المرعاش: هيئة الرئاسات “كواليسها الفكرية دنيئة” وباب من أبواب الفساد

قال الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور كامل المرعاش إن تحركات ودعوات القائد العام المشير خليفة حفتر الأخيرة ركّزت على ثلاثة ملفات “بالغة الأهمية”، ودقّ بشأنها جرس إنذار بشأن ما اعتبره إنذارًا وجوديًا يهدد الدولة والشعب الليبي، وهو ما دفعه إلى حشد الدعم الشعبي الذي بدا واضحًا في حجم التجاوب الكبير مع دعواته.
وأوضح المرعاش في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته الساعة24، أن الملف الأول يتمثل في الملف الأمني، مذكرًا بالجهود الضخمة التي بذلها الجيش الوطني الليبي، بقيادة الفريق صدام حفتر، في تأمين الجنوب وحدود ليبيا بالكامل، بما فيها المناطق الصعبة الممتدة خلف الصحراء. مبيناً أن أهالي الجنوب، باتوا ينعمون باستقرار وأمن ملحوظين. ومع ذلك، أشار إلى أن الأخطار ما تزال محدقة بليبيا، نظرًا لتدفق أعداد كبيرة من المهاجرين ووجود شبه توطين للهجرة، فضلًا عن مصادر توتر مصدرها دول مجاورة تؤثر بشكل مباشر على الداخل الليبي، مؤكدًا أن الخطر لا يزال قائمًا رغم الجهود الأمنية المبذولة.
وانتقل المرعاش إلى الملف الثاني وهو الجمود السياسي، متسائلًا عن كيفية كسر حالة الركود التي استقرت فيها الأزمة الليبية لسنوات. واعتبر أن جزءًا كبيرًا من هذا الجمود تتحمل مسؤوليته البعثة الأممية، متهمًا إياها بالتلاعب الواضح في مسار الأزمة. وأكد أن المبعوثة الأممية الحالية قد تكون “الأسوأ” مقارنة بجميع أسلافها، مستشهدًا بما وصفه بفضيحة الحوار المهيكل الذي تسعى إليه بدعم وتمويل قطري. وفي السياق نفسه، انتقد حكومة الدبيبة، التي قال إنها “منهارة وفاقدة للتوازن”، مشيرًا إلى خروج أكثر من 13 وزيرًا منها، معظمهم على خلفية قضايا فساد، فيما لا يزال آخرون رهن التحقيق، وبعضهم داخل السجون.
أما الملف الثالث – بحسب المرعاش – فهو الملف الاقتصادي، الذي ينعكس مباشرة على حياة المواطن الليبي. وقال إن أزمة السيولة الحالية “مفتعلة من الألف إلى الياء”، لافتًا إلى أن المحافظ الجديد للمصرف المركزي كان قد وعد بحلول عاجلة وانفراج للأزمة وإحداث نقلة نوعية، غير أن النتائج جاءت مخيبة للآمال، بدليل عودة الطوابير إلى المصارف، وهو ما اعتبره دليلاً على “سياسات مالية فاشلة” وافتقاد المحافظ للكفاءة، مشددًا على ضرورة تغييره فورًا.
وأكد المرعاش أن هذه الملفات الثلاثة تعكس بوضوح التخبط الذي تعيشه حكومة الدبيبة وفقدانها للتوازن، معتبرًا أن ما وصفه بـ “الفضيحة” المتعلقة بهيئة الرئاسيات ليست سوى محاولة للهرب إلى الأمام. وقال إنه لا يعرف الأساس القانوني الذي استند إليه القائمون على هذه الهيئة، ولا من يملك حق إنشائها أو صياغة قانونها، مشيرًا إلى أن “هذه الحكومة تعيش زمن الانحطاط والإسفاف إلى درجة تدعو للاشمئزاز”، معتبرًا أن الخطوات التي تتخذها لا تهدف إلا إلى المزيد من الفساد والنهب، ولا تسهم في حل الأزمة.
وأفاد بأن هذه الخطوات تمثل، في تقديره، ردّ فعل مباشر على حجم التجاوب الشعبي الكبير مع مبادرة المشير خليفة حفتر لإنقاذ ليبيا. وأضاف أن الوطنيين ما زالوا يعملون في صمت، وأن مشروع السيادة وإعادة الهيبة يتقدم بخطوات كبيرة وواضحة، وحقق محطات مهمة، من بينها تحييد الدول المتدخلة سلبًا في ليبيا، وآخرها ما ظهر في أنقرة خلال الزيارة الأخيرة.
ولفت المرعاش إلى إن الإجراءات التي اتُّخذت مؤخرًا من قبل حكومة الدبيبة تعبّر عن انزعاج واضح من تحركات القيادة العامة، معتبرًا أنها نتيجة “فقدان التوازن والإفلاس السياسي” لمن يقف وراء تلك الخطوات.
وأشار إلى أن الزخم الشعبي الداعم لمبادرة المشير حفتر والمرشح للاتساع أكثر، وقد يمتد إلى النقابات والاتحادات المهنية والعمالية واتحادات الطلاب، ما قد يزيد من قوة الدفع الشعبي في المرحلة المقبلة.
وبيّن المرعاش، أن ما يسمى بـ “هيئة الرئاسات” يثير تساؤلات جوهرية حول الجهات التي تقف وراء تشكيلها، والصفقات التي صيغت في الكواليس لإخراجها بهذه الصورة.
وأوضح أن الهيئة، وفق تركيبها المعلن، تجمع بشكل غير منطقي بين ثلاث سلطات متعارضة: سلطة رئاسية يدّعي محمد المنفي أنه يتصدرها، وسلطة تشريعية يدّعي محمد تكالّة رئاستها، رغم أن المجلس الأعلى للدولة – بحسب اتفاق جنيف – لا يملك أي صلاحية تشريعية بحكم طبيعته الاستشارية، إضافة إلى سلطة تنفيذية ممثلة في رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة.
وأكد المرعاش أن جمع هذه السلطات داخل “صندوق واحد” هو أمر عبثي، واصفًا هذا الكيان بأنه “صندوق أسود” من حيث تكوينه وشكله ومخرجاته. وأشار إلى أن هذه الهيئة جاءت كاستجابة مرتجلة لمعالجة اختناق سياسي وفقدان واضح للتوازن، بل كنوع من ردة الفعل على تطورات أخرى في المشهد.
واعتبر أن الحديث عن “توحيد القرار السياسي في الدولة” من قبل هذه الأطراف هو حديث غريب، لأن من يطرح هذا الشعار – بحسب تعبيره – لا يملك السيطرة حتى على طرابلس، فضلًا عن الدولة بأكملها. وتساءل: أين شركاء الوطن الآخرون من هذه الهيئة؟ وكيف يتم إطلاق مصطلحات لم يعرف لها مثيل في أي تجربة سياسية حول العالم؟
وذكر أن هذه الخطوة تأتي ضمن ما وصفه بـ”الكولسة الفكرية الدنيئة” التي لا ترقى إلى مستوى النضج أو التقدير السياسي أو الفهم القانوني، مشيرًا إلى أن الهيئة، رغم غرابتها، تقع ضمن إطار العملية السياسية، ما يستوجب التعامل معها بحجمها الحقيقي وتفكيك عناصرها كما دعا عدد من الخبراء.
وتابع: أن توقيت الإعلان عن هذه الهيئة لم يكن بريئًا، إذ بدا واضحًا أنها صُممت لإحداث إرباك في المشهد السياسي، وإعطاء انطباع بوجود حراك داخل طرابلس قد يُعوَّل عليه في إخراج البلاد من أزمتها. ومع ذلك، شدد على ضرورة مواجهة هذه التحركات بالرفض والتفنيد والتشريح القانوني، لأنها – بحسب قوله – “شيء غير موجود ولا يستند إلى أي أساس تشريعي في العالم”.
وأشار إلى أن السؤال الأكبر يظل قائمًا: من يملك حق إصدار هذه الهيئة؟ وكيف يمكن لمن يشكلها أن يضع نفسه على رأسها؟ معتبرًا أن هذا السلوك يعكس خللًا خطيرًا في أدوات الحكم وفقدانًا للثقة والاتزان، وأن نتائجه ستربك المشهد لا محالة.
وأضاف أن حكومة الدبيبة بدأت تشعر بأن نهايتها تقترب، وهذا ما يفسر، من وجهة نظره، هذه التحركات المرتبكة. كما أن البعثة الأممية، التي تتجه نحو إطلاق الحوار المهيكل الممول قطريًا، تواجه مقاومة من هذا التكتل الذي يسعى لتوحيد صفوفه كجبهة مضادة لأي مشروع منافس، سواء كان مشروع البعثة أو مشروع القيادة العامة الذي يحقق تقدّمًا ملموسًا في الضفة المقابلة.
ورأى المرعاش أن هذا التشكيل يعكس رسالة واضحة مفادها أن الأطراف الموجودة في طرابلس “متمسكة بالسلطة ولن تتخلى عنها بسهولة”، وأنها مستعدة للقتال السياسي حتى النهاية. وأضاف أن هذا الكيان الجديد جاء كردّ فعل على وجود مشروع آخر يتقدم بثبات، ويحظى بحواضن اجتماعية في المنطقة الغربية، إضافة إلى الزخم الشعبي المتواصل الذي يتوقع أن يتسع ليشمل فئات وشرائح أكبر.
كما أشار إلى وجود “خط آخر” موازٍ لهذا الزخم الشعبي، يتمثل في الضغط على البعثة الأممية وعلى الدول المتدخلة سلبيًا في ليبيا، بهدف كسر الجمود السياسي وتحييد الأطراف التي تعرقل الحل. وبيّن أن هذا المسار الموازِي قد يكون أكثر تأثيرًا من الحراك الشعبي ذاته.
وشدد المرعاش على أن البعثة الأممية لن تستفيد من خطوة تشكيل هيئة الرئاسات، بل ستجد نفسها – كما قال – “بين نيران هذا الكيان” وبين ضغط الشارع الرافض للحوار المهيكل، خاصة بعد الفضيحة المتعلقة بدخول التمويل القطري في العملية، وهو ما يعمّق الشكوك حول مسار الحوار ويؤكد أن الأزمة تتجه نحو مزيد من التعقيد بدل الحل.
وفي سياق متصل، قال المرعاش إن الجهة المعلنة “لهيئة الرئاسات”، تهربت من سؤال جوهري حول “من يملك حق إنشاء هذه الهيئة أصلًا، ومن يترأسها؟
وقال المرعاش إنه كان يتمنى لو أن وليد اللافي، وهو يكتب البيان الخاص بالهيئة “بعبارات أكبر من حجم رأسه”، عقد مؤتمرًا صحفيًا يواجه فيه أسئلة الصحفيين بدلًا من الاكتفاء ببيان مكتوب. وأضاف أن اللافي تعمّد تجنب مواجهة الرأي العام حتى لا يُسأل عن الجهة المخوّلة قانونًا بتشكيل هذه الهيئة، وعن طبيعة رئاستها، وعن كيفية الادعاء بأنها “لن تمتلك عبئًا إداريًا” أو هيكلية واضحة.
ووصف المرعاش هذه التصريحات بأنها مجانبة للحقيقة، موضحًا أن أي هيئة ستحتاج بالضرورة إلى مقرات واجتماعات، وبالتالي إلى ميزانيات تشغيلية تُفتح من خلالها أبواب الفساد، وهو – بحسب قوله – بيت القصيد. معتبراً أن الصرف على مثل هذه الهيئات سيكلف ملايين، الأمر الذي يثير تساؤلات كان يجب على اللافي أن يجيب عنها في مؤتمر صحفي مفتوح.
وأكد المرعاش أن تجنب اللافي المواجهة يؤشر إلى حجم التخبط الذي تعيشه الأطراف التي أعلنت الهيئة، وإلى العشوائية التي تُدار بها الأمور داخل هذا التكتل، في ظل فقدان واضح للتوازن. وأرجع ذلك إلى وجود ثلاثة مسارات ضاغطة في الوقت الراهن: أولها الحراك الشعبي والسياسي الواسع الذي يكسر حالة الجمود، وثانيها تحركات البعثة الأممية التي تثير قلق حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي لأنها قد تهدد مواقعهم، وثالثها – وهو الأكثر فعالية – المسار المتعلق بتحييد الدول الداعمة للحكومة الحالية والميليشيات التابعة لها.
وأشار المرعاش إلى أن تركيا تُعد المثال الأبرز على التحولات الجارية، إذ انتقلت – وفق وصفه – “من المنطقة السوداء إلى المنطقة الرمادية”، وربما تقترب من الانتقال إلى “المنطقة البيضاء”. وأشاد في هذا السياق بالجهود التي يبذلها الفريق صدام حفتر، الذي يجري في هذا اليوم لقاءات مع مسؤولين أتراك، وربما مع أطراف أخرى تتدخل سلبيًا في الأزمة الليبية.
وأضاف أنه في حال نضجت هذه اللقاءات ونجحت في إنهاء أي شكل من أشكال الدعم الموجه للحكومة الحالية، فإن سقوطها سيكون حتميًا، ليُصار بعدها إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية، قادرة على توحيد المؤسسات وتمكين الجيش من بسط سلطته على كامل البلاد، تمهيدًا للذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية تضمن أمان جميع الليبيين.
ورأى المرعاش إن ليبيا ليست مستعدة للدخول في سياسة المحاور أو أن تكون طرفًا في صراعات إقليمية، مؤكدًا أن الأولوية اليوم هي استرجاع السيادة وتوحيد مؤسسات الدولة في ظل الانقسام الحاصل.
وأوضح المرعاش، أن هناك آفاقًا كبيرة للتعاون مع تركيا، وأن الجهد المبذول خلال الفترة الماضية كان سببًا في انتقال أنقرة من “المنطقة السوداء إلى المنطقة الرمادية”، في إشارة إلى تحسن المواقف التركية تجاه الملفات الليبية. وأضاف أن هذا التحول إيجابي لكنه يظل محدودًا زمنيًا، وأن الخطوة المقبلة تقع على عاتق أنقرة “لنقل علاقاتها مع ليبيا إلى المنطقة البيضاء”.
وأشار المرعاش إلى أن تركيا حققت بالفعل مصالح تجارية واسعة داخل ليبيا، حيث إن 70% إلى 80% من السوق المحلي يعتمد على البضائع التركية، إلى جانب النشاط الكبير للشركات التركية واستمرار التواصل على المستويات العسكرية والسياسية والدبلوماسية. وقال إن المرحلة القادمة تتطلب من تركيا توضيح رؤيتها الحقيقية: “ماذا تريد من ليبيا؟ وما هو موقع مصالحها في دعم الاستقرار ووحدة الدولة؟”
وفي رده على سؤال حول التغير في الموقف التركي بعد خمس سنوات من تدخلها العسكري، أكد المرعاش أن أنقرة أصبحت تمتلك “قناعة واضحة” بأن استمرار الفوضى في غرب البلاد سببه انفلات السلاح وتعدد المليشيات المنتشرة في 26 مدينة، وهو وضع غير موجود في شرق ليبيا. وأضاف أن تركيا ضاقت ذرعًا بالمحاولات المستمرة لعقد تفاهمات بين هذه المجموعات المسلّحة، وأنها باتت أكثر إدراكًا بأن الأزمة الليبية لا يمكن حلها في ظل بقاء هذا المشهد.
وكشف المرعاش أن جهدًا كبيرًا بُذل خلال العام الأخير لتقريب وجهات النظر، وأن هذا المسار أصبح “ناضجًا” ويحتاج فقط إلى لقاء مرتقب قد يُعقد في مكان وزمان غير محددين للوصول إلى تفاهمات نهائية، ما قد يدفع تركيا إلى الانتقال رسميًا إلى “المنطقة البيضاء”.
الانتقال رسميًا إلى “المنطقة البيضاء”.
كما أكد المرعاش أن هذا التحول يفتح الباب أمام حل ليبي خالص يبدأ بالحل الأمني وإنهاء فوضى السلاح، ثم الانتقال إلى المسار السياسي عبر الاستفتاء على الدستور وتنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وختم بالقول إن القيادة العامة تحتاج خلال الأيام المقبلة إلى دعم الليبيين ونزولهم إلى الشوارع باعتباره “الضغط الشعبي الذي سيفرض لحظة التحول وينهي الانقسام، ويُعيد لليبيين حقهم في الاستقرار والاستفادة من خيرات بلدهم، كما وعدهم المشير خليفة حفتر في لقاءاته المتكررة مع القبائل”.









