ليبيا

العبود: الملف الأمني مفتاح الانتقال نحو حوار سياسي حقيقي

قال المحلل السياسي أحمد العبود، إن تقييم مآلات المسار السياسي في ليبيا، بما في ذلك المسار الأممي، يستدعي الإقرار بوجود أكثر من مسار متوازي، مؤكدًا أن المسار الأممي يواجه تحديات هيكلية وبنيوية، إلى جانب صعوبات خارجية مرتبطة بسياق العمل الدولي، ودور دول الجوار والمبادرات المطروحة على الساحة الليبية في المرحلة الراهنة.

وأضاف العبود، في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، ورصدتها “الساعة 24” أن المسار الأممي لم يعد المسار الوحيد، بل نشأ إلى جانبه مسار موازٍ يشكل رافدًا له في إشارة إلى المسار الأمريكي، مشيرًا إلى أن اللقاءات التي أجراها مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس تهدف إلى البناء التراكمي على هذا المسار الموازي.

وأوضح أن المجتمع الدولي، وبالأخص الولايات المتحدة، يتحرك ضمن ترتيبات إقليمية تشمل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقارة الإفريقية، دون انتظار طويل لحسم موقفه، في ظل حالة الإحباط التي أصابت الليبيين بسبب تعثر المسار الدولي.

وأشار العبود إلى أن خريطة الطريق التي قدمتها البعثة الأممية لم تُرتب مراحلها الزمنيّة وفق أولويات القضايا أو الآليات المعتمدة، مؤكداً أن المرحلة الأولى تبدو اليوم في حالة جمود، إلا أنه استدرك بأن الفشل لم يُعلن رسميًا بعد، بما أن البعثة لم تصدر بيانًا يقر بإخفاق هذه المرحلة.

وبيّن أن المرحلة الأولى تتضمن الحوار بين المؤسسات السياسية، سواء في المسار الموازي أو المسار الأممي، وتتناول ثلاث قضايا رئيسية: التوافق على القاعدة الدستورية، والقوانين المنظمة للعملية السياسية، ومسألة الانتخابات وإعادة ترتيب الأطر القانونية ذات الصلة، إضافة إلى ملف الحكومة من حيث إعادة تشكيلها أو إنتاج حكومة جديدة.

وأكد العبود أن نتائج هذه المرحلة لم تُحسم بعد، مشيرًا إلى أن البعثة الأممية أوضحت في إحدى إحاطات المبعوثة “هانا تيتيه” الأخيرة أنها لن تكتفي بالمراقبة في حال فشل التوافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، وقد تلجأ إلى إعادة إنتاج المرحلة الأولى بناء على خطتها.

كما تطرق العبود إلى المستوى الثاني من الخطة الأممية، المتمثل في “الحوار المهيكل”، موضحًا أن الجلسة الأولى التي عُقدت على مدى يومين في طرابلس قوبلت بانتقادات واسعة، مشيرًا إلى أن التركيبة الرباعية للحوار تفتقر إلى بيوت خبرة متخصصة في القضايا السياسية والأمنية، وأن مناقشة الملف الأمني في غياب القوى الحقيقية والفاعلة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأمنية، يجعل الحوار أقرب إلى العبثي.

وشدد العبود على أن المعادلة الليبية لا يمكن فصلها عن الملف الأمني، واصفًا إياه بـ “المفتاحي” الذي يتيح الانتقال إلى حوار حقيقي ويمهد الطريق للمراحل الانتقالية وصولًا إلى الانتخابات. وأوضح أن لجنة “5+5” العسكرية نجحت حتى الآن في تثبيت وقف إطلاق النار، لكنها لم تُنجز باقي المهام الموكلة إليها، مثل إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتجميع السلاح، وتفكيك التشكيلات المسلحة، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية.

واعتبر العبود أن البعد الأمني يظل اللغز الأكبر وراء حالة الفشل والارتباك الداخلي والخارجي في ليبيا، منتقدًا غياب موقف واضح من البعثة الأممية بشأن مستقبل عمل لجنة “5+5” وما إذا كان المسار سيستمر أم استبدل بتركيبات جديدة تفتقر للمهنية والخبرة اللازمة لمعالجة الملف الأمني، باعتباره المدخل الأساسي لإنهاء المرحلة الحالية والانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا.

ورأى العبود أن تعثّر المسار السياسي يعود إلى تداخل عوامل داخلية ودولية، أبرزها غياب التوافق الحقيقي بين الأطراف الليبية، إلى جانب تدخلات خارجية ساهمت في تعطيل فرص الوصول إلى تسوية شاملة تنهي المراحل الانتقالية المتعثرة.

ولفت العبود إلى أن الاتفاق بين المجلسين على إنهاء ولاية حكومة الدبيبة، وإقرار التعديل الدستوري الثالث عشر، وتكليف فتحي باشاغا بتشكيل حكومة جديدة منبثقة عن هذا التوافق، قوبل بتجاوز كامل لهذه المخرجات، مؤكدًا أن البعثة الأممية ساهمت بشكل غير مباشر في رفض هذه التفاهمات، على غرار ما حدث سابقًا مع اتفاق الصخيرات، إضافة إلى تأثير المتغيرات الدولية وبعض الدول المتداخلة في الملف الليبي، والتي عمّقت حالة الانقسام.

وأشار العبود إلى أن النموذج الليبي يظل معقدًا، مشددًا على أن نجاح الليبيين عام 1951 في فرض مشروع الاستقلال على الأمم المتحدة ومجلس الأمن جاء نتيجة توافق داخلي واسع، مؤكداً أن جوهر الحل يكمن في التفاهم حول القضايا الوطنية الرئيسية مدعومًا بتوافق دولي يعزز فرص التسوية السياسية.

وفي سياق متصل، تطرق العبود إلى قضية شرق المتوسط، واصفًا إياها بالقضية المعقدة التي تتطلب مراجعة دقيقة لخلفياتها، موضحًا أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية فُرضت على حكومة فايز السراج، بينما يعطل مجلس النواب التصديق عليها بحجة تحول ليبيا إلى طرف في صراع شرق المتوسط. وأكد أن اللجان الفنية ترى أن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة يحقق مكاسب مهمة للدولة الليبية، لكنه في الوقت ذاته يُدخل البلاد في قلب صراعات إقليمية وخلافات متجددة، خاصة في ظل الاعتراضات التركية واليونانية والمصرية.

وشدد العبود على أن قضية ترسيم الحدود البحرية تحتاج إلى حوار متعدد الأطراف، مذكّرًا بأن الدبلوماسية الليبية كانت ترفض سابقًا الانخراط في هذه الاتفاقيات لتجنب التورط في صراعات شرق المتوسط. لافتاً إلى أن ليبيا في وضعها الراهن لا تستطيع توقيع اتفاقيات جديدة أو إلغاء اتفاقيات سابقة أُبرمت قبل عام 2011، ما يعكس حجم الإشكاليات التي تعيق مسار التسوية والمصالحة الوطنية.

وانتقد العبود أداء البعثة الأممية، معتبرًا أنها تفتقر إلى منهجية فعالة لإدارة الأزمة، مشيرًا إلى أن النماذج السابقة التي طرحتها البعثة في الصخيرات وتونس وجنيف، مرورًا بمسارات برلين، فشلت في تحقيق تسوية حقيقية، خصوصًا مع تعطيل المسار الأمني. كما رأى أن المقاربة الجديدة التي تطرحها المبعوثة الأممية “هانا تيتيه”، بعد تجاوز أسلوب عبد الله باتيلي، لا تخدم آليات التسوية الواقعية على الأرض.

وشدد العبود على أن الواقعية السياسية تقتضي جلوس الأطراف الرئيسية للصراع على طاولة واحدة وفق قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”، وبمنهجية تقوم على التساوي وإنتاج حل عملي ينهي المراحل الانتقالية الفاشلة ويفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة. واستشهد بنجاح نموذج الانتخابات البلدية، الذي شاركت فيه جميع الأطراف وأسهمت في إنجاحه، مؤكدًا أن البيئة السياسية والجغرافية في ليبيا قادرة على احتضان انتخابات رئاسية وبرلمانية، مشيرًا إلى أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أعلنت جاهزيتها لتنظيم هذا الاستحقاق في موعد أقصاه أبريل المقبل، شريطة توفير الدعم المالي والفني اللازم.

ورأى العبود، ضرورة التوجه نحو هذا الخيار الواقعي الذي يعكس إرادة أكثر من ثلاثة ملايين ناخب يسعون إلى تغيير المؤسسات القائمة التي استنفدت شرعيتها، وإنهاء دوامة المراحل الانتقالية، والانتقال إلى استحقاقات سياسية حقيقية تعيد الاستقرار للدولة الليبية. ولفت إلى أن تسجيل قرابة ثلاثة ملايين ناخب في سجل الناخبين خلال عام 2021 يُعد مؤشرًا لاهتمام الليبيين بالعملية الانتخابية، مشددًا على أن الحكم على وجود “أغلبية صامتة” لا يمكن أن يتم إلا عبر معطيات دقيقة وبيانات رسمية.

وتابع: جميع الأحزاب والفاعلين السياسيين يطالبون بتغيير السلطة الحالية، وأن المطلب الرئيسي للمتظاهرين هو إجراء الانتخابات، وهو ما يعكس طبيعة المجتمع الليبي الذي طالَب منذ عام 2011 بالديمقراطية والتحول السياسي، مع إقرار دستور أغسطس من العام ذاته. وأكد أن الإجابة الحاسمة بشأن رغبة الليبيين في التغيير الديمقراطي ستأتي من السجلات الرسمية التي تقدمها المفوضية، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية تتطلب تفاهمات سياسية حقيقية بين الخصوم الداخليين، ودورًا دوليًا راعٍ لهذه التفاهمات عبر البعثة الأممية أو الولايات المتحدة.

وتطرق العبود إلى الدور الأمريكي في الملف الليبي، مشيرًا إلى ازدواجية سابقة بين دبلوماسية وزارة الخارجية والدبلوماسية الرئاسية، لافتًا إلى استمرار هذا النهج اليوم مع بروز دور مسعد بولس كمستشار للرئيس الأمريكي ومبعوثه إلى أفريقيا. وأوضح أن الدبلوماسية الأمريكية ما تزال تعتمد على أدوات تقليدية تشمل دعم استقرار المؤسسة الوطنية للنفط، وتوحيد مصرف ليبيا المركزي، والمساهمة في صياغة اتفاقات تتعلق بالتنمية وتوزيع الميزانية وفق آليات تقاسم متوافق عليها.

وأكد العبود ضرورة تبني مقاربة واقعية للخروج من المراحل الانتقالية، تقوم على جلوس الأطراف وأصحاب المصلحة الفاعلين إلى طاولة التفاهم، لإنتاج حلول تراكمية تنهي حالة الانقسام، موضحًا أن المجتمع الدولي لن يكون فاعلًا إلا عند تشكيل هذه التفاهمات الداخلية التي تفضي إلى الاستقرار السياسي والمؤسسي.

وأردف: أن نماذج تسوية الصراعات في أفريقيا والعالم تقوم على فرضية إشراك الأطراف الأقوى، أي الجهات التي تمتلك القدرة الفعلية على التأثير وعلى الأرض، بما في ذلك من يمتلكون السلاح، وأن المشاريع التي نجحت في إنهاء أكثر من 28 صراعًا في أفريقيا انطلقت من هذا المنطق.

وفيما يتعلق بالمشهد الليبي، بيّن العبود أن القيادة العامة للقوات المسلحة، طرحت مشروعًا واضحًا للتسوية يقوم على الذهاب إلى الانتخابات، مؤكدًا أن هذا الطرح عُرض في عدة محافل دولية وإقليمية، منها لقاءات فرنسا، واجتماعات الرباعية في مصر، وجولات حوار متعددة في أبو ظبي، وغيرها من اللقاءات. وأوضح أن القيادة العامة تعتبر نموذج التسوية السياسية الأمثل هو إنهاء الشرعيات المتآكلة والانتقال إلى تأسيس شرعية جديدة عبر الانتخابات، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية، باعتبارها مدخلًا أساسيًا لإنهاء الانقسام السياسي.

وفيما يخص المسار العسكري، أعرب المحلل السياسي أحمد العبود عن أمله في طرح هذا التساؤل بشكل مباشر ضمن مسار “5+5” العسكري، واصفًا هذا المسار بأنه ممتد على مستوى المنطقة الغربية، ويهدف أساسًا إلى توحيد المؤسسة العسكرية الليبية. وبينّ أن الجولات السبع التي عقدت في القاهرة، إلى جانب التواصل المستمر بين العسكريين، أسفرت عن تفاهمات عملية شملت آليات للدوريات المشتركة والعمل المتكامل، وتأمين المصادر الحيوية، وحماية الحدود، ومكافحة الهجرة غير الشرعية.

وأكد وجود سياقات متعددة للتعاون والشراكة بين القوات المسلحة التابعة للقيادة العامة والتشكيلات العسكرية في المنطقة الغربية، مشددًا على أهمية توصيف هذه التشكيلات بدقة.

وقال العبود إن القيادة العامة، وفق خطاباتها المعلنة، لا تتبنى الإقصاء أو الاستبعاد، بل تؤكد أن باب التصفية والتسوية مفتوح أمام الجميع ضمن رؤية شاملة، معتبرًا أن تفاهم العسكريين وحده قادر على حل أكثر من 90% من الأزمة الليبية الحالية.

وشدد العبود على تبنيه لفكرة الدولة القوية القادرة على امتلاك ذراع عسكرية موحدة تحمي سيادة ليبيا وأمنها القومي، بعيدًا عن المشاريع الخارجية التي تسعى إلى السيطرة على الدولة ومواردها وسكانها وتاريخها، مؤكدًا دعمه لكل من يدعو إلى بناء مؤسسة عسكرية وطنية قوية تحمي البلاد.

وفيما يتعلق بالفاعلين الدوليين، أشار العبود إلى الدور الذي لعبته التفاهمات بشأن المؤسسة الوطنية للنفط، والتي جاءت نتيجة توافق بين القيادة العامة للقوات المسلحة ورئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، إضافة إلى تفاهمات شملت مصرف ليبيا المركزي، وبمشاركة البرلمان ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي والقيادة العامة. وأوضح أن هذه الأطراف ساهمت في خلق حالة تفاهم بشأن آليات التوحيد، وكذلك ما عرف بـ “الباب الثالث”، أو الإطار التنموي بين الحكومتين، بينما ظل المركز التفاوضي في المنطقة الشرقية ثابتًا، على عكس المركز المتأرجح في طرابلس.

وبيّن العبود أن المشهد في طرابلس الذي شهد تشكيل ما يُعرف بـ ” الرئاسات الثلاث”، والتي تضم المنفي والدبيبة وتكالة، متسائلًا عن مدى وحدة مجلس الدولة والفجوة المتزايدة بين مجلس النواب ومجلس الدولة، وما إذا كانت هذه المسافة ستتيح إنتاج تفاهمات يمكن البناء عليها ضمن مسار الحوار الذي ترعاه الولايات المتحدة.

واختتم العبود مداخلته بالتأكيد على أن جميع هذه المبادرات والمسارات بحاجة إلى التشجيع والدعم، لكنها وحدها لن تكون كافية لحل الأزمة الليبية بشكل نهائي، داعيًا إلى دعم الجهود الرامية إلى التقارب بين الأطراف، بما يفضي إلى تفاهمات وتوافقات تنهي حالة القتال، وتضع أسسًا حقيقية للذهاب إلى الانتخابات أو تشكيل حكومة جديدة، بما يضع حدًا للمرحلة الانتقالية التي وصفها بالفاسدة، وينهي حالة الهشاشة التي تعاني منها الدولة الليبية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى