اخبار مميزةليبيا

التاجوري: منظومة الرقم الوطني والهياكل الورقية الهشة أتاح التلاعب بالهوية

أكد المحامي عصام التاجوري أن ملف تسجيل المواطنين في ليبيا يشهد ممارسات متعددة الأبعاد، تتراوح بين ما هو فردي وما هو ممنهج ومتصل بقرارات سياسية، مشيرًا إلى أن بعض التنظيمات اكتسبت طابعًا قبليًا، حيث سعت بعض القبائل لتعزيز مكانتها وعدد أفرادها داخل المجتمع الليبي.

وأوضح التاجوري، في حديث لقناة «المسار»، رصدته «الساعة 24»، أن بعض هذه الممارسات شملت السيطرة على فروع ومكاتب الأحوال المدنية، سواء لأغراض سياسية في السابق، أو لاستغلال حالة الفوضى لاحقًا، مؤكدًا أنه تم إدراج قيود لأشخاص دون أصول نسب واضحة، أو ضمن حدود جغرافية غير دقيقة، ما أدى إلى منافسة بين قبائل مختلفة على حساب الحقوق القانونية للفرد.

وأشار إلى أن فتح هذا الملف بشكل موسع يكشف أن التجاوزات لم تقتصر على قبيلة واحدة كما يشاع، بل شملت عدة قبائل مارست أساليب مماثلة بالسيطرة على إدارة أو مكتب السجل المدني، مما تسبب في التفريط في حقوق بعض القبائل ونسب أفرادها قبل التعامل مع الوثائق المطلوبة.

وأوضح التاجوري أن القانون الليبي كان يستثني ثلاث فئات محددة من غير الليبيين، وهي: أبناء الليبيات المتزوجات من أجانب، وغير الليبيات المتزوجات من الليبيين، إضافة إلى الأجانب المقيمين في ليبيا، مؤكدًا أن هذه الفئات أُدرجت ضمن القانون رقم عشرة الذي نظم عملية تسجيل المواطنين.

ولفت إلى أن المنظومة الأولى كانت تعتمد على استخراج الوضع العائلي من مصلحة الأحوال المدنية، مع تسجيل يدوي أدى إلى ضعف شديد في الهيكل الإداري، حتى أن المنظومة لم تكن متكاملة فعليًا. أما المنظومة الثانية، فهي مشروع الرقم الوطني الذي أُنشئ بقانون مستقل عن مصلحة الأحوال المدنية والجوازات، مما أثار تساؤلات حول سبب إنشاء مشروع منفصل عن الهيئة الأساسية المسؤولة عن الهوية المدنية.

وحذر التاجوري من أن هذه المنظومات الهشة، مع ضعف الضوابط، سمحت بحدوث تجاوزات وتلاعب بالهوية الليبية، مؤكدًا أن الأمر لا يمكن اعتباره مجرد عبث، بل يستدعي تحقيقًا لمعرفة الجهات المستفيدة والأسباب وراء ذلك. وأشار إلى أن القيود المدنية تواجه إشكالية مركبة، تتمثل في وجود فرق بين القيود الصادرة بإجراءات مخالفة والقيود المزورة، موضحًا أن التزوير قد يشمل نسب أشخاص غير ليبيين إلى عائلات ليبية، أو تسجيل أجانب بأسماء ليبيين متوفين أو أحياء، سواء بالاتفاق مع المعنيين أو مع موظفي مكاتب الأحوال المدنية، ما أدى إلى تعقيد كبير في متابعة البيانات.

وبينّ التاجوري أن بعض القيود تعود إلى قرارات صدرت منذ الستينات والسبعينات، وأن المنظومة الورقية التقليدية صعّبت التتبع والرقابة، خصوصًا عند نقل البيانات بين المدن المختلفة مثل بنغازي وطرابلس أو أوباري والتبرج، مما زاد من ضعف التنظيم الإداري.

وتابع: مشروع الرقم الوطني، الذي أُنشئ كمشروع مستقل عن السجل المدني، ضاعف المشكلة، إذ تم إدراج بيانات دون مطابقة ورقية، ما فتح المجال لتجاوزات جديدة، مشيرًا إلى حالات تم فيها إيقاف القيود الرسمية بقرارات صادرة، لكن بعض المكاتب تجاوزت هذه القرارات، ما أدى إلى تسجيل قيود جديدة بطريقة غير قانونية.

وأكد التاجوري أن بعض الشباب المتحمسين تدخلوا في مكاتب إصدار الوثائق بمدينة برج لمحاولة ضبط الوضع، رغم أن العملية شابتها بعض التجاوزات، مؤكدًا أن لديه مخزونًا من المعلومات والأدلة التي توضح حجم هذه التجاوزات.

ولفت إلى أن الإشكاليات في منظومة تسجيل الهوية تعود إلى القانون رقم عشرة والقوانين المكملة له، إضافة إلى تأسيس مشروع الرقم الوطني الذي ضُم لاحقًا إلى مصلحة الأحوال المدنية، موضحًا أن المطابقة بين المنظومة الورقية والمنظومة الرقمية لم تكن دقيقة، ما أدى إلى كشف العديد من الإدخالات الحديثة بعد 2011.

ولفت إلى أن بعض مكاتب الأحوال المدنية، التي كان من المفترض أن تتوقف عن تسجيل القيود خاصة في حالات العائدين، ظلت مفتوحة بعد 2012، ما سمح بتسجيل قيود جديدة بشكل غير قانوني، مضيفًا أن تدخل المباحث الجنائية في المرج ساهم في إغلاق أحد هذه المكاتب بعد تسجيل مخالفات واسعة، رغم أن بعض الإجراءات صاحبتها صرامة أثرت على بعض المواطنين.

وأشار إلى أن منظومة الرقم الوطني تعاني من نقص الإرادة الوطنية والرغبة الحقيقية في تقنينها، ما يجعلها عرضة للتلاعب السياسي والإداري، موضحًا أن أي بيانات دقيقة يمكن أن تُستخدم لدعم السلع الأساسية أو الوقود، وبالتالي فإن الرقابة الدقيقة على هذه البيانات قد تقلل الفساد، وهو ما تعارضه بعض السلطات التنفيذية.

وحذر التاجوري من أن غياب البيانات الدقيقة يعرقل اتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية الصحيحة، بما في ذلك تقدير الاعتمادات والمواد الغذائية، ويتيح استمرار الفوضى التي يستفيد منها القطاع الخاص على حساب المصلحة العامة، مشيرًا إلى أن مشاريع سابقة لتنظيم الملف، مثل جهود مكتب النائب العام وهيئة الإحصاء، توقفت بسبب ضعف التطبيق والمقاربة القانونية.

كما نبه إلى خطورة دمج قضايا الهجرة غير النظامية في المنظومة الليبية، حيث يمكن استغلال البيانات لمنح إقامة أو فرص عمل أو حتى جنسية، ما يفتح المجال لتأثيرات خارجية على السياسات الداخلية ويزيد احتمالية استغلال الثغرات للتزوير أو التدخل السياسي. وأكد أن الحل يتطلب إرادة وطنية حقيقية لتقنين المنظومة، ووضع ضوابط واضحة تمنع استغلالها سياسيًا أو إداريًا، وضمان حماية حقوق المواطنين الليبيين من أي تدخل غير مشروع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى