الشيباني: منح الأرقام الوطنية لغير الليبيين جريمة مكتملة الأركان

أعرب الخبير القانوني، خيري الشيباني، عن أسفه البالغ إزاء الجرائم والفساد المرتبط بمنظومة الرقم الوطني الليبي، واصفًا إياها بأنها وصلت إلى مستوى يؤثر على الهوية الليبية ويهدد التوازن الديمغرافي للبلاد.
وأوضح الشيباني، في لقاء مع تلفزيون “المسار”، أن خروقات المنظومة سجلت في مدن عدة، من سبها إلى بنغازي وطرابلس وصولاً إلى صرمان، مشيرًا إلى أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤدي إلى تغييرات ديمغرافية على المدى الطويل.
وأشار إلى أن السبب الرئيسي لهذه الأزمة يكمن في عدم تحديث المنظومة، خاصة في ظل الأوضاع السياسية الصعبة والانقسام في ليبيا، وما تبعه من ضعف الدولة في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
وأضاف أن تحديث أو تطوير المنظومة ليس من أولويات الدولة الحالية، رغم إعلان النائب العام عن وجود أكثر من ثلاثين ألف قيد غير دقيق، ما أدى إلى منح حوالي ثلاثمائة رقم وطني لأشخاص ليسوا ليبيين، وهو ما يشكل خطرًا على وجود المواطن الليبي وحقه في الثروة والحقوق المدنية.
وأشار الشيباني، إلى وجود أرقام إدارية لشعب ليبي أصلي لم يحصل معظمهم على الرقم الوطني حتى اليوم، ويبلغ عددهم نحو 17 ألف شخص، أغلبهم في الجنوب الليبي، مؤكدًا أن هذه الفئة هي الأولى، ومن حقها الحصول على الجنسية، مقارنة بمن يحصل عليها عبر طرق غير قانونية.
وعن قانون الجنسية الليبي رقم 18 لسنة 1980، أوضح الشيباني، أن التجنيس مسموح به وفق شروط محددة، إلا أن المشكلة تكمن في التزوير وعدم وجود رقابة دقيقة، ما يسهل الحصول على الرقم الوطني، وجواز السفر، والعمل والاستفادة من امتيازات الدولة بطريقة غير قانونية.
ولفت إلى أن هذه الخروقات لا تؤثر فقط على توزيع الثروة، بل تمتد لتشمل مصداقية العملية الانتخابية، مضيفًا أن المؤسسات الرسمية، مثل مصرف ليبيا المركزي والسجل المدني تواجه صعوبة في تقديم إحصائيات دقيقة لعدد الليبيين، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا أمام الدولة في إدارة شؤونها الإدارية والسياسية بشكل صحيح. ووصف ما جرى في منظومة الرقم الوطني الليبي بأنه جريمة مكتملة الأركان والقصد الجنائي، مؤكدًا أن الأمر يختلف تمامًا عن مجرد خطأ أو مخالفة إدارية.
وأوضح أن منح الرقم الوطني لنحو 200 إلى 250 شخصًا من بين أكثر من ثلاثين ألف قيد غير دقيق لا يمكن اعتباره خطأً عشوائيًا، مشيرًا إلى أن هذا الرقم الكبير يشير إلى وجود نية جنائية وراء العملية، سواء لتحقيق منفعة مالية أو مكاسب أخرى. وأضاف أن المساءلة القانونية تشمل كل من أساء استعمال السلطة أو أخل بواجباته، مشيرًا إلى مواد محددة في قانون العقوبات الليبي التي تعالج التزوير وإساءة الوظيفة والإهمال.
وأكد الشيباني، أن معالجة هذه الأزمة تتطلب أربع خطوات رئيسية: أولاً، الإصلاح التشريعي من خلال تشديد العقوبات على الجرائم التي تمس الأمن القومي أو الهوية الليبية. ثانيًا، إنفاذ القانون بشكل صارم لضمان مساءلة المخطئين والمجرمين. ثالثًا: تعزيز الشفافية والمسائلة في عمل المؤسسات. وأخيرًا، رفع التوعية المجتمعية بخطورة هذه الجرائم على المجتمع بأكمله، خصوصًا في ظل تأثيرها السلبي على الديمقراطية ومصداقية الانتخابات وحقوق المواطن الليبي في الثروة والهوية.
وأشار إلى أن منح الأرقام الوطنية والجوازات في السنوات السابقة (2012–2014) لغير الليبيين، ومن بينهم عناصر إرهابية، أسفر عن تداعيات أمنية خطيرة وأضر بمصداقية الدولة وأحبط فرص الليبيين في السفر، والدراسة، والعمل، مؤكدًا أن استمرار هذه التجاوزات يهدد استقرار المجتمع الليبي ومكتسباته الوطنية.
وكشف الشيباني، أن ما تم اكتشافه من تجاوزات في ملف الهوية الليبية لا يتعلق فقط بتزوير الأرقام الوطنية، بل يبدأ أساسًا من تزوير القيود الأصلية التي تُبنى عليها باقي البيانات. موضحا أن عمليات التلاعب شملت نحو 54 ألف قيد نتج عنها إصدار ما يقارب 280 ألف رقم وطني بطرق غير قانونية، مؤكدًا أن هذا الرقم الضخم لا يمكن اعتباره خطأ إداريًا، بل يمثل جريمة تزوير كاملة.
وأشار إلى أن هذه المخالفات تم اكتشافها بعد مراجعة جزء بسيط فقط من عملية الجرد والمقارنة بين المنظومة الإلكترونية والسجلات الورقية، وهو الإجراء الذي باشرت به النيابة العامة ضمن دورها الوقائي.
وذكر أن الأرقام الفلكية التي أعلن عنها النائب العام الصدّيق الصور، جاءت نتيجة مراجعات أولية، ما يعني أن الحجم الفعلي للتجاوزات قد يكون أكبر بكثير.
وحذّر الشيباني، من أن استمرار هذه الاختلالات قد يقوّض العملية الديمقراطية ويؤثر على نتائج الانتخابات المقبلة، بل قد يدفع المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بأي استحقاق انتخابي يجري في ظل هذه الفوضى. ودعا المسؤولين الليبيين إلى الإسراع في تحديث المنظومة وتطبيق الحوكمة الإلكترونية والرقمنة في مؤسسات الدولة للحد من التزوير والاختراقات والفساد الإداري، مؤكداً أن الاعتماد على منظومات قديمة وقابلة للاختراق سيؤدي إلى تكرار هذه الجرائم، وقد يقود في نهاية المطاف إلى التغيير الديمغرافي الذي نخشى الوصول إليه- على حد تعبيره.
وبيَن الشيباني، أن ما حصل من تزوير في منح الرقم الوطني ليس سوى جريمة فردية ارتكبها موظفون ضعاف النفوس في الأجهزة الإدارية مثل مصلحة الأحوال المدنية أو قسم الجوازات. موضحا أن هذه الجرائم تخضع للعقاب وفق مواد محددة في قانون العقوبات الليبي، أبرزها المادة 237 و341 و347، مشيرًا إلى أن الأمر لا يتعدى كونه جريمة قانونية.
وأضاف الشيباني، أنه لا يرغب في تهويل الموضوع أو إثارة الخوف بين المواطنين، موضحًا أن ما يثير القلق فعليًا هو حجم الضرر الناتج عن اختلاس الهوية الليبية، وهو ما وصفه بأنه “أمر كبير يؤلم كل ليبي”.
وأكد أن النائب العام سيواصل التحقيق، وأنه سيتم مساءلة كل من تورط في هذه المخالفات، سواء من حصل على الرقم الوطني بطرق غير قانونية أو الموظفون الذين ساهموا في تسهيل هذه التجاوزات، متمنيًا في ختام حديثه حفظ ليبيا وحماية حقوق مواطنيها.









