اخبار مميزةليبيا

المسماري: مقتل “الخنساء” مؤشر على مرحلة خطيرة من الاغتيالات والتصفيات

أكد أستاذ القانون راقي المسماري أن حادثة مقتل السيدة خنساء المجاهد في طرابلس تكشف إخفاق الدولة في فرض سيادتها وحماية المدنيين، مشددًا على أن الحادث يعكس أزمة أمنية بامتياز وليست مسألة سياسية.

وأوضح المسماري، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن الدولة لم تفرض هيبتها ولم تحتكر السلاح، ما أتاح للميليشيات والتشكيلات غير النظامية الانتشار، والتأثير السلبي المباشر على العملية الأمنية.

وأشار إلى أن الهجوم ربما كان موجّهًا ضد زوج الضحية، معاذ المنفوخ، إلا أن منفذي العملية لم يتمكنوا من الوصول إليه فاستهدفوا زوجته، واصفًا الفعل بأنه تصرفات تشبه أفعال “المافيا والعصابات” وتتجاوز كل حدود الدين والأخلاق.

ولفت المسماري إلى أن الحادثة تسلط الضوء على ضعف أجهزة الدولة في المنطقة الغربية في حماية المدنيين، مؤكدًا أن هذه الجرائم تعكس مراحل متقدمة من الصراع والعنف والحقد بين الأطراف المختلفة.

وكشف المسماري أن ملابسات الجريمة تشير إلى انحدار خطير في الوضع الأمني، مشيرًا إلى أن الروايات المتداولة تشير إلى أن إطلاق النار تم عبر قناصة قبل استهداف الضحية مباشرة خارج سيارتها، رغم أن الهدف المفترض كان زوجها.

وبيّن أن القاتل كان قادرًا على تمييز أن الضحية سيدة، ما يجعل الجريمة “قتلًا غادرًا يستهدف معاذ بطريقة غير مباشرة، عبر قتل زوجته”، مؤكدًا أن هذا السلوك يخالف أبسط القيم الدينية والقانونية.

وشدد على أن ليبيا دخلت مرحلة خطيرة من التصفيات والاغتيالات، داعيًا الجميع إلى رفض هذا النهج، وحث النيابة العامة على التحرك الفوري لضبط الجناة والتحقيق معهم وإحالتهم إلى المحكمة المختصة، معتبرًا أن العقوبة العادلة لمثل هذا الفعل “هي الإعدام شنقًا حتى الموت، دون أي مبرر للتخفيف”.

وانتقد المسماري بعثة الأمم المتحدة لعدم تناولها الجانب الأمني في العاصمة والغرب الليبي في بيانها الأخير، قائلًا إن البعثة “لم تُشر إلى الفوضى الأمنية أو ضرورة تحسين المناخ الأمني، واكتفت بالدعوة إلى عدم التصعيد”، معتبرًا أن ذلك يعكس تركيزها على منع ردود الفعل المحتملة بدل معالجة جذور الأزمة.

ووصف ما حدث بانه يندرج ضمن تصاعد خطير للعنف ضد النساء واستهداف الناشطات في الحياة العامة، في ظل غياب مؤسسات الدولة عن أداء دورها في حماية المدنيين.

واعتبر المسماري، أن الأزمة الأمنية في غرب ليبيا ليست مجرد نتيجة غياب للأمن، بل تعود أساسًا إلى تعدد مصادر القوة وانتشار الميليشيات التي تحتمي بالمدن والقبائل، الأمر الذي يجعل تعقّب الجناة شبه مستحيل. وقال إن الطريقة التي تُدار بها المنطقة الغربية لا يمكن أن تنتج أمنًا مهما بُذلت من جهود.

ورأى أستاذ القانون، أن تحقيق الأمن مرهون بـ احتكار السلاح بيد الدولة، وإخضاع جميع الأسلحة للجيش والأجهزة الأمنية والشرطية.

وبين أن حتى عناصر القوات المسلحة والأمن الداخلي والمباحث هم مواطنون ليبيون مهددون بالخطر عند تنفيذ مهامهم، لأنهم يواجهون مجموعات مسلحة تمتلك أسلحة تفوق قدرات الشرطة، بما في ذلك أسلحة متوسطة وثقيلة وطيران مسيّر.

وأضاف: الشرطة في ليبيا تمتلك في أفضل حالاتها بندقية كلاشينكوف، بينما تواجه ميليشيات لديها صواريخ وطائرات مسيرة، متسائلًا: “من هو الجهاز الشرطي الذي سيغامر بمحاولة القبض على مسلّح يتحصّن داخل مقر ميليشيا؟”.

وشدد أستاذ القانون على أن الوضع الأمني في شرق وجنوب ليبيا ليس مثاليًا، لكنه أشار إلى وجود “تحسّن ملحوظ” نتيجة احتكار السلاح ووجود أجهزة أمنية وعسكرية فعالة تدعم عمل الشرطة. وأوضح أن حوادث مثل اغتيال النائبة سهام سرقيوة تعود إلى عام 2019، قبل سبع سنوات، بينما شهدت المناطق تحسنًا بعد سيطرة القوات المسلحة على السلاح.

واعتبر المسماري أن تحقيق الأمن في غرب ليبيا لن يكون ممكنًا دون بناء منظومة عسكرية حقيقية وتوحيد المؤسسة العسكرية شرقًا وغربًا، محذرًا من أن البلاد ستظل تعاني “فوضى السلاح والميليشيات” ما لم تسترجع الدولة سيطرتها على الأراضي بقوة الجيش.

وأشار إلى أن توقيت اغتيال خنساء مجاهد يعكس حالة من الصراعات الداخلية بين التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا، بالإضافة إلى خلافات متصاعدة بين حكومة الدبيبة ووزارة الداخلية، ما قد يشير إلى محاولات لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة.

كما أشاد بالدور “العقلاني والمتزن” لعضو الحوار السياسي السابق معاذ المنفوخ، مؤكدًا أن مواقفه الوطنية تأتي قبل المفاوضات السياسية المرتقبة، وأن مدينة الزاوية تحاول حسم خياراتها نحو موقف سياسي موحد.

وأضاف المسماري أن بعض النخب والناشطين في المدينة ربما يسعون لدعم مشروع توحيد مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والاستفادة من خبرة الجيش في الشرق ومكافحة الإرهاب، وهو ما قد لا يروق لجهات في الغرب أو لبعض الميليشيات التي حاولت القضاء على هذا الدور.

وأكد أن الجيش في الشرق لم يأتِ من فراغ، بل “ولد من رحم المعاناة” بدءًا من اعتصامات 2012 في بنغازي والاحتجاجات في درنة، وصولًا إلى إطلاق عملية الكرامة بعد إدراك الليبيين أن الإرهاب لا يُواجه إلا بالسلاح والتنظيم العسكري.

ورفض المسماري وصف القضاء بالتباطؤ، موضحًا أن الدعوى الجنائية وفق القانون الليبي لا تُحال إلى المحكمة إلا بعد استكمال التحقيق والقبض على جميع المتهمين من محرضين ومتسترين ومنفذين.

وأشار إلى أن قضايا القتل، لا يمكن فيها إحالة المتهم الرئيسي دون بقية الشركاء، وهو ما يعطل الإجراءات نظرًا لغياب “أداة فرض القانون”. وذكر أن

مسؤولية حكومة الوحدة في هذا السياق سياسية وليست جنائية، لأنها لم تعد تملك السيطرة الفعلية على الجهات المسلحة.

ولفت المسماري إلى أن مشكلة غرب ليبيا تعود إلى أن الدولة هناك استوعبت الإرهاب ثم تغاضت عنه، فاستفادت منه المجموعات المسلحة قبل أن تسيطر على مؤسسات الدولة. وباتت الميليشيات تمتلك اليوم نفوذًا واسعًا داخل الوزارات والهيئات والشركات والمصالح العامة، ما جعلها أقوى من مؤسسات الدولة نفسها.

ورأى أن الفوضى الأمنية في غرب ليبيا تمثل أرضًا خصبة للجريمة السياسية واستغلال الميليشيات من قبل السياسيين، مختتماً حديثه بالتأكيد على أن عددًا كبيرًا من الجرائم في غرب البلاد يبقى بلا متهمين، وبلا موقوفين، بسبب عدم توفر أداة تنفيذ القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى