العبود: القيادة العامة قدّمت نموذجًا عمليًا لحل الأزمة الليبية

قال المحلل السياسي، أحمد العبود، إن الآليات الحالية التي تعتمدها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، كما وردت في خطتها، لا تدعو إلى التفاؤل، معتبرًا أن البعثة تجاوزت المرحلة الأولى دون أن تعلن فشلها، رغم ترحيبها بالاتفاق بين مجلسي النواب والدولة بشأن آليات استكمال أو اختيار المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
ورأى العبود، في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24” أن القضايا الجوهرية ما تزال مُهمّشة، وفي مقدمتها مسألة تشكيل الحكومة، أو توحيد الحكومتين القائمتين، وهي قضية لا تحظى بنقاش جاد، إضافة إلى قوانين الانتخابات التي وصفها بالإشكالية الرئيسية، مؤكدا أن ما توصل إليه مجلسا النواب والدولة يمثل الحد الأعلى من التوافق الممكن بشأن القوانين الانتخابية.
وأشار إلى أن اللجنة الاستشارية وضعت عبئًا إضافيًا على البعثة من خلال طرح آليات متعددة، معربًا عن اعتقاده بأن هذه الآليات قد تعيد العملية السياسية إلى نقطة الصفر. كما شكك العبود، في جدوى “الحوار المهيكل” في ظل غموض الآليات وتعقيد المشهد السياسي، لافتًا إلى أن مخرجات هذا الحوار غير ملزمة وتقتصر على توصيات فقط.
وأضاف أن الحوار يواجه تحديات أخرى، من بينها العزوف الحزبي واعتذار عدد من الشخصيات المدعوة عن المشاركة، إلى جانب حالة عدم الرضا العامة عن أداء البعثة. لافتاً إلى وجود مسارات دولية متنافسة في الملف الليبي، تشمل المسار الأمريكي والفرنسي، إلى جانب المسار الأممي، ما يزيد من تعقيد المشهد.
وبيّن العبود، أن القضايا الأربع المطروحة ضمن الحوار المهيكل، قد تحقق نجاحًا محدودًا في جانب الحوكمة فقط، لكنها لن تحقق تقدمًا في بقية الملفات، نظرًا لحاجتها إلى ظهير دولي قوي وميسّر دولي فاعل، وهو ما تفتقر إليه البعثة حاليًا، فضلًا عن التحديات المالية والمنهجية التي تواجهها في إدارة الحوار.
وفي الشأن الأمني، تساءل العبود، عن جدوى تحقيق اختراق في هذا المسار في ظل تعدد وتباين مكونات القطاع الأمني، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تسعى حاليًا لرعاية مسار توحيد المؤسسة العسكرية وتعزيز التكامل بين المؤسسات الأمنية في الشرق والغرب، خصوصًا فيما يتعلق بالأمن الانتخابي ومصادر التهديد للأمن القومي الليبي.
واستحضر العبود، تجارب سابقة، مثل اتفاق الصخيرات، الذي نجح في إنتاج سلطة تنفيذية لكنه فشل في الملفات الاقتصادية والأمنية، وكذلك مسار “تونس – جنيف” المنبثق عن مؤتمر برلين، حيث اقتصر النجاح على تشكيل السلطة التنفيذية، في حين أخفقت البعثة في تحقيق تقدم في بقية “السلال”.
ورأى العبود، أن “الحوار المهيكل” الحالي، القائم على توصيات غير ملزمة، ويفتقر إلى آليات إلزام وضمانات تنفيذ، وفي ظل غياب المؤسسات الاقتصادية والمالية والأطراف الرئيسية عن المشاركة، مؤكداً بأنه لن يقدم أي إضافة حقيقية، بل قد يسهم في زيادة تعقيد الأزمة الليبية بدلًا من حلها.
ودعا المحلل السياسي، إلى طرح ملف الانتخابات في ليبيا بشكل شامل وكامل، مؤكداً ضرورة الذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة دون تجزئة أو وضع خطوط حمراء، على المرشحين، مع ترك الخيار النهائي لإرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع.
