اخبار مميزةليبيا

المنفي: تعطيل قانون العنف ضد المرأة يستدعي استحداث تشريع للعنف المنزلي

انتقدت الحقوقية والباحثة في قضايا المرأة والطفل، زاهية المنفي، استمرار غياب الإطار القانوني لحماية المرأة والطفل في ليبيا، معتبرة أن هذا القصور يشكّل ثغرة خطيرة في التزامات ليبيا الدولية، رغم توقيعها على العديد من الاتفاقيات المعنية بحقوق الإنسان.

وأكدت المنفي، خلال مداخلة على قناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، أمر ضروري، ولا يجب أن يُنظر إليه كتهديد للثقافة المحلية، طالما أنه لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.

وقالت إن التناقض الصارخ بين حملات التوعية بمناهضة العنف ضد المرأة في شهر نوفمبر وبين الحوادث الصادمة، التي تتكرر في الفترة نفسها – من قتل وعنف أسري وجسدي وجنسي – يعكس هشاشة المنظومة القانونية الحالية. وأضافت أن الكثير من القرارات الصادرة في هذا السياق لا تتجاوز الورق الذي كُتبت عليه، رغم أهمية إنشاء أجهزة يفترض أن توفر الأمان للنساء الليبيات.

واستعادت المنفي، جهود منظمات المجتمع المدني، في عام 2017، عندما بادرت نساء ليبيات إلى صياغة مشروع قانون لمكافحة العنف ضد المرأة، وقد تم بالفعل تسليمه إلى مجلس النواب. مشيرة إلى أن كتلة المرأة داخل المجلس، والتي تغيّر أعضاؤها عبر الانتخابات، لم تقدّم أي مناصرة حقيقية للقانون، ولم تحقق إنجازاً واحداً لصالح المرأة، خلال نحو أربعة عشر عاماً.

واعتبرت أن هذا التراجع يصبح أكثر وضوحاً عند مقارنة ليبيا بدول الجوار مثل المغرب وتونس ومصر التي حققت تقدماً ملحوظاً في التشريعات المتعلقة بالمرأة.

وأوضحت المنفي، أن القانون المقترح كان يتضمن تعريفات واضحة لمفاهيم العنف والحماية، كما أدرج مواد لتشديد العقوبات مؤكدا على تمتع الضحية بكامل حقوقها، إضافة إلى نصوص تمنح القاضي سلطة تقديرية في فرض العقوبة، وهو ما اعتبرته من أبرز إنجازات المشروع، لكنها شددت على أن تجاهل هذا القانون أدى إلى استمرار التدهور الذي نشهده اليوم.

وسلطت المنفي، الضوء على قانون آخر صدر في نوفمبر 2018 عن وزارة الداخلية، يقضي بإنشاء مكاتب حماية الأسرة والطفل، والتي بلغ عددها عشرين مكتباً على مستوى ليبيا، لكنها قالت إن هذه المكاتب لم تحقق أي إنجاز ملموس، وأن منظمات المجتمع المدني هي التي تحملت العبء الأكبر في مواجهة الانتهاكات، دون أن تجد أي قناة رسمية فعالة. مستشهدة بدراسة تشير إلى أن أكثر من 1500 سيدة تعرضن لعنف أسري خلال السنوات الأخيرة.

وحول المواءمة بين التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، شددت المنفي، على أن ليبيا جزء من المجتمع الدولي، وبالتالي فهي ملزمة قانونياً بتطبيق الاتفاقيات التي وقعت عليها منذ سنوات طويلة، وليس بعد ثورة أو ظرف سياسي معين. مبينة، أن هذه المواءمة ضرورية لردم الفجوة بين القانون الوطني والدولي، عبر آليات حكومية واضحة وإعادة تأكيد الإطار القانوني القائم.

وانتقدت المنفي، الاكتفاء بإنشاء أجهزة ومكاتب جديدة دون نتائج، وكذلك التصريحات الموسمية لبعض الوزيرات في الحكومات المتعاقبة، مؤكدة أن الضحايا لم تعد تعنيهن الدموع، بل ينتظرن حماية حقيقية. وأضافت أن الضحايا لا يستعدن هذه المآسي إلا في شهر نوفمبر، بينما يبقى العنف مستمراً طوال العام.

وقالت إن ليبيا بحاجة ماسة إلى تكاتف جاد يتجاوز الشعارات والوعود، مشيرة إلى أن التصدي للعنف يتطلب العودة إلى قانون العقوبات وتحديث مواده، بالتنسيق مع الخبراء والحقوقيين الذين يواجهون هذه القضايا يومياً. وأكدت أن معالجة هذه الظاهرة لن تتحقق إلا بتشريعات واضحة وإرادة فعلية لتنفيذها.

وحذرت المنفي، من أن إنشاء جهاز حماية الطفل والمرأة قد يتحول إلى مجرد خطوة تجميلية، إذا لم تُرفق به ضمانات قوية تضمن استقلاليته ومنع خضوعه لأي ضغوط سياسية أو قبلية أو أمنية، مؤكدة أن جوهر المشكلة يكمن في غياب سيادة القانون وضعف آليات الحماية.

واعتبرت أن الحديث عن خطوط ساخنة أو قنوات للتبليغ، لا قيمة له ما لم تُوفَّر لهذه الخطوط خدمات متكاملة تحمي النساء المعنفات بعد الإبلاغ. وأوضحت أن كثيراً من النساء لا يلجأن إلى الإبلاغ لأن النتيجة غالباً هي إعادتهن إلى بيئة العنف، نظراً لغياب بيوت آمنة للناجيات أو برامج حماية مستدامة.

وتابعت: أن النساء، خصوصاً الأقل معرفة بالقانون، لن يقدمن على الاتصال أو التبليغ ما لم يكن متوفراً لهن مسار واضح يضمن سلامتهن بعد تقديم الشكوى. واعتبرت أن مربط الفرس، هو أن الجهاز لن ينجح ما لم تُضمن آليات إنفاذ القانون، وأن النقاش الحقيقي يجب أن يكون حول الإجراءات المعتمدة لمحاسبة الجناة.

وأشارت إلى أن غياب الحماية الاجتماعية والقانونية هو ما يجعل الاعتداءات تتفاقم، وشددت على أنه ما لم توجد محاكم متخصصة تستمع لقضايا النساء، فستظل كل هذه الخطوات حبراً على ورق، مؤكدة أن ليبيا تحتاج إلى منهج شامل يعالج التشريعات ويواجه العنف القائم ضد المرأة بإرادة سياسية لا شعارات.

وانتقدت المنفي، تشتت العمل الحكومي وتعدد القرارات المتضاربة، معتبرة أن إصدار القرارات دون تطبيق فعلي أدى إلى فقدان ثقة النساء في المنظومة بكاملها. وانتقلت المنفي، للحديث عن قانون الجرائم الإلكترونية، مبينة أنه يركز على أمن الدولة أكثر من حماية الأفراد، ولا يوفر أي حماية خاصة للنساء اللواتي يتعرضن لابتزاز أو عنف رقمي.

وأشارت إلى أن قانون العقوبات يتضمن فعلاً تجريماً للعنف في بعض مواده، من المادة 339 إلى 378، لكنه لا يشكّل قانوناً خاصاً بالعنف المنزلي، وأن نصوصه عامة وغير كافية. معتبرة، أن تصنيف العنف الجنسي ضمن جرائم الشرف، يعمّق ثقافة الصمت والخجل، ويكشف عن مشكلة اجتماعية وقانونية مزدوجة، تعززها الثقافة المجتمعية وما يسمى لجان فضّ المنازعات، التي تكرّس منطق التسامح مع المعتدي على حساب الضحية.

كما انتقدت المنفي، عدم وجود محاكم أو دوائر قضائية متخصصة في قضايا المرأة، متسائلة: لماذا لا تُمنح هذه القضايا الأولوية رغم أنها تمسّ كرامة الإنسان؟ ورأت أن تفعيل الجهاز الجديد بشكل فعّال يتطلب تعديلاً جذرياً للقوانين التي تكرّس التمييز ضد المرأة.

وختمت المنفي بتوجيه نداء مباشر إلى كتلة المرأة داخل البرلمان قائلة: “إن لم يصدر مجلس النواب قانوناً خاصاً بالعنف المنزلي، فعلى الكتلة أن تتحرك وتسجّل موقفاً للتاريخ. ولو كنتُ في موقعهم طوال 14 عاماً دون إنجاز، لقدّمت استقالتي. على البرلمان أن يصدر هذا القانون الآن، فالتشريع هو الضامن الأول قبل أي خطوة على الأرض”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى