المرعاش: التظاهرات الشعبية يجب أن تتحول لقوة ضاغطة لإسقاط حكومة الدبيبة

قال الصحفي والباحث السياسي، كامل المرعاش، إن الاحتجاجات المتنامية ضد حكومة عبد الحميد الدبيبة في عدد من المدن، بما فيها العاصمة طرابلس، تمثل تعبيرًا عن حالة غضب شعبي متراكمة، لكنها ما زالت محدودة التأثير ولم ترتقِ بعد إلى مستوى حراك وطني شامل قادر على إحداث تغيير سياسي ملموس.
وأوضح المرعاش، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24″، أن التظاهر ضد الحكومة ليس جديدًا، غير أن الزخم ظل محصورًا في مدينتي طرابلس ومصراتة، دون أن يمتد إلى مدن أخرى في الغرب الليبي والتي يزيد عددها على 27 مدينة، مثل زوارة ونالوت والزنتان وغريان، رغم أن سكانها يعانون بشدة من الفساد، وتردي الأوضاع المعيشية.
وشدد المرعاش على ضرورة البحث عن آليات عملية لتطوير هذه الاحتجاجات وتحويلها إلى مسارات منظمة يمكن أن تقود إلى تغيير فعلي، معتبرًا أن الدور الإعلامي، رغم أهميته، لا يكفي وحده.
ودعا إلى تفعيل قنوات مجتمعية أخرى، وفي مقدمتها نقابات الطلاب، لحشد الطلبة في الجامعات والثانويات العامة في احتجاجات سلمية تركز على مطالب اجتماعية ومعيشية، خاصة في قطاع التعليم.
ورأى المرعاش، إلى أن غياب الكتب المدرسية مع اقتراب نهاية نصف السنة الدراسية، يمثل سببًا كافيًا لخروج الطلاب في مختلف المراحل للمطالبة بحقهم الأساسي في التعليم، مؤكدًا أن عشرات الآلاف من المدارس تعاني من هذا الخلل دون حلول ملموسة.
كما لفت إلى أن فئات واسعة من الليبيين تعيش تحت وطأة الفقر، في وقت تتفاقم فيه مظاهر الثراء الناتج عن الفساد، معتبرًا أن هذه الشرائح ما زالت مغيبة عن المشهد الاحتجاجي. وتساءل عن دور ضباط وأفراد الجيش في المنطقة الغربية، داعيًا إياهم إلى اتخاذ مواقف واضحة تجاه ما وصفه بحالة الوجود الأجنبي على الأراضي الليبية.
وفي سياق متصل، انتقد المرعاش، أداء بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، متهمًا إياها بتجاهل ما يتعرض له المتظاهرون من قمع، بما في ذلك استخدام الرصاص الحي، وعدم توثيق هذه الانتهاكات أو إدانتها في تقاريرها الرسمية.
وأكد أن المرحلة تتطلب آليات واضحة لتنظيم الاحتجاجات وتوجيهها، ليس فقط لإسقاط الحكومة، بل لإرسال رسالة إلى الأطراف الدولية بأن الشعب الليبي يرفض فرض واقع الدولة الفاشلة، ويطالب بوقفة وطنية شاملة تدعم مسار استعادة السيادة والاستقرار.
ودعا المرعاش، إلى إطلاق نداء وطني شامل موجّه إلى جميع الوطنيين الذين هُجّروا من مدنهم في الغرب الليبي، وكذلك إلى كل الليبيين الحريصين على مصلحة الوطن واستعادة هيبة الدولة الليبية وإعادتها إلى مكانتها الطبيعية، من أجل البحث عن آليات فاعلة تُنشئ حاضنة وطنية قادرة على احتضان وتنظيم التظاهرات الشعبية.
واعتبر المرعاش، أن التظاهرات الشعبية، رغم أهميتها البالغة، غالبًا ما تفقد أثرها بعد انتهاء فعالياتها بأيام أو أسابيع، لتُنسى لاحقًا دون أن يُلتفت إلى المشاركين فيها، أو إلى العائلات التي تضررت بسببها. مشيراً إلى أن العديد من العائلات تعرّضت لأضرار مباشرة نتيجة مشاركتها في هذه التظاهرات، كما جرى تصنيفها واستهدافها من قبل الميليشيات المسيطرة في بعض المدن، ولا سيما في طرابلس، بحكم انتماء هذه المدن أو العائلات إلى مناطق تُحسب على الجيش الوطني، وليست محسوبة على حكومة عبد الحميد الدبيبة.
وشدد المرعاش، على الأهمية البالغة لتأسيس حاضنة وطنية حقيقية تتولى دعم جميع التظاهرات والمطالب الشعبية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو حتى نقابية، مؤكدًا ضرورة توضيح الآليات الكفيلة بتطوير هذا الحراك الشعبي في إطار منظم وعلمي، يسهم في توعية الحكومة وإجبارها على التعاطي الجاد مع هذه المطالب.
وأوضح أن بعض المبادرات القائمة حاليًا تعاني من التشرذم، إذ تُصنَّف على أساس المدينة أو القبيلة، واصفًا ذلك بـ “الطامة الكبرى”، التي يجب شطبها من قاموس العمل الوطني، لأن أي حاضنة وطنية حقيقية يجب أن تتجاوز الانتماءات القبلية والمناطقية، وأن تقوم على مبدأ واحد لا غير: أن ليبيا دولة واحدة غير قابلة للتقسيم، وأن تضم في صفوفها خبرات كافية في مجال النضال الوطني لتحديد مسارات التظاهرات، وآليات دعمها، والاهتمام بالمشاركين فيها وبالمتضررين منها.
وفي هذا السياق، أشار المرعاش، إلى ما وصفه بنسيان قضية الناشط عبد المنعم المريمي، متسائلًا عمّن يتابع أوضاع أسرته اليوم، رغم أن الرجل ضحّى بنفسه من أجل ليبيا، وكان يتظاهر بشكل شبه يومي لأشهر طويلة، وتحول إلى أيقونة للحراك الشعبي قبل أن تتم تصفيته بطريقة بشعة – على حد تعبيره.
ودعا المرعاش، جميع القوى الوطنية في بنغازي إلى المبادرة بتأسيس هذه الحاضنة الوطنية لرعاية النشاط التظاهري ضد حكومة الدبيبة، سواء تعلق الأمر بمطالب سياسية أو اجتماعية أو نقابية.
وعن أسباب عجز حكومة الدبيبة عن احتواء الغضب الشعبي المتصاعد في الغرب الليبي عبر استخدام المال لإسكات بعض الناشطين كما كان يحدث سابقًا، أوضح المرعاش، أن السبب الرئيسي يتمثل في شح الموارد المالية. وقال: إن المصرف المركزي يعاني حاليًا من نقص حاد في السيولة، وإن عائدات النفط لم تعد كافية لتغطية ما وصفه بالبذخ المالي والإنفاق الواسع على الميليشيات، ما أدى إلى تقلص قدرة الحكومة على استخدام المال العام كوسيلة وحيدة لشراء الولاءات وتهدئة الشارع.
وأضاف أن الحكومة تتبع أسلوبًا آخر يتمثل في السماح بتظاهرات محدودة العدد في بعض الساحات، مثل ميدان الشهداء أو محيط مقرات حكومية، مع ترك المشاركين يغادرون دون تدخل مباشر، وإصدار بيانات توحي بعدم قمع الاحتجاجات، في محاولة لإرسال رسالة إلى المجتمع الدولي. غير أن المرعاش، أكد أن هناك، في المقابل، أساليب ضغط أخرى تُمارس ضد الناشطين والمنظمين، تشمل التهديد والترهيب، وقد تصل إلى التهديد بالقتل، وهو ما أسهم في الحد من اتساع رقعة هذه التظاهرات.
كما أشار المرعاش، إلى ما وصفه بتغاضي المجتمع الدولي، بما في ذلك البعثة الأممية، عن مشاهد القمع التي يتعرض لها المتظاهرون، معتبرًا ذلك أحد العوامل الرئيسية في استمرار الوضع القائم.
وشدد المرعاش، على أن المرحلة الحالية، تتطلب تأسيس حاضنة وطنية أهلية حقيقية، تُدعَم بخبرات متخصصة في التخطيط والمتابعة اليومية لمختلف التحركات والتظاهرات، بما يعكس الزخم المتنامي المناهض لحكومة عبد الحميد الدبيبة. معتبرا أن الهدف النهائي من ذلك هو إقناع المجتمع الدولي بعدم أهلية الحكومة الحالية، وصولاً إلى إسقاطها، في إطار مشروع وطني يسعى إلى إعادة الاستقرار إلى ليبيا.
وفي موضوع أخر يتعلق بملف المناصب السيادية بين مجلسي النواب والدولة، أوضح المرعاش، أن أسباب تقديمه وطرحه من قبل البعثة الأممية للمجلسين يأتي لإدراك البعثة بأن منطق “الغنيمة”، والنفوذ والسيطرة سيقود إلى إفشال هذا الملف، وأن المجلسين لن يتوصلا إلى أي اتفاق بشأنه، وهو ما كانت البعثة تنتظره لإطلاق ما سمته بـ “الحوار المهيكل“.
وبناءً على ذلك، اعتبر المرعاش، أن ملف المناصب السيادية لا يمثل أولوية في المرحلة الراهنة، لافتاً إلى أن شاغلي هذه المناصب، ولا سيما في العاصمة طرابلس، قد ترسخوا في مواقعهم، وأن إزاحتهم تتطلب قرارات وإرادة دولية. واستشهد بالتجربة السابقة مع محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير، الذي بقي في موقعه لما يقارب عقداً من الزمن، ولم يُنهَ نفوذه إلا بتوافر إرادة دولية وأخرى وطنية. وتساءل في هذا السياق عن مدى الحاجة إلى توافق حول هذه المناصب وكيفية تحقيقه، معرباً عن عدم وضوح الآليات الكفيلة بذلك.
وفي المقابل، شدد المرعاش، على أن الأولويات الحقيقية تتمثل في التوصل إلى توافق حول القوانين الانتخابية التي تفضي إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، إضافة إلى الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة وإنهاء حكومة الدبيبة إذا كان الهدف هو التوجه الجاد نحو الانتخابات. كما دعا إلى التوافق على تقسيم عادل ومتساوٍ للعوائد النفطية بين جميع أقاليم ليبيا، مرحباً في ذات الوقت بخطوة مجلس النواب، المتعلقة بقرار زيادة رواتب العسكريين، داعيًا أفراد الجيش في الغرب الليبي إلى الالتحاق بالجيش الوطني للاستفادة من هذه الحقوق والمشاركة في إنهاء حالة الانقسام وعدم الاستقرار.
وأكد أيضاً ضرورة السعي بقوة إلى تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها، وتوحيد مؤسستي الجيش والشرطة، معتبراً أن هذه الملفات تمثل جوهر الأولويات التي ينبغي التركيز عليها. وانتقد ما وصفه بعدم تركيز البعثة على هذه القضايا، معتبراً أنها لا تسعى إلى حل ليبي شامل، بل تكتفي بإدارة الأزمة.
واختتم المرعاش مداخلته مؤكدا على وجود فارق جوهري بين إدارة الأزمة وتقديم حل لها، معتبراً أن الواقع الليبي الحالي يقوم على إدارة الأزمة لا حلها، مرجحاً عدم حسم ملف المناصب السيادية في المستقبل القريب بين المجلسين.









