التاجوري: اختراق المؤسسات من الداخل أخطر تهديد للهوية الليبية
أكد المحامي عصام التاجوري، أن أزمة تزوير الجنسية والهوية الليبية ليست مجرد أخطاء إدارية عابرة، بل هي “جرح عميق”، وملف مركّب ارتبط عبر سنوات بعمليات سياسية ومصلحية ورشاوي وتجاوزات في عدة قطاعات مرتبطة بالسجل المدني ومنظومة الرقم الوطني.
وقال التاجوري، في تصريحات لـ«ليبيا الأحرار»، رصدتها «الساعة 24»: “التلاعب بملفات الجنسية بدأ قبل مرحلة الرقم الوطني، مؤكداً وجود جوازات وجنسيات صدرت بالمخالفة الصريحة للقانون، نتيجة تدخلات ولجان وقرارات سمحت بتمرير معاملات غير مستوفية للشروط القانونية المطلوبة”.
واعتبر أن هذه القضية التي وصفها بـ “الكارثة الكبرى” بدأت بعد عام 2011 عند فتح منظومات رقمية موازية لإدراج قوائم بأسماء جديدة ضمن منظومات المنح والهيئات، ومنها منظومة منحة الأسر التي نصّ عليها القانون رقم (10) لسنة 2012 المعدل بالقانون (16)، وصولاً للائحة التنفيذية رقم 147، موضحا أن تلك المنظومة فُتحت بطريقة سمحت بإضافة أسماء “لا تنطبق عليها أي شروط ليبية”، ما أدى إلى تسلل الآلاف إلى منظومة الرقم الوطني لاحقاً.
ونوه التاجوري إلى أن الدولة حاولت لاحقاً معالجة الخلل عبر دمج مشروع الرقم الوطني بالتسجيل المدني، وإطلاق عمليات مطابقة ورقية، ما كشف حجم التزوير الذي لحق بكل من منظومة المنح، وبيانات الرقم الوطني. وأكد أن تدخل مكتب النائب العام جاء بمجرد وصول معلومات عن عمليات التلاعب، حيث شكل لجان مطابقة داخلية وخارجية من أعضاء النيابة العامة، نتج عنها إيقاف 34 ملفاً مشبوهاً إلى حين حضور أصحابها، وبيان كيفية حصولهم على أرقام وطنية دون أساس قانوني أو وجود في السجلات.
وكشف أن تجاوزات خطيرة وقعت داخل إدارات الأحوال المدنية خلال تنفيذ اللائحة التنفيذية للقانون رقم (10)، بينها ضغوط وتهديدات ورشاوى لإدراج أسماء داخل السجلات، لافتاً إلى أن بعض هذه القضايا لا تزال منظورة أمام النيابات المختصة وأحيل بعضها إلى مكتب النائب العام.
ودعا مكتب النائب العام، بفتح تحقيق شامل وكشف الجهة أو الجهات التي وقفت وراء إصدار القانون رقم 10 لسنة 2012 ولائحته التنفيذية وكيفية إنشاء منظومته، وما إذا كان الهدف مجرد صرف منحة بمناسبة ذكرى 17 فبراير، أم أن هناك “غرضاً آخر” أدى إلى التلاعب واسع النطاق الذي تعيشه البلاد اليوم.
واعتبر التاجوري أن المسؤولية “ليست فردية، بل جماعية”، وأن الكشف الكامل لهذا الملف ضرورة وطنية لحماية الهوية الليبية ومعالجة تراكمات امتدت لأكثر من عقد. مبيناً أن “أخطر أنواع الاختراق” هو الذي يمكن أن تتعرض له المؤسسات الليبية، من الداخل. لافتاً إلى أن الموظف الذي يُفترض أن يكون حامياً للبيانات الأساسية للدولة، وأساساً لكل القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، قد يتحول إلى مصدر خطر إذا لم يكن متربيًا على الانتماء للوطن.
وأضاف أن غياب الثقافة الوطنية لدى بعض المواطنين أدى إلى التساهل في التعامل مع الوثائق الرسمية، بما في ذلك بيع الأرقام الوطنية أو تزوير السجلات المدنية، الأمر الذي يهدد الهوية الوطنية للمواطنين الليبيين. وتابع: هذه الظاهرة تشمل حالات متعددة، مثل استغلال بعض الأشخاص لجوازات سفر ليبية من قبل أجانب، أو التلاعب بسجلات العائلات المتوفاة، حيث يمكن لبعض الأفراد استلام رواتب، أو توظيفات باسم أشخاص متوفين أو غير موجودين.
وبينّ أن هناك اختراقًا خارجيًا أيضًا يتم بطريقة ذكية من خلال دعم قوانين أو إجراءات معينة، بهدف دمجها في المنظومة الوطنية بشكل تدريجي، بما يؤدي إلى تقويض الأمن والهوية الوطنية. وشدد على أن الحل يبدأ من تعزيز الانتماء الوطني لدى الموظفين والمواطنين على حد سواء، وتفعيل وسائل حماية البيانات الرسمية مثل البصمة الوراثية وبصمة العين، لضمان عدم العبث بالهوية الوطنية ومنع التلاعب بالوثائق.
ولفت التاجوري على وجود تحديات متعددة تواجه منظومة الهوية والجنسية الليبية، مشيراً إلى أن هذه التحديات تمتد من المستوى الشخصي إلى المهددات الإقليمية والجغرافية، بما في ذلك الهجرة العابرة للحدود التي تحاول بعض الجهات الأوروبية التعامل معها عبر المنظمات المستقرة وتوطينها في ليبيا.
وأشار التاجوري إلى أن بعض المؤسسات الرسمية في ليبيا تتواطأ مع هذه الممارسات من خلال توقيع اتفاقيات لتأهيل وتدريب هؤلاء الأفراد كعمالة، دون مراعاة حقوقهم في المواطنة أو حماية هويتهم. وأضاف أن الإجراءات الحالية في الجهات الحكومية، مثل الأحوال المدنية، تتطلب من المواطنين تقديم أرقام وطنية وشهادات تثبت حالتهم، مما يزيد من التعقيد ويعرقل الحصول على الخدمات الأساسية.
وأكد ضرورة وجود مشروع متكامل لمعالجة هذه القضايا، يركز على الهوية الليبية والعمل الحكومي الرسمي، مؤكداً أن غياب الشفافية والمحاسبة يسمح للمتنفذين بالاستفادة من هذا الوضع دون مساءلة. وأوضح أن الحلول موجودة بالفعل في التجارب الدولية، مثل كينيا وتركيا، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية للتطبيق.
فيما يتعلق بالجانب التشريعي، أشار التاجوري إلى أن بعض أعضاء مجلس النواب يستعدون لطرح مشروع قانون يشدد العقوبات على عمليات التزوير، مع تقديم ضمانات لحماية المبلغين عن التجاوزات ومنح حصانة مؤقتة لمن يفصح عن عمليات التزوير السابقة، بما يسهم في تعزيز النزاهة داخل المؤسسات الرسمية.
واختتم التاجوري مداخلته بالتأكيد على أن المعالجات الناجحة تتطلب تكاتف كافة الأطراف الأكاديمية والحكومية، وأن التنفيذ الفعلي يعتمد على إرادة صناع القرار ووجود محاسبة فعالة لضمان شفافية العملية.









