اخبار مميزةليبيا

السعيطي: التزوير في بيانات الجنسية والأرقام الوطنية منذ 2011

أكد نائب رئيس مصلحة الأحوال الشخصية السابق، راشد السعيطي، أن التزوير في بيانات الأحوال المدنية في ليبيا، ليس جديداً، بل تعود جذوره إلى فترة 2012، عندما كانت المصلحة تحت ضغط كبير من مؤسسات الدولة، بما في ذلك الإدارات العليا ورئاسة الوزراء والمجلس الانتقالي، مشيرًا إلى وجود العديد من أشكال التزوير، سواء كانت متعمدة أو نتيجة أخطاء.

وأوضح السعيطي لتلفزيون “المسار”، أن المصلحة كانت حريصة دائمًا على الحد من هذه الممارسات والعمل على تحسين جودة البيانات.

وبين أن الإجراءات التي كانت تتخذها المصلحة صادفها العديد من العراقيل، سواء في العمليات المادية أو المتعلقة بالعمل الإداري.

وأوضح أن المصلحة في تلك الفترة كانت مكلفة بمهام ضخمة ضمن إمكانيات محدودة ووقت ضيق، من بينها مشروع لتقديم منح للأسر الليبية من خلال المجلس الانتقالي.

وذكر أن هذه المنح لم تكن مرتبطة بمشروع الرقم الوطني الذي لم يكن موجودًا بعد. وأضاف أن المنظومة المخصصة لتقديم المنح لم تكن تشمل قيودًا لإنشاء أرقام وطنية، الأمر الذي أدى إلى أن الموظفين تعاملوا معها على أنها عملية مالية بحتة دون إدراج منح الجنسيات.

وحول تحويل عملية المنح، إلى منح جنسيات لبعض الأفراد الأجانب، أوضح السعيطي، أن هذا الأمر نتج عن استغلال النظام القائم، مشيرًا إلى أن الخطأ كان في عدم ربط منح الأرقام الوطنية بالأحوال المدنية آنذاك، وكان من الممكن تفادي هذه المشكلة لو تم التنسيق بين المشروع والأحوال المدنية منذ البداية.

وأكد أن المشروع رفض مطابقة البيانات مع الأحوال المدنية، وهو ما ساهم في حدوث الخلل، لكنه شدد على أن المصلحة كانت دائمًا حريصة على الالتزام بالقوانين وتقليل أي تأثير سلبي على جودة البيانات.

وقال إن ظاهرة التزوير ليست حكرًا على الأحوال المدنية، بل هي موجودة في العديد من مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أنها أصبحت ثقافة يمارسها بعض ضعاف النفوس. مبيناً أن الأحوال المدنية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن بيانات السكان، تُعد ركيزة أساسية في بنية الدولة، الأمر الذي يجعل أي خلل في منظومتها ذا تأثير واسع.

واعتبر السعيطي، أن شيطنة موظفي الأحوال المدنية أمر غير عادل، مؤكدًا أن هذه الجهة قدّمت خدمات جليلة للدولة منذ عام 2011، وربما أكثر مما قدّمته أي مؤسسة أخرى، رغم أنها كانت تحت ضغط كبير.

وتابع: “رغم خروجي من الجهاز منذ ست أو سبع سنوات، إلا أنني أشهد على أن موظفي السجل المدني كانوا من الأكثر معاناة بسبب حجم المهام المطلوبة منهم”.

وأشار إلى أنه خلال عام 2011 طُلب من الأحوال المدنية تنفيذ عمل يفترض إنجازه خلال خمسة أو ستة أشهر، في غضون ستين يومًا فقط، ومن أبرز تلك الأعمال تنظيم سجلات منح الألف والألفين دينار.

وذكر أن هذا العمل وحده كان يحتاج لترتيب كامل للأرشيف ثم البدء في الإدخال، إلا أن المصلحة كانت مجبرة على إنجازه خلال أربعين يومًا، ما أدى إلى ضغط هائل وحدوث أخطاء فعلية في إدخال البيانات.

واعتبر السعيطي، أن تحميل موظفي المصلحة المسؤولية الكاملة أمر غير منصف، رغم أن القانون يعتبر الموظف المخطئ مسؤولًا بشكل مباشر. منوهاً إلى أن الخطأ الأكبر كان في منح أرقام وطنية عبر مشروع الرقم الوطني، وبمعزل عن ديوان الأحوال المدنية.

وقال إن أقل ما كان يجب فعله في تلك الفترة هو مقارنة بيانات المشروع مع بيانات الأحوال المدنية قبل إصدار الأرقام الوطنية، خصوصًا في حالات إضافة الزوجات الأجنبيات، وهي إحدى الثغرات التي استغلها البعض.

وكشف السعيطي، أن عددًا من الموظفين، ممن يشهد لهم بالنزاهة، وجدوا أنفسهم في السجن بسبب أخطاء مرتبطة بغياب تحديد الجنسية في النماذج القديمة، مؤكدًا أن من أصدر الأرقام الوطنية لم يكن مصلحة الأحوال المدنية، بل مشروع الرقم الوطني الذي استمر في العمل منفصلًا عنها حتى عامي 2018 و2019.

وأشار إلى أن مصلحة الأحوال المدنية طالبت أكثر من مرة بمطابقة بياناتها مع بيانات المشروع، وأن الفريق الحالي في المصلحة – من الإدارات القانونية والإدارية وصولًا إلى رئاسة المصلحة – يعدّ من الكفاءات.

وكشف أن المصلحة تقدمت بعدة مقترحات للحكومة لمعالجة التشوهات في قاعدة البيانات، إلا أنها لم تتلقَ الدعم اللازم، إلى أن تدخلت النيابة العامة. منبهاً إلى أن التزوير كظاهرة يعود إلى ما قبل الثورة وبعدها، لكنه يتطلب معايير جودة ورقابة صارمة للحد منه، سواء في البيانات الرقمية أو الورقية.

وأردف بأن إحدى الإشكاليات الكبرى في ليبيا هي غياب إطار قانوني ينظم البيانات الرقمية حتى الآن، مما يضع المؤسسات في مواجهة مخاطر قانونية مستقبلية، وهو ما حدث لموظفي الأحوال المدنية. كما أكد وجود مجموعات – أو “لوبي” – استغل هذه الثغرات، سواء داخل الأحوال المدنية أو حتى في المصارف، لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.

وذكر السعيطي أن مصلحة الأحوال المدنية حاولت مرارًا معالجة الخلل في قاعدة بياناتها، إلا أن استجابة الجهات العليا كانت محدودة، واعتبر أن تدخل النائب العام كان أفضل خطوة لمعالجة التشوهات وحماية حقوق المواطنين.

وأوضح أنه شخصيًا سلّم في عام 2017 مذكرة للنائب العام تضمنت تفاصيل عن حالات التزوير والأخطاء في قاعدة بيانات المصحة، مؤكّدًا التعاون البنّاء مع موظفي السجل المدني في معالجة هذه القضايا.

وأشار إلى أن بعض الحالات المتعلقة بمنح حقوق المواطنة للأجانب، مثل إضافة الزوجة الأجنبية في منظومة المنحة خلال 2011 و2012، جاءت بناءً على تعليمات المجلس الانتقالي والنماذج المالية الصادرة عن المصرف المركزي، ولم يُذكر فيها صراحة وضع الجنسية.

وقال إن العديد من الأخطاء كانت ناتجة عن عدم وعي الموظفين بأن هذه المنظومة لها علاقة مباشرة ببيانات الأحوال المدنية، معتبرًا أن معظم هذه الأخطاء لم تكن متعمدة ولا مبنية على نية تزوير.

وتناول السعيطي، أنواع الأخطاء قائلاً إن بعضها كان تزويرًا صريحًا ومبيتًا، مثل بناء أسر كاملة على قيود منتهية أو إضافة أبناء غير حقيقيين ضمن الأسرة الواحدة، وهو ما يستدعي عقوبات صارمة.

في المقابل، أشار إلى الأخطاء التقنية غير المقصودة، مثل إدخال بيانات الزوجة الأجنبية في منظومة المنحة دون صلاحيات لإصدار رقم وطني، لا يجب أن تُشيطن الموظف، لافتًا إلى أن كثيرًا من هؤلاء الموظفين كانوا معروفين بالنزاهة ومع ذلك تم حبسهم بسبب هذه الأخطاء.

وشرح أن منظومة الرقم الوطني، كانت منفصلة عن الأحوال المدنية حتى قبل حوالي أربع أو خمس سنوات، وأن دمج المشروع بالمصلحة أحدث تحسنًا، لكنه كشف أيضًا عن تشوهات كانت موجودة مسبقًا.

وبين أن الحل يكمن في وجود منظومة مراقبة متقاطعة، بحيث يكون كل موظف مراقبًا من الإدارة الأخرى، وضمان معايير جودة صارمة للبيانات الرقمية والورقية، ما يقلل من فرص التزوير أو الخطأ.

وأشار السعيطي، إلى أن تدخل النيابة العامة كان العامل الحاسم في تمكين المصلحة من تنفيذ مشروع الانطلاقة، الذي شمل مطابقة البيانات الرقمية مع الورقية، وإصلاح التشوهات في قاعدة البيانات. مؤكدا أن دعم الجهات الأخرى، بما في ذلك الحكومة والجيش، لم يكن كافيًا في مراحل سابقة، وأن مشروع الانطلاقة لم يكن ليُنفذ بدون التمويل والتسهيلات التي قدمتها النيابة العامة.

وذكر أن منح الجنسية والحقوق المترتبة عليها مرتبط بجهات أخرى مثل إدارة الجوازات، بينما تقوم الأحوال المدنية بتوفير القيود الأساسية اللازمة، مشددًا على أهمية المركزية في معالجة البيانات لضمان دقة المعلومات والحد من التزوير.

وقال إن الأخطاء السابقة في منح الأرقام الوطنية أو إدخال بيانات الزوجات والأبناء الأجانب غالبًا كانت نتيجة خلل في النظام أو نقص التنسيق، وليس خطأ مقصودًا من قبل الموظفين.

وأضاف أن المصحة الآن تعمل بالتعاون مع النيابة العامة على تحديث قاعدة البيانات باستخدام أحدث الأدوات التقنية، بما في ذلك البطاقات البيومترية وبصمة الوجه، لضمان سلامة البيانات وخلوها من التشوهات.

وشدد على أن الإدارة الحالية للمصلحة والفروع التابعة لها تعتبر من نخبة الأحوال المدنية في ليبيا، وتسعى لتحقيق أعلى مستويات الجودة في بيانات المواطنين.

واختتم السعيطي، حديثه بالتأكيد على أن الإجراءات الحالية أسهمت بشكل كبير في الحد من التزوير وتحسين جودة قاعدة البيانات، وأن حجم التزوير المكتشف حتى الآن يمثل جزءًا صغيرًا من مجموع الأخطاء السابقة، مشيرًا إلى أن النيابة العامة ستواصل العمل للكشف عن المزيد من الحالات وتحقيق مزيد من الإصلاح.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى