اخبار مميزةليبيا

طلوبة: توجيه الموارد نحو الاستهلاك فقط قد يؤدي إلى انهيار الاقتصادي

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، د. عبد اللطيف طلوبة، أن أي نقص في البيانات يعني أن المعطيات الاقتصادية المتداولة غير موثوقة، ولا تعكس صورة حقيقية عن وضع الاقتصاد الليبي، وذلك تعليقا على التقرير الصادر عن المصرف المركزي، بشأن الإيرادات والإنفاق العام والاحتياجات والصرف على ميزانيات القطاعات.

وأشار طلوبة في تصريحات لقناة “الوسط”، إلى غياب بيانات إنفاق الحكومة الليبية برئاسة أسامة حماد، وهو أمر قال إنه يمس الثقة، وقد يوازي أو يعادل إنفاق حكومة الدبيبة.

وأضاف أن هناك غيابًا آخر يتعلق ببيانات مبيعات النفط في السوق المحلي، متسائلًا ما إذا كانت هذه المبيعات مُجَنَّبة، أو أن الجهات المسوّقة للمشتقات النفطية لا تورد إيراداتها إلى الخزانة العامة، أو أن المصرف المركزي يتجاوز عنها، مؤكدًا أن هذا الملف مبهم ويحتاج إلى إجابة واضحة، ويكشف غياب جزء كبير من البيانات الأساسية.

وأوضح طلوبة، أن هذا النقص يجعل إصدار حكم موضوعي حول دقة البيانات أمرًا صعبًا، لكن حتى بافتراض صحة الأرقام المنشورة، فإنها – بحسب وصفه – تُظهر منعرجًا خطيرًا يشير إلى أن الاقتصاد الليبي يتجه نحو العجز. مشيرا إلى تضخم إنفاق المرتبات من 55 مليارًا في أكتوبر إلى 61 مليارًا في نوفمبر، أي زيادة بنحو 6 مليارات دينار خلال شهر واحد فقط، وهو ارتفاع يساوي 10%، معتبرًا أن هذا لا يحدث في أي حكومة في العالم.

وحذّر طلوبة، من أن استمرار هذا النسق يعني أن إنفاق المرتبات سيستهلك كامل إيرادات الدولة خلال أشهر.

وشدد على أن الاقتصاد الليبي أصبح يعتمد بشكل كارثي على إيرادات ناضبة، موضحًا أن إيرادات النفط المباشرة والرسوم المرتبطة به شكّلت أكثر من 98% من إجمالي الإيرادات في أكتوبر، ونسبة مقاربة في نوفمبر، ما يعكس غيابًا كاملًا لمنظومة الضرائب والجمارك التي تحتاجها البلاد أكثر من أي وقت مضى.

ولفت إلى تفاقم الإنفاق العام واستحواذ المرتبات على نصف الميزانية، إضافة إلى سبع قطاعات تستهلك 70% من الميزانية المخصصة للدولة، قبل أن ينتقل الحوار إلى ضيف آخر في البرنامج.

وقال إن الرسم المفروض على مبيعات النقد الأجنبي هو في حقيقته ضريبة على الاستهلاك، لكنه لم يحقق أي فائدة اقتصادية، لأن الحكومة نفسها هي التي تتحمل كلفته. موضحاً أن المواطن لا يشعر بهذا الرسم، لكونه يُرحَّل إلى الموازنة العامة عبر زيادة التوظيف ورفع مستويات المرتبات كلما تغيّر سعر الصرف، الأمر الذي يفقد الرسم قيمته الاقتصادية الحقيقية.

وأضاف طلوبة، أن هذه الرسوم لا تكون مفيدة إلا عندما يتحملها من يدفعها، لكن عندما تُنقل إلى طرف آخر تفقد جدواها بالكامل.

وانتقد تعامل المصرف المركزي، مع ميزانيته بعقلية محاسبية أو تجارية، معتبرًا أن هذا النهج لا يتناسب مع معالجة أزمة اقتصادية عميقة، زهو ما يعكس هشاشة الاقتصاد حتى في مصادر الدخل الأساسية.

ورأى أن الاعتماد على إيرادات النفط، إضافة إلى الرسم على مبيعات النقد الأجنبي، يمثل خطورة كبيرة لأنها إيرادات قابلة للتبخر في أي لحظة، إما بسبب تراجع أسعار النفط عالميًا أو انخفاض الطلب، كما أن هذه الإيرادات يمكن إزالتها بقرار واحد. وأكد أن استمرار الطلب المحلي العالي على الاستهلاك يفرض على الحكومة والسلطات التشريعية والتنفيذية البحث عن مصادر دخل داخلية حقيقية، تعتمد على الإنتاج المحلي لا على بيع الأصول أو الإيرادات الريعية.

وأوضح طلوبة، أن التقرير الأخير كشف انخفاضًا في الإيرادات النفطية، مؤكدًا أن الدولة الليبية تعتمد بالكامل على السوق الدولي، فيما تتحدد إيراداتها من خلال سعر النفط وكمياته المباعة، وهما عاملان لا تتحكم فيهما الحكومة الليبية.

وتوقع طلوبة، تفاقم الأزمة قريبًا، لافتًا إلى أن ليبيا تعاني منذ سنوات من عجز واضح في تغطية نفقاتها، وقد تم تجاوز هذا العجز بتغيير سعر الصرف. مبيناً أن إيرادات ليبيا من العملة الصعبة لا تغطي المصروفات منذ 2015 تقريبًا، وأن معالجة هذا الخلل تمت عبر تضخيم الكتلة النقدية والادعاء بإمكانية الإنفاق أكثر، ما رفع من مستوى المعيشة بشكل اصطناعي.

وأشار إلى أن معظم المواطنين الليبيين أصبحوا يحصلون على مرتبات، أو إعانات، أو منح “بشكل أو آخر”، ورغم ذلك ما يزال العجز عن توفير متطلبات الحياة يتزايد يومًا بعد يوم، لأن المشكلة – كما وصفها – لم تعد اقتصادية، بل محاسبية، حيث يتم تجاوز الاختلالات بالأرقام لا بالإصلاحات.

ووصف أستاذ الاقتصاد، الإنفاق الموجه إلى وزارة المالية بـ “التضخم الكبير”، مشيرًا إلى أن الوزارة تستحوذ على نحو 25 مليار دينار، وهو رقم يفوق بكثير بعض الوزارات الخدمية الأخرى مثل الصحة والتعليم. مؤكدا أن هذا التركز في الإنفاق لا يخدم أي هدف إنتاجي أو تطويري، بل يعكس فلسفة الدولة في توجيه الموارد نحو دعم الاستهلاك المحلي فقط.

وأوضح أن وزارة المالية لا تقدم خدمات مباشرة للمواطنين، وإنما تعمل كجهة تنظيمية وراعية لشؤون الإنفاق العام، خصوصًا المرتبات، مما يجعل كل موارد الدولة، بما في ذلك الإيرادات النفطية، موجهة للاستهلاك دون أي ترشيد أو تخطيط استراتيجي. وأضاف أن هذا الوضع يؤدي إلى كارثة اقتصادية محتملة، إذ أن الإنفاق غير المرتبط بميزانية متفق عليها أو مشرعة من الجهات التشريعية يصبح بلا حدود، ما يفتح الباب أمام الفساد وإهدار المال العام.

ورأى طلوبة، إلى أن الاعتماد على الإيرادات الخارجية مثل النفط، السياحة أو الاستثمارات الخارجية، يمثل خطرًا دائمًا، لأن التحكم بهذه الموارد لا يكون في يد الدولة، بل في يد الجهات الخارجية المستقبلة أو المشترية.

وقال إن إيرادات النفط الليبية، على سبيل المثال، تعتمد على كمية محددة مسبقًا من قبل سوق العالم ومنظمة الأوبك، وسعر البيع يخضع لتقلبات السوق العالمي، ما يجعل الدولة في مهب الريح.

ولفت إلى أن نفس المخاطر تنطبق على إيرادات الاستثمارات وبيع النقد الأجنبي، حيث يمكن أن تتبخر هذه الموارد في أي لحظة، محذرًا من أن استمرار هذا النهج يجعل مصير الدولة الليبية بأكملها عرضة للتقلب المالي أو الانهيار.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى