«الفارسي»: السوق الموازي تحول إلى «ثقب أسود» لابتلاع العملة الأجنبية

قال أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي أيوب الفارسي، إن السياسة النقدية في ليبيا تواجه صعوبات كبيرة نتيجة المشاكل السياسية والاقتصادية العميقة التي تمر بها الدولة.
وأضاف «الفارسي» في حديث لقناة «ليبيا الأحرار»، ورصدته «الساعة24»، أن الوضع الحالي الذي تُصمم فيه السياسات النقدية في ليبيا يعدّ وضعاً غير صحي على الإطلاق، سواء من ناحية تكامل السياسات الأخرى أو الوضع السياسي القائم، مشيرا إلى أن مصرف ليبيا المركزي تحت إدارته الجديدة، يتعامل حالياً مع آثار السياسات السابقة، وأن تلك السياسات ساهمت في تضخم السوق الموازي وتحوله إلى قوة كبيرة تتحكم في نسبة ضخمة من السيولة المحلية والأجنبية.
ووصف هذا الوضع بالـ«الثقب الأسود» الذي يبتلع أي إمدادات من العملة الأجنبية بهدف الدفاع عن الدينار الليبي، مضيفاً «في ظل الظروف الطبيعية، فإن ضخ العملة الأجنبية من قبل الدولة يؤدي إلى خفض سعر الصرف في السوق الموازي وربما القضاء عليه إذا كان الطلب حقيقيًا، مشيراً إلى أن المضاربات في السوق تعكس انحراف الأسعار عن طبيعتها، حيث يزداد الطلب بدلاً من الانخفاض، مما يعقد جهود السياسة النقدية».
ولفت إلى أن تخفيض قيمة العملة جاء نتيجة الانفاق الحكومي الكبير الذي أدى إلى تضخم عرض النقود المحلي، والذي وصل إلى 180 مليار دينار عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 195 مليار دينار بنهاية 2025.
وأوضح أن المصرف المركزي يحاول مواجهة هذا التضخم عن طريق الدفاع عن سعر الصرف بسحب الاحتياطيات الأجنبية، إلا أن السعر لا يزال بعيداً عن المتناول.
وأشار إلى أن المصرف وجه نداءً للحكومات والجهات المسؤولة عن السياسة المالية والاقتصادية لضبط الاعتمادات وترشيد الانفاق الحكومي، إلاّ أن الصرف المستمر عند معدلات قديمة أدى إلى ارتفاع السيولة خارج المصارف وفقدان الثقة بالقطاع المصرفي، وهي مشكلة تعود جذورها إلى الانقسام السياسي وإيقاف إنتاج النفط في مراحل حرجة.
كما أشار إلى أن المركزي يتدخل حالياً في مجالات ليست من صميم عمله، مثل ضبط بند المرتبات، صياغة موازنة استيرادية بالتعاون مع وزارة الاقتصاد، وملفات المحروقات والمؤسسة الوطنية، بهدف حماية المواطن من التداعيات الاقتصادية.
ووصف أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الفترة التي بدأت فيها أزمة الاحتياطيات الأجنبية في ليبيا بأنها فترة الاعتمادات والحاويات الفارغة التي غذت السوق الموازي، مع نشاط مكثف للاستيراد الوهمي.
وأشار إلى أن دفع الاحتياطيات في ظل وجود ما وصفه بـ«الثقب الأسود» في السوق يعد قراراً غير فعال، وأن المصرف يواجه خيارين فقط: إما تخفيض قيمة العملة أو الاستمرار في الدفاع عن سعر الصرف، مع احتمال أن يؤدي استخدام الاحتياطيات بالكامل إلى فقدان القدرة على توريد الأساسيات.
وحذر من الإنفاق الاستهلاكي غير المنضبط، خصوصاً على المرتبات والمحروقات، حيث يصل الإنفاق على المرتبات إلى حوالي 70 مليار دينار لدعم 2.6 مليون موظف حكومي تقريباً.
وأكد أن المشكلة ليست في حجم الإنفاق فقط، بل في جودة الإدارة الاقتصادية، حيث يمكن الإنفاق أكثر إذا كان مخصصاً لمشاريع وطنية تنموية ذات أثر اقتصادي حقيقي.
وأكد أن السلطة النقدية في ليبيا تواجه حالة من التخبط، إذ تحاول إدارة الأزمة دون أدوات كافية، في ظل غياب التوافق بين المركزي والحكومة والبرلمان بشأن الإنفاق والسياسة المالية، موضحا أن جزءاً كبيراً من الطلب على العملة الأجنبية في ليبيا يأتي من صغار التجار لتلبية احتياجات البضائع المستوردة عبر الاعتمادات الرسمية، والتي كثيراً ما تُستغل للتهريب، ما يزيد من الضغط على السوق الموازي.
وأردف: أن سعر السوق الموازي حالياً أصبح هو السعر الفعلي للمعاملات، وليس السعر الكاش أو الرسمي، نظراً لغياب دور وزارة الاقتصاد في تحديد الاحتياجات الحقيقية والمقننة للسلع الأساسية.
وأكد أن المصرف المركزي يقوم حالياً بمحاولات لضبط الطلب على العملة الأجنبية من خلال مشروع موازنة قد يُطبق بشكل كامل في العام 2026، بهدف تقنين الطلب على النقد الأجنبي وتحديد الكميات المخصصة للأغراض الأساسية.
وأشار إلى أن مكاتب الصرافة تعد أداة رئيسية في هذه العملية، إذ يسعى المصرف المركزي عبر الترخيص لـ278 مكتباً للسيطرة على السوق الموازي، وضمان أن تكون الأسعار تحت سقف محدد يحد من أرباح المضاربين، مبيناً أن العدد تم تحديده وفق تقديرات لتحقيق الهدف المنشود، مع وجود اشتراطات مالية صارمة مثل دفع ضمانات بملايين الدينارات لضمان جدية التجار، ما يحد من تدخل المضاربين.
وكشف أن هذه العملية ليست جديدة، بل هي استكمال لقرارات سابقة تعود إلى 2014، ومع ذلك شهدت تعديلات لضمان الشفافية ومنع المحسوبية أو الوساطة في منح التراخيص، ورغم أن عدد المكاتب يبدو كبيراً وغير منطقي من منظور البعض، فإن المصرف المركزي أصر على قبول جميع المتقدمين الذين استوفوا الشروط دون تمييز أو وساطة.









