اخبار مميزةليبيا

البرغثي: “هيئة الرئاسات” انقلاب ناعم يهدد بتفكيك المؤسسات وزيادة الانقسام

حذر المختص في العلاقات الدولية، الدكتور علي البرغثي، من خطورة الخطوة التي شهدتها طرابلس والمتمثلة في الإعلان عن تشكيل “الهيئة العليا للرئاسات” التي تضم كلاً من المنفي والدبيبة وتكالة، مؤكداً أن هذا التشكيل يمثل “تحولاً عميقاً” في مسار الأزمة السياسية، ويتجاوز بكثير إطار التنسيق السياسي الذي روّج له القائمون عليه.

وقال البرغثي، في حديث لقناة “المسار”، رصدته صحيفة الساعة 24، إن الإعلان عن هذه الهيئة نقل المشهد الليبي من حالة الانقسام الناعم إلى الاقتراب من انقسام خشن، معتبراً أن هذا التغيير يحمل تداعيات بالغة لم تُدرس بعناية من قبل مهندسي الخطوة.

وأضاف أن موجة الرفض الواسعة جاءت مبررة، لأنها تمس بشكل مباشر وحدة البلاد، مشيراً إلى أن تشكيل الهيئة جرى خارج الأطر الدستورية والقانونية، وهو ما يجعلها – في ظل هشاشة الوضع السياسي – عاملاً إضافياً يهدد بتفكك المؤسسات وتعميق الانقسام بدلاً من احتوائه.

وشدد البرغثي على أن أي نقاش حول هذه المبادرة يجب أن ينطلق من قاعدة أساسية مفادها أن وحدة ليبيا يجب أن تبقى فوق كل الاعتبارات.

وأوضح أن ليبيا اليوم تعيش ثلاثة مشاهد رئيسية تحدد مستقبلها: انقسام ناعم فرضه انسداد سياسي ممتد، وهشاشة أمنية نتيجة غياب منظومة أمنية مكتملة، إضافة إلى نفوذ خارجي واسع يضغط على القرار السيادي. وبيّن أن تلاقي هذه العوامل يجعل أي خطوة سياسية غير مدروسة قابلة لجر البلاد نحو مزيد من السيولة والتفكك، وربما الدفع باتجاه انقسام خشن يصعب احتواؤه.

واعتبر البرغثي أن محاولات رأب الصدع، من اتفاق الصخيرات وصولاً إلى محادثات جنيف، فشلت في معالجة جذور الانقسام، محذراً من أن التطورات الأخيرة “تقلص هامش الأمل” في الوصول إلى توافق وطني قادر على إخراج البلاد من أزمتها الراهنة.

وواصل البرغثي حديثه حول المخاطر والتداعيات الخطيرة لتأسيس ما يعرف بالهيئة العليا للرئاسات، مؤكداً أن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد تنسيق بين السلطات، بل “مأسسة” لجسم جديد خارج الإطار الدستوري والقانوني، بما يشكّل ــ وفق وصفه – خطرًا مباشراً على كيان الدولة، وعلى ما تبقى من توازنات المشهد السياسي الليبي.

وتعليقا على ردود الأفعال، أوضح البرغثي أن بيان الحكومة الليبية، الذي اعتبر الهيئة “غير قانونية وغير دستورية”، يعكس جزءاً من المخاوف، لكنه أقل حدة مما تتطلبه خطورة الموقف. مشيراً إلى أن الإعلان عن هذا الكيان يستبطن محاولة محتملة لـ”إعادة تشكيل مراكز النفوذ والاستعداد للتفاوض أو لمرحلة انتقالية جديدة”، عبر خلق جسم يوظَّف ككتلة سياسية مؤثرة.

وبيّن أن خطورة الخطوة لا تكمن في الاجتماع بحد ذاته، بل في إنشاء مؤسسة جديدة بغطاء سيادي، مؤكداً أن الأمر يبدو “كأنه إلغاء ضمني لبقية الأجسام”، وعلى رأسها مجلس النواب، الذي اعتبره البرغثي المستهدف الأول، مشبهاً الخطوة بـ “انقلاب ناعم” على السلطات القائمة. وأضاف: “لو كنت في مجلس النواب، لاعتبرت هذا التشكيل إعلاناً بأن المجلس لم يعد قادراً على البقاء”.

ورأى البرغثي أن تأسيس الهيئة الجديدة من شأنه جرّ بقية المؤسسات نحو اصطفافات قد تقود إلى مواجهات، موضحاً أن المشهد السياسي يعاني أصلاً من انقسامات رأسية وأفقية، إلا أن “الجديد والخطير” – بحسب وصفه، هو إضافة جسم سيادي آخر يخلق واقعاً سياسياً جديداً بفرض الأمر الواقع.

وحمّل البعثة الأممية مسؤولية جزء من التطورات، بسبب “البطء الشديد” في التعاطي مع العملية السياسية وعدم استثمار الإطار الزمني الذي أوجدته اللجنة الاستشارية، ما أدى إلى “فراغ سياسي”، استغلته هذه المجموعة لإنشاء جسم بديل لسحب البساط من أي مبادرة أخرى.

وأكد أن تأسيس الهيئة جاء ليضغط على المسار السياسي ويقصي كل المبادرات الأخرى، مضيفاً أن ردود الفعل البرلمانية “باهتة وغير متناسبة مع حجم الحدث”، رغم أن الهيئة – وفق وصفه – تمثل سلطة سيادية بأمر الواقع، قد تقود البلاد إلى مكان آخر تماماً.

وشَدد على أن الأمر ليس مجرد لقاء كما حدث سابقاً بين المنفي وحفتر وعقيلة صالح، بل هو “إنشاء مؤسسي” يجب تفسيره للرأي العام على أنه جسم يسحب الشرعية من بقية السلطات، محذراً من تداعيات كارثية قد تنتج عن هذا المسار إذا لم يُواجَه بموقف واضح وحازم.

وحول التوقيت، بينّ البرغثي أن إنشاء الهيئة في هذا التوقيت جاء نتيجة فراغ سياسي خلّفه بطء البعثة الأممية في التقدم نحو الاستحقاق الانتخابي، معتبراً أن هذا البطء خلق مساحة تم ملؤها بجسم سيادي جديد، يمثل خروجاً صريحاً على المسار الدستوري والقانوني.

واعتبر أن صمت البعثة الأممية تجاه خطوة بحجم تأسيس جسم سيادي جديد، وكذلك تجاه لهجة التصعيد في بيان الحكومة الليبية بشأن خيار الحكم الذاتي، يثير تساؤلات حول موقف البعثة، وربما يعكس ارتياحاً لحالة الجمود القائمة. ورأى أن البعثة باتت “في أزمة حقيقية” لأنها طرحت خارطة طريق تتطلب انخراط أطراف محددة، بينما تم تجاوز هذه الخارطة بفرض أمر واقع جديد.

وأضاف أن البيان الصادر عن الهيئة تضمن مصطلحات سيادية واضحة، مثل “العمل الوقائي”، وهو ما يعكس – حسب قوله – أن الهيئة ليست جسماً تنسيقياً كما يروّج البعض، بل سلطة سيادية موازية أُنشئت خارج كل الشرعيات.

وانتقد البرغثي ضعف ردود الفعل الرسمية، مؤكداً أن مجلس النواب لم يتعامل مع الحدث بالشكل المطلوب، فيما رأى أن موقف الحكومة الليبية والقيادة العامة “لا يلغي خطورة ما يجري”، بل يعكس تبايناً واضحاً في التعاطي مع الأزمة. وقال: المسألة بالنسبة لي ليست دفاعاً عن مؤسسات، بل دفاع عن كيان الدولة الذي أصبح مهدداً.

وأشار إلى أن المشهد بات يحمل خليطاً خطيراً، من عوامل الداخل والخارج، وأن إضافة هذا الجسم السيادي يمكن أن ترفع مستوى التهديد لوحدة الوطن، داعياً إلى التفكير الجاد في السيناريو الذي يمكن أن يوقف التداعيات المتسارعة ويُخرج البلاد من حالة الاحتقان.

واعتبر أن الحل لم يعد بيد الأجسام السياسية الحالية التي أصبحت غير قادرة على تقديم اختراق حقيقي، مؤكداً أن قرارها مرتهن بشكل كبير للعامل الخارجي.

ودعا إلى انتقال سريع نحو الحاضنة الاجتماعية بكل مكوناتها، معتبراً أنها القاطرة الوحيدة القادرة الآن على حماية وحدة البلاد ودفع المسار نحو انتخابات تعيد الشرعية.

وشدد على أن الشعب الليبي قادر، إذا ما مُنح الفرصة، على الضغط على جميع الأطراف، بما فيها الأطراف الدولية، لفرض مسار انتخابي واضح، مضيفاً: لا يمكن التعويل على هذه الأسماء أو المؤسسات القائمة لحل الأزمة… القاطرة الآن هي الشعب، وهو الوحيد القادر على إعادة ليبيا إلى مسار الشرعية.

وتابع: استمرار اعتماد الأطراف السياسية على مواقف الخارج أو على خلق أجسام موازية سيقود البلاد إلى مزيد من التفكك، مؤكداً أن ما يجري في طرابلس من تشكيل لهيئة الرئاسات يمثل مناورة سياسية تهدف ــ كما وصفتها جهات دولية ــ إلى إظهار السلطات القائمة كجبهة متماسكة أمام العالم، رغم أن المشهد الحقيقي يعكس حالة انقسام عميقة.

وتابع البرغثي بالقول: “أخاف من أن نصحو غداً على ليبيا منقسمة إلى إقليمين، أو ثلاثة، أو من سيناريو شبيه بالسودان وجنوبه”. مضيفاً: “الذين يظنون أن طرابلس مستقرة أو أن بنغازي بمنأى عن الخطر يبسّطون الواقع المعقد الذي قد ينفجر في أي لحظة”. وأكد أن جميع الأجسام القائمة اليوم لن تكون قادرة على منع هذا الانهيار.

وأردف: نحن في محيط مشتعل، وفي عالم يتغير بسرعة.. وأحد أهم ملامح هذا التغير هو التفكيك. إذا لم نتحرك الآن، فقد نجد أنفسنا أمام خريطة جديدة لليبيا لا تشبه الدولة التي نعرفها”.

وأوضح أن القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، لا تتحرك بوصفها جمعيات خيرية، بل وفقاً لمصالحها، مشدداً على ضرورة منع تلك المصالح من أن تتحول إلى عوامل تؤدي إلى “فناء الكيان الليبي”.

وفي سؤال حول لقاءات القائد العام المشير خليفة حفتر مع القبائل الليبية وما إذا كانت قد تؤثر على رصيد حكومة الدبيبة سياسياً، أكد البرغثي أن هذه اللقاءات تعزز الوحدة الوطنية، وفيها رسالة للحاضنة الاجتماعية بأن هناك فرصة لتستعيد قرارها السيادي الذي فقدته، معتبراً أن التركيز على فكرة “الانتقاص” بين الأطراف أمر غير مفيد في هذه المرحلة، مؤكداً أن ليبيا تحتاج إلى تعزيز رصيد الحاضنة الشعبية لخلق إرادة وطنية جامعة، وانتخابات حرة يفرضها الشعب الليبي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى