الشريف: الاقتصاد الليبي على المحك بسبب ملف غسل الأموال وتمويل الإرهاب

حذّر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، من المخاطر الجسيمة التي قد تواجهها ليبيا في حال عدم الالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بالشفافية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مؤكداً أن المجتمع الدولي يضع ليبيا حالياً تحت رقابة دقيقة.
وأوضح الشريف، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، ورصدتها “الساعة 24” أن مصرف ليبيا المركزي نبّه في أكثر من مناسبة إلى خطورة الوضع الراهن، مشيراً إلى أن التقييمات الجارية تتم في إطار عمل مجموعة العمل المالي الدولية، والمنظمات المعنية بالرقابة المالية العالمية.
وأكد أن هذا الملف “بالغ الخطورة” ويتطلب الإسراع في تنفيذ الإصلاحات والإجراءات المطلوبة من الجانب الليبي، محذراً من أن الإخفاق في ذلك قد يؤدي إلى إدراج ليبيا ضمن القائمة الرمادية أو حتى القائمة السوداء. وبيّن أن الدخول إلى هذه القوائم قد يكون سهلاً، إلا أن الخروج منها بالغ الصعوبة ويستغرق سنوات طويلة.
وأضاف الشريف أن إدراج ليبيا في هذه القوائم سيترتب عليه كلفة اقتصادية عالية، وقد يدفع بالاقتصاد الوطني إلى مرحلة ضعف شديد، تعجز فيها الدولة عن التعامل بالنقد الأجنبي، نتيجة القيود والحصار المفروضين بموجب القوانين واللوائح والعقوبات الدولية.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات قد تصل في بعض الحالات إلى تقييد تصدير النفط أو الحد من استخدام الموارد الدولارية اللازمة لتغطية الواردات، الأمر الذي ستكون له انعكاسات خطيرة على القطاع المصرفي، والتجارة الخارجية، والنشاط الاقتصادي بشكل عام.
وأكد أن التأثير المباشر لهذه التداعيات سينعكس على مستوى معيشة المواطنين داخل البلاد، وعلى قدرة الدولة الليبية ككل على الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية، ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومسؤولاً لتفادي الوقوع في هذه السيناريوهات.
وشدد الشريف على أهمية التعامل مع الأمر تجنباً للتداعيات الخطيرة المحتملة لإدراج ليبيا ضمن القوائم الرمادية أو السوداء، مؤكدًا أن ذلك قد يقود إلى شبه حصار مالي شامل ويُربك عمل الجهاز المصرفي والاقتصاد الوطني على نطاق واسع.
وأوضح أن أي بنك دولي يتعامل مع مصارف ليبية – بما فيها المصرف المركزي والمصارف التجارية – سيتوقف عن التعامل فورًا، ما يعني عمليًا شللّ العلاقات مع البنوك المراسلة. ونتيجة لذلك، ستتعطل أو تتوقف عمليات الاستيراد والتحويلات الخارجية، بسبب تراجع الثقة في الجهاز المصرفي الليبي.
وأشار الشريف إلى أن كلفة التحويلات الخارجية سترتفع بشكل كبير، إذ سيُضطر الأفراد والتجار إلى اللجوء لقنوات غير مباشرة أو التفافية عبر مصارف وسيطة، ما يفرض عمولات وغرامات مرتفعة ويجعل الحصول على الدولار وتمويل الاحتياجات من العملة الصعبة أكثر كلفة وتعقيدًا.
وأضاف أن المركزي سيفقد قدرته على إدارة الطلب على النقد الأجنبي بكفاءة. ومع وجود صعوبات راهنة في إدارة هذا الطلب، فإن تطبيق مثل هذه القيود سيُفاقم الأزمة، ما ينعكس مباشرة على السوق الموازية بارتفاعات حادة في سعر الصرف، نتيجة تراجع المعروض من الدولار وفقدان أدوات التحكم السابقة.
وبيّن أن هذه التطورات ستقود إلى زيادة “الدولرة” داخل الاقتصاد، حيث يسعى الأفراد – خصوصًا من يمتلكون سيولة كبيرة – إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار والتعامل به داخل السوق بشكل غير رسمي، ما يخلق ازدواجًا نقديًا شبيهًا بتجارب دول أخرى، ويجعل الدولار عملة موازية متداولة في السوق السوداء.
وعلى صعيد التجارة، لفت الشريف إلى أن تعقيد الاستيراد الشرعي وارتفاع مخاطر التوريد سيؤديان إلى نقص السلع المستوردة. ومع انخفاض العرض، سترتفع الأسعار وفقًا لقانون العرض والطلب، بما ينعكس سلبًا على القوة الشرائية للمواطنين ويزيد الضغوط التضخمية.
كما حذّر من توسّع دور الوسطاء والشركات الوسيطة، مستذكرًا تجربة الحصار في تسعينات القرن الماضي، حين أصبحت السلع تُورّد عبر قنوات غير مباشرة وبأسعار مرتفعة نتيجة تكاليف إضافية وهوامش أرباح للوسطاء.
ولفت الشريف بأن هذه التداعيات ستُضعف القطاع النظامي وتُعزّز نشاط الاقتصاد الموازي وغير الرسمي، حيث تُنجَز المعاملات خارج الإطار الاقتصادي الرسمي، ما يضر بالشفافية والاستقرار المالي ويقوّض أسس الاقتصاد الوطني.
وقال الشريف إن غياب الدولة ووجود ثغرات في الرقابة على المنافذ وغياب السيطرة المصرفية، أتاح لعدد من التجار والمضاربين العمل خارج نطاق الاقتصاد الرسمي، وهو ما يُظهر سوقاً موازية تتعامل بالدولار خارج النظام المصرفي.
وأضاف: أن هذه الظاهرة تنعكس سلباً على قدرة المصرف المركزي على ضبط الاعتمادات المالية والواردات، مؤكداً وجود فجوة كبيرة بين الواردات المسجلة لدى البنوك والواردات الفعلية التي تصل إلى السوق.
وأشار إلى أن المصرف المركزي وجه رسالة إلى وزارة الاقتصاد التابعة لحكومة بيبا، وطالب فيها بضبط العملية التجارية والتأكد من أن جميع الواردات تتم عبر النظام المصرفي الرسمي. وأضاف أن تطبيق هذه الإجراءات في الجانب الغربي من ليبيا قد يساعد على الحد من هذه المشكلة ومنع تفاقم الأوضاع الاقتصادية.
وأوضح أستاذ الاقتصاد، أن أي قيود على استخدام الدولار في الواردات ستؤثر بشكل كبير على الاقتصاد المحلي، بما في ذلك ارتفاع أسعار الدولار في السوق الموازي وارتفاع مستويات التضخم، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية بشكل أكبر.
ودعا الشريف إلى ضرورة تعاون حكومة الوحدة المؤقتة ووزارة الاقتصاد مع المصرف المركزي بشكل كامل، مشيراً إلى أن المركزي يجد نفسه حالياً في موقف صعب للغاية.
وأشار الشريف إلى تحذيرات متكررة من المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الدولية للمصرف المركزي، مؤكداً أنها المرة الثالثة التي تُوجّه فيها هذه التحذيرات بشأن الالتزام بمعايير مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
وقال الشريف: “لقد حذر المجتمع الدولي لفترة طويلة، والآن نحن على خط النهاية. إذا لم تُنفّذ التوصيات الخاصة بمنظمة العمل المالي المتعلقة بغسيل الأموال ومكافحة الإرهاب، فإن ليبيا ستدخل مرحلة جديدة وخطيرة جداً”.
وشدد الشريف على ضرورة أن تتم جميع المعاملات بالدولار عبر المصرف المركزي، لتمكين المجتمع الدولي من مراقبتها، ولتعزيز قدرة الدولة الليبية على إدارة الصرف الأجنبي والإيرادات والصادرات، خاصة النفطية منها، التي تعتبر المصدر الأساسي للإيرادات.
وبينّ الشريف أن بعض الواردات قد لا تمر عبر القنوات المصرفية الرسمية، مما قد يثير شبهات غسيل أموال أو تمويل أنشطة إرهابية، وهو ما يخشاه المجتمع الدولي بشكل كبير.
وتطرق بالقول إن توجيه المصرف المركزي للحكومة لتنظيم أعمالها بما يتوافق مع سياسات المصرف المركزي يُمثل خطوة أساسية للحفاظ على الاستقرار المالي، وتقليل خطر وضع ليبيا على القائمة الرمادية أو السوداء للمجتمع الدولي، محذراً من أن الالتزام بهذه التوصيات يشكل جزءاً مهماً من منظومة العمل المنظم في البلاد، الذي يقدّر أن يغطي أكثر من 60 إلى 70% من العمليات المالية الرسمية.
ورأى الشريف أن الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كامل على الاستهلاك من الخارج، مشيراً إلى أن أي ارتفاع في تكاليف الاستيراد سينعكس مباشرة على أسعار السلع بالدولار، مما سيخفض الدخل الحقيقي للأفراد ويزيد من مستويات الفقر.
وتابع: صعوبة استيراد السلع قد تدفع التجار إلى اللجوء إلى الوسطاء، ما يرفع تكاليف المنتجات، موضحاً أن السلعة التي كانت تكلف 6 دولارات قد ترتفع لتصل إلى 10 أو 12 دولاراً عند الاستيراد عن طريق وسطاء.
وأردف: هذه الأزمة ستؤثر على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتؤدي إلى إغلاق بعض المصانع والمنشآت التجارية، مما سيرفع معدلات البطالة ويزيد من حجم الاقتصاد غير الرسمي، الذي يشكل حالياً نحو 60% من النشاط الاقتصادي في البلاد.
وأكد الشريف أن استمرار هذه الأوضاع سيجعل الاقتصاد الرسمي أكثر هشاشة، وسيدفع المواطن البسيط لتحمل العبء الأكبر من تداعيات ارتفاع الأسعار ونقص السلع الأساسية، داعياً إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتفادي الوصول إلى هذه المرحلة الحرجة. وأوضح الشريف أن القوانين والقرارات يجب أن تكون عملية وملائمة لما يطلبه المركز، خصوصاً في ظل تعامل المركز مع المجتمع الدولي.
وفي ختام مداخلته أكد الشريف على أهمية أن تكون أي قرارات تصدر عن وزارات الاقتصاد في الحكومتين، قابلة للتطبيق ومرتبطة بالمتطلبات الفعلية للمركز، لضمان التوافق مع المعايير الدولية واستقرار الاقتصاد الوطني.









