اخبار مميزةليبيا

طلوبة: تذبذب أسعار الصرف أصبح مرضاً مزمناً في الاقتصاد الليبي

حذر أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، الدكتور عبد اللطيف طلوبة، من تفاقم مؤشرات الأزمة النقدية في ليبيا، مؤكداً أن الوضع الحالي يعكس صعوبة كبيرة أمام إدارة المصرف المركزي في تحقيق الاستقرار، وليس مجرد تعثر عابر.

وقال طلوبة في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدته «الساعة 24»، إن طوابير المواطنين أمام المصارف باتت المؤشر الرقمي الأول والأوضح على حجم التحدي الذي يواجه المصرف المركزي، موضحاً أن استمرار أزمة السيولة بهذا الشكل يكشف قصور أدوات المعالجة المتاحة.

وأضاف أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدينار وسعره في السوق الموازية يمثل مؤشراً أساسياً آخر على اتجاه السياسة النقدية، لافتاً إلى أن لجوء المواطنين للسوق الموازية يومياً لتغطية احتياجاتهم من العلاج والاستيراد يعكس ضعف قدرة الأدوات الرسمية على تلبية الطلب.

ورأى طلوبة، أن مسؤولية معالجة الأزمة لا تقع على المصرف المركزي وحده، موضحاً أن المركزي هو مستشار مالي، بينما تقع المسؤولية الأساسية في صياغة وتنفيذ السياسة الاقتصادية على السلطة التشريعية والتنفيذية.

وأضاف أن الاستقرار الاقتصادي يشبه مرحلة الشفاء من المرض، ولا يتحقق بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى إصلاحات طويلة الأمد وصبر ومراقبة دقيقة، محذّراً من تكرار الانتكاسات التي شهدها الاقتصاد الليبي خلال عام 2025 في أسعار الصرف والسيولة رغم الوعود المتكررة بحل الأزمة.

وشدد طلوبة على أن الأزمة الليبية “هيكلية وعميقة”، وأن جذورها تعود إلى طبيعة الاقتصاد الريعي، ما يتطلب دوراً مشتركاً بين الحكومة ومجلس النواب والمصرف المركزي، وإصلاحات تمتد إلى عدة سنوات، وليس لأشهر.

وأشار طلوبة إلى أن حجم الاكتتاب في شهادات المضاربة المطلقة سيكون أيضاً معياراً لقياس نجاح أو فشل السياسات الجديدة، إلى جانب مؤشرات أخرى مثل حجم أرصدة المودعين والحسابات الجارية وعرض النقود، إلا أنه شدد على أن تحسن بعض المؤشرات لا يكفي، قائلاً: “شهدنا سابقاً تحسّن مؤشرات معينة، ثم تدهور أخر.. وهذا التذبذب أصبح مرضاً مزمناً“.

وقال إن شهادات الاستثمار المطلقة التي أطلقها المصرف المركزي موجّهة أساساً للجهاز المصرفي، بهدف استثمار الأموال الجاهزة داخل المصارف، بما يتيح لها باباً إضافياً للاستثمار منخفض المخاطر. لكنه أوضح أن هذه الشهادات، عند مقارنتها بالهدف المُعلن المتمثل في امتصاص السيولة، لن تحقق الأثر المطلوب، لأن الجهاز المصرفي يعاني أصلاً من فائض سيولة كبير.

وأضاف طلوبة، أن هذه الأدوات ستتعامل مع جزء من السيولة الموجودة داخل المصارف، وهي أموال مودعين غير قابلة للاستخدام بسبب ضعف قدرة العملاء على الوصول إليها، وعدم قدرة المصارف على استثمارها نتيجة ضيق سوق الاستثمار. مؤكداً أن تأثير هذه الشهادات على السيولة الفعلية في السوق سيكون محدوداً للغاية، لأنها لن تُمتص إلا من الأرصدة الزائدة لدى المصارف، في وقت تعاني فيه المصارف من انخفاض الأرصدة السائلة المخصصة لتلبية طلبات الجمهور.

وأوضح أن المصرف المركزي لم يقدم خطوة جديدة، بل قام عملياً بتحويل أرصدة إيداعية راكدة إلى شهادات استثمار، دون أن يثبت حتى الآن قدرته على امتصاص السيولة المتداولة خارج الجهاز المصرفي، وهي السيولة التي تغذي الطلب على العملة الأجنبية والواردات. كما أشار إلى عدم وجود بيانات تؤكد إقبال المواطنين على شراء هذه الشهادات، معتبراً أنها قد تسهم في امتصاص جزء من السيولة الراكدة داخل المصارف، لكنها لن تؤثر في السيولة النشطة التي تحرك الطلب وتضغط على سعر الصرف.

ونبه طلوبة إلى أن المشكلة تُرحَّل فقط إلى الأمام دون حلول جذرية. موضحا أن الطلب على العملة الأجنبية ما يزال مرتفعاً بقوة نتيجة ما وصفه بـ “الإنفاق الحكومي غير المنتج” وسيولة الأموال السهلة التي تصل إلى الأفراد، فتتحول مباشرة إلى طلب نشط على السلع المستوردة بسبب شبه انعدام الإنتاج المحلي.

وبيّن أن ارتفاع الإنفاق العام يؤدي تلقائياً إلى زيادة الطلب على الواردات، ومن ثم على العملة الصعبة، وهو ما يجعل تخصيص المصرف المركزي لمبلغ 2 مليار دولار محدود التأثير. وقال إن الليبيين أنفقوا نحو 26 مليار دولار خلال عشرة أشهر، بمعدل 2.6 مليار شهرياً، الأمر الذي يجعل المبلغ المعلن أقل من متوسط الاحتياجات الشهرية المعتادة، وبالتالي عاجزاً عن تلبية الطلب حتى نهاية السنة.

وأضاف أن ما خصصه المصرف المركزي يغطي احتياجات شهر رمضان فقط، وهو موعد سيشهد ارتفاعاً مضاعفاً في إنفاق الأسر الليبية، ما يجعل الكمية المرصودة غير كافية. وأعرب عن شكوكه في قدرة المصرف المركزي على توفير مخصصات إضافية قبل الشهر الكريم، أو قدرة التجار على تنفيذ وارداتهم في الوقت المناسب.

وأشار طلوبة إلى أن الإجراءات الحالية غير قادرة على تضييق الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، مؤكداً في الوقت نفسه أن المصرف المركزي “لا يملك العصا السحرية” لحل أزمة الاقتصاد الليبي، لأنها ليست أزمة آنية أو إدارية طارئة يمكن تجاوزها بقرار واحد، بل أزمة هيكلية عميقة تتطلب معالجة شاملة تتجاوز الأدوات النقدية المتاحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى