العبار: التحقيق في حادث الطائرة دخل حسابات السياسة والأمن

قال الباحث السياسي صلاح العبار إن تركيا، شأنها شأن باقي الدول الأعضاء في منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو)، تمتلك الأساس القانوني الذي يخولها متابعة التحقيق في حوادث الطيران المدني على المستوى الدولي. وأضاف أن ألمانيا تُعد بدورها من الدول الموقعة على اتفاقية شيكاغو لعام 1944 التي تنظم آليات التحقيق في الكوارث الجوية، وتؤطر التعاون بين الدول المعنية لكشف ملابسات الحوادث والوصول إلى الحقائق ذات الصلة.
وأكد العبار في حديث لقناة “ليبيا الحدث” رصدته “صحيفة الساعة 24″، أن رفض ألمانيا المشاركة في التحقيق حول طائرة الوفد الليبي المنكوبة في أنقرة، لا يعود إلى أي قصور فني، موضحًا أن ألمانيا تتمتع بخبرة كبيرة في هذا المجال، حيث يضم مكتب التحقيقات الفيدرالي الألماني أحد أبرز المكاتب المتخصصة عالميًا في التحقيقات الجوية المعقدة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الجانب الفني في التحقيقات ليس محل شك، سواء بالنسبة لقدرات ألمانيا أو عملية التحقيق التركية نفسها.
وبينّ أن الجانب الفني للتحقيق يتضمن أربعة عناصر رئيسية: دولة تسجيل الطائرة، والدولة المُشّغلة، والدولة المصنعة، والدولة التي وقع فيها الحدث، وجميع هذه الأطراف لها الحق في المشاركة ومتابعة التحقيقات.
لكن العبار فصل بين الجانب الفني والجانب السياسي، مشيرًا إلى أن قرار ألمانيا بالابتعاد يعود في المقام الأول إلى اعتبارات سياسية والحساسية العالية للموقف. موضحاً بأنها لا ترغب في الانخراط في مسار قد يُفسّر على أنه تدخل أمني أو سياسي، خصوصًا إذا كانت نتائج التحقيق تشير إلى سبب أمني، أو حادث مفتعل، ما قد يضعها في موقف طرف سياسي بدلًا من الحفاظ على الحياد.
ورأى أن الوضع في ليبيا، مع الصراعات الإقليمية والتجاذبات السياسية، يجعل أي مشاركة ألمانية في التحقيق محفوفة بالمخاطر، خاصة مع وجود شخصيات عسكرية على متن الطائرة، ما دفع برلين إلى الحفاظ على مسافة آمنة وتجنب أي تورط سياسي محتمل.
ولفت العبار أن تركيا تحركت ضمن الإطار القانوني الدولي، بما يضمن حقها في التحقيق ومتابعة الأحداث، بينما لا يوجد أي أثر قانوني لرفض ألمانيا أو بريطانيا المشاركة، ما يعكس تفهمها لحساسية الموقف أكثر من كونه قصورًا فنيًا.
وقال العبار: إن الاحتفاظ بالصندوق الأسود للطائرة يقع ضمن اختصاص الدولة التي وقعت فيها الحادثة، وهي تركيا، التي لها الحق في اختيار الدولة المساعدة في فتح الصندوق وإجراء التحقيقات الفنية، والتي يجب أن تكون من الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية المعنية، وأن أي أمر فني يتعلق بفتح الصندوق أو التعامل معه يخضع لتقديرات تركية.
وفيما يخص الجانب السياسي، أوضح العبار أن تركيا اختارت بريطانيا للتعاون، إلا أن القرار النهائي بشأن فتح الصندوق الأسود لم يُحسم بعد، وسيتم ذلك بمشاركة تركيا والدولة المصنعة للطائرة وإشراف إيكاو.
وأردف: أن اختيار بريطانيا يثير مخاوف من تسييس التحقيق، خصوصاً في ظل النفوذ السياسي البريطاني في الشؤون الدولية، وعلى رأسها التدخلات في ليبيا. كما ربط هذا الأمر بالرفض الألماني الذي ساهم في زيادة الشكوك حول تسييس الملف حسب وصفه، مؤكداً أن بريطانيا لديها سجل تدخلات واسعة في الدول العربية وليبيا، ما يجعل الملف مسيساً منذ البداية قبل صدور أي نتائج للتحقيق.
ونوه العبار إلى أن التقرير النهائي لن تصدره دولة واحدة بمفردها، بل سيكون نتيجة تعاون بين الدولة التي وقع فيها الحادث – وهي تركيا – وشركاء دوليين يقدمون الدعم الفني والمساعدة فقط، دون مسؤولية عن النتائج النهائية.
وأضاف العبار أن أي استغلال سياسي أو استخباراتي للمعلومات سيحوّل التحقيق إلى ملف دولي معقد، قد يشهد تدخل أجهزة استخباراتية مثل الأمريكية والإسرائيلية، في محاولة لمراقبة الملف أو التأثير على مخرجاته. موضحاً أن الهدف الأساسي من التحقيق هو الوصول إلى الحقيقة، واستخلاص المعلومات الدقيقة حول أسباب الحادث، بما يضمن حقوق الضحايا والدولة التي وقعت فيها الطائرة، مع الحفاظ على المهنية والحيادية. مشيرًا إلى أن الشركات الكبرى مثل بوينغ وإيرباص تحرص بشكل كبير على معرفة تفاصيل أي حادث لضمان سمعة طائراتها واستمرارية مبيعاتها العالمية.
وأشار إلى أن هذه الشركات تقوم بجمع الطائرات من نفس الموديل المتضرر وإعادة تصنيعها للتأكد من عدم تكرار أي حادث، بما يطمئن زبائنها الدوليين وشركات الطيران.
كما تناول العبار موقف الدول في مثل هذه الحوادث، موضحًا أن الأمر يزداد تعقيدًا بالنسبة لتركيا، سواء في التحقيقات الفنية أو على المستوى السياسي. فحتى في حال الاستعانة بدولة محايدة أو مكتب تحقيقات مستقل، تبقى أنقرة في موقف حساس، تحاول من خلاله الحفاظ على مصداقيتها والتعامل مع الحادث دون تدخل خارجي يضر بمصالحها.
ولفت العبار إلى الأبعاد السياسية المحتملة، مشيرًا إلى أن هناك صراعات خفية بين بعض الدول، مثل إسرائيل وتركيا، في مناطق عدة تشمل سوريا وليبيا، حيث تتوسع تركيا عسكريًا، الأمر الذي قد يضعها تحت ضغوط خارجية. وأضاف أن هناك حربًا تدار في الخفاء، ويجب عدم استبعاد أي سيناريو أو ملفات ضغط محتملة تتعلق بهذه الأحداث.
وقال إن هذه الدولة مسؤولة عن تزويد جميع الأطراف المعنية، سواء شركات الطيران أو الدول المتضررة من الحادث، بالمستجدات، موضحاً أن الدولة الليبية والفرنسية واليونانية من بين الأطراف المعنية، وسيتم تزويدهم بالمعلومات عبر الدولة التي وقع الحادث على أراضيها، وفي هذه الحالة تركيا.
وأضاف أن الإجراءات تتوافق مع القانون الدولي للطيران، وأن تركيا تتحرك حالياً وفق خيارات قانونية، سواء عن طريق مكتب محايد أو دولة محايدة، مع الإشارة إلى أن القانون الدولي يمنح مهلة تصل إلى ثلاثين يوماً لإبلاغ الأطراف بأحدث التطورات.
وفيما يخص الصندوق الأسود، أوضح العبار أن التحقيقات ستستغرق وقتاً طويلاً، نظراً لحساسية الموقف ووجود شخصيات هامة على متن الطائرة، مؤكداً أن الجانب الفني للتحقيق بسيط نسبياً، ويشمل الوصول إلى الصندوق وفتح نتائجه، بينما الجانب الأكثر تعقيداً وخطورة هو الجانب السياسي، حيث يلعب دوراً كبيراً في عملية التحقيق.
وأكد العبار أن تركيا تعمل بحذر وبشكل متوازن على تحسين علاقاتها الإقليمية والدولية، سواء في الشرق أو الغرب، وسط محاولات بعض الأطراف لإحباط هذا الدور، مشيراً إلى أن الحادث مرتبط بالملفات الإقليمية الأوسع، بما فيها الصراعات في ليبيا والمنطقة، فضلاً عن النفوذ الإقليمي والدولي.
واختتم العبار بالقول إن التحقيق في حادثة الطائرة المدنيّة ليس مجرد عملية فنية، بل لعبة سياسية واستخباراتية معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والإقليمية والدولية، وأن تركيا تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، إدراكاً منها لحساسية الوضع وخطورته.









