى أن قصة إيلاف لم تكن لتظهر إلى العلن لولا تداولها بعد سلسلة حوادث مشابهة في مصراتة ومدارس أخرى، مؤكدة أن هذا التواتر يكشف عن فشل رقابي خطير.
وتساءلت محجوب: “من يراقب المجتمع اليوم؟”، لتجيب بأن المسؤولية تقع على كل من له احتكاك مباشر بالأطفال: الأجهزة الأمنية، المدارس، مراكز العلاج النفسي، دور الرعاية، وحتى الجيران، لافتة إلى أنها دعت عبر صفحتها قبل أسابيع من ظهور قصة إيلاف إلى تخصيص رقم ساخن للأطفال للإبلاغ عن أي عنف أو اعتداء، مؤكدة أن وجود مثل هذا الرقم كان قد ينقذ حالات كثيرة.
وتابعت إن حماية الأطفال تتطلب منظومة شاملة وليس ردود أفعال متفرقة، لأن التحديات أكبر من أن تتحملها جهة واحدة. مؤكدة أن هذه المؤشرات ليست إلا الجزء الظاهر من الأزمة، بينما تظل هناك حالات أخطر لا يسمع عنها أحد.
وأضافت أن حجم الاضطرابات يفوق قدرات المؤسسات المدنية، خاصة في ظل غياب دعم حكومي واضح. وأعادت محجوب التذكير بحالة الطفل الذي يتعاطى المخدرات في الصف الرابع، وحالة أخرى لجدّة غير قادرة على رعاية الأطفال، معتبرة أن هذه النماذج تكشف مدى الانهيار الذي يعيشه جزء من النسيج الاجتماعي.
وحول ما إذا كانت ليبيا تمتلك نظام حماية حقيقي للطفل، أكدت صافيناز محجوب، أن البلاد تفتقر حتى الآن لآليات اكتشاف الإيذاء قبل وقوع الكارثة، وأن العديد من الانتهاكات تبقى حبيسة البيوت بسبب غياب المراقبة وضعف الإبلاغ. مشددة على ضرورة دعم مركز البحوث والدراسات النفسية عبر صرف الميزانيات المتوقفة.
ونبّهت رئيسة جمعية كساء لرعاية الأيتام، إلى أن العنف المنتشر بين الأطفال أنفسهم – كما يُلاحظ عند خروجهم من المدارس – ليس مرتبطاً فقط بالحروب أو الكوارث، بل يعود إلى تراكمات نفسية واجتماعية معقدة تحتاج إلى دراسات متخصصة لمعالجتها. مؤكدة أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تنسيقاً فعلياً بين الجهات الرسمية والمدنية والأمنية، مؤكدة أن المجتمع وحده لا يستطيع مواجهة هذا العبء دون دعم مؤسسي منظم.
وكشفت، عن حالات صادمة رصدتها الجمعية، من بينها طفل في الصف الرابع ابتدائي يتعاطى المخدرات، وطفلة أخرى لم تستحم لعدة أشهر بسبب إهمال أسرتها، بالإضافة إلى ممارسات عنف يومية تُلاحظ آثارها على الأطفال عند مشاركتهم في أنشطة الجمعية. مشيرة إلى أن بعض الجدّات اللواتي يتحملن مسؤولية رعاية الأطفال يعترفن بعدم قدرتهن على القيام بهذا الدور، ما يعرض الأطفال للتشرد أو الإهمال.
وحذرت محجوب، من أن غياب الدعم والاحتواء قد يدفع بعض الأيتام إلى التحول إما إلى ضحايا جدد للعنف أو إلى مصدر للعنف مستقبلاً، نتيجة تراكم الأذى النفسي وانعدام الرعاية.