ورفض العبود، الاكتفاء بشعار الدستور أولاً، معتبراً أن دستور أغسطس وتعديلاته لا يصلح أن يكون الإطار الدستوري المنظم للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، داعياً إلى التعامل مع ملف الانتخابات باعتباره أولوية وطنية متكاملة لا تحتمل التأجيل أو الانتقائية.
وأشار إلى أن التجربة البرلمانية في ليبيا لم تنتج سوى تجربتين انتخابيتين محدودتي الأثر، لافتاً إلى أن ملف الانتخابات الرئاسية ظل منذ طرحه من قبل لجنة فبراير وحتى اليوم مهمشاً ومضروباً به عرض الحائط، وكأن هناك تخوفاً من انتقال البلاد إلى النظام الرئاسي.
وأوضح أن هناك تجارب لبعض الدول التي مرت بظروف انتقالية مشابهة، مثل رواندا، التي رأى بأنها أثبتت قدرة النظام الرئاسي على إخراج الدول من أزماتها العميقة، رغم أن تلك الصراعات كانت أشد حدة مما تعيشه ليبيا حالياً. معتبرا أن انتخاب رئيس بشكل مباشر من الشعب يمكن أن يشكل نقطة فاصلة وبداية حقيقية لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي.
وانتقد العبود، مسار التجارب الديمقراطية السابقة في ليبيا، مشيراً إلى أن كل تجربة انتهت بانتكاسة، سواء عبر المؤتمر الوطني العام، أو لجنة الستين، التي قال إنها احتوت على ألغام قد تقود مجدداً إلى انقسام أفقي ورأسي أو حتى صراع أهلي.
ودعا إلى تجاوز المراحل الانتقالية الطويلة والانتقال مباشرة إلى عملية ديمقراطية واضحة المعالم، تقوم على انتخاب رئيس وسلطة تشريعية منتخبة، بما يسهم في إنهاء الصراع على السلطة والمال والنفوذ، ويحد من الفساد المستشري، ويضع حداً لأزمة تآكل الشرعيات التي تعيق مسار الانتقال من المرحلة المؤقتة إلى الدولة الدائمة.
وتسائل العبود، عما إذا كانت الديمقراطية لا تزال حاضرة في الأجندة والضمير الوطني الليبي، أم أنها توقفت عند محطات سابقة، لتصبح الحكومات المتعاقبة نتاج توافقات سياسية ورعاية دولية، بدلاً من أن تكون ثمرة إرادة شعبية حرة عبر الانتخابات. وأكد أن استمرار تدوير الأجسام السياسية والحوارات الدولية لم ينتج سوى إعادة إنتاج الفشل.
وأوضح العبود، أن مقترحات لجنة فبراير كانت تنص صراحة على الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إلا أن المؤتمر الوطني العام آنذاك قام بتأجيل هذا الاستحقاق وإحالته إلى السلطة التشريعية اللاحقة، في ظل ظروف أمنية معقدة تمثلت في الحرب على الإرهاب في شرق البلاد، وعملية “فجر ليبيا” في الغرب، وهو ما أدى إلى استحالة إجراء الانتخابات الرئاسية في ذلك التوقيت.
وأشار إلى أن القانون رقم (5) الخاص بالانتخابات الرئاسية صدر، لكنه جُمّد عمليًا نتيجة الأوضاع الأمنية، لتبقى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية معًا هي الاستحقاق الانتخابي الأساسي لإنهاء المرحلة الانتقالية والانتقال إلى مرحلة دائمة بسلطات منتخبة.
وفي سياق حديثه عن تقييم النظم السياسية، شدد العبود، على أن طرح مسألة تقييم التجربة البرلمانية يجب أن يتم في إطار حوار وطني شامل، خاصة أن السمة الغالبة على المراحل الانتقالية السابقة كانت الفشل، معتبرًا أن من حق الليبيين إعادة تقييم هذه التجربة قبل القبول باستمرارها.
وأكد أن التخوف من أن يتمتع الرئيس القادم بصلاحيات مطلقة غير دقيق، موضحًا أن القوانين الصادرة عن لجنة (6+6) واللجنة المعنية بصياغة القاعدة الدستورية أقرّت نظامًا تشاركيًا في الصلاحيات بين الرئيس والسلطة التشريعية، بما ينفي فكرة الرئيس المتغوّل.
وانتقد العبود، ما وصفه بازدواجية المعايير في الاعتراض على شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، متسائلًا عن سبب عدم الاعتراض على ازدواج الجنسية أو الخلفية العسكرية عند اختيار السلطة التنفيذية الحالية في حوارات تونس وجنيف، في حين يتم الاعتراض عليها اليوم عند طرح الانتخابات الرئاسية، معتبرًا أن هذا الاعتراض انتقائي ومُسيّس.
كما أشار إلى أن مشروع قانون الاستفتاء على مسودة الدستور وفق نظام الدوائر الثلاث وبقاعدة (50+1) لم يلقَ اعتراضًا واسعًا، رغم عدم مشاركة مكونات اجتماعية عدة فيه، وهو ما يكشف – بحسب قوله – خللًا في التعاطي مع القضايا الدستورية الجوهرية.
وحسب العبود، فإن الجميع متفق اليوم على تشخيص الأزمة، والمتمثلة في انهيار المرحلة الانتقالية وانتشار الفوضى، وأن تجديد الشرعيات عبر صندوق الاقتراع هو المخرج الوحيد، داعيًا إلى القبول بنتائج الانتخابات أياً كانت، دون الالتفاف عليها عبر شعارات أو مسارات بديلة.
وأشار العبود، إلى أن شرق البلاد شهد مشروعًا أمنيًا نجح في فرض الاستقرار ومحاربة الإرهاب منذ عام 2011، معتبرًا أنه المشروع السياسي الأكثر وضوحًا واستمرارية حتى اليوم، رغم ما يعتريه من نواقص، مؤكدًا أن الاستقرار هو المدخل الحقيقي لأي مسار ديمقراطي وتنموي.
وقال إن المشير خليفة حفتر قدّم، خصوصاً في المنطقة الشرقية، أكثر من نموذج عملي يدعم التوجه نحو الانتخابات باعتبارها الحل الجوهري لأزمة الشرعية في ليبيا، مشيراً إلى أن هذا الموقف كان واضحاً في المحافل الدولية، ومنها لقاءات باريس، ويُعد جزءاً من الخطاب الرسمي المعلن للقيادة العامة للجيش الليبي.
وأوضح العبود، أن نموذج القيادة العامة لم يقتصر على الطرح السياسي، بل حقق نجاحات ملموسة على الأرض، بدءاً من الانتقال من معادلة الحرب على الإرهاب إلى بناء مؤسسة عسكرية تتسم بالاحترافية والانضباط، مروراً بملفات الإعمار والبناء والتنمية، وصولاً إلى جهود المصالحة الوطنية، التي قال إنها قُدّمت كنموذج عملي في عدد من المناطق.
وأضاف أن ليبيا تعيش اليوم حالة من التعثر في المراحل الانتقالية، في وقت تواجه فيه البعثة الأممية تحديات حقيقية، مع غياب خطة منهجية واضحة للحل، واقتصار دورها – بحسب وصفه – على تدوير الأزمة بدلاً من معالجتها جذرياً.
وأشار العبود، إلى أن الواقعية السياسية تُظهر أن الولايات المتحدة، خلال الفترة الماضية، اختبرت مسارات متعددة عبر مبعوثين دوليين تعاقبوا على الملف الليبي، إلا أن جميعهم اصطدموا بواقع الفشل عند بلوغ المراحل النهائية، وهو ما دفع واشنطن إلى تبني مسار مختلف يقوم على توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية.
ورأى أن الأمريكيين نجحوا بالفعل في تحقيق اختراقات مهمة، أبرزها ما تحقق على مستوى المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، لافتاً إلى وجود خطوات إضافية، من بينها تنظيم تمرين عسكري مشترك مقرر في مارس المقبل، يهدف إلى التقريب بين المؤسسة العسكرية في شرق البلاد وغربها.
وختم العبود بالتأكيد على أن الولايات المتحدة لن تنتظر تفاقم فشل البعثة الأممية أو تدهور الأوضاع إلى حد يعجز عن إنتاج تسوية سياسية، مرجحاً أن تتجه في مرحلة لاحقة إلى الدفع نحو إجراء انتخابات تشريعية كجزء من مسار الحل.









