الفلاح: ليبيا بحاجة إلى حكومة وطنية موحدة وحلول عملية للأزمة الراهنة

اعتبر أستاذ التاريخ بجامعة بنغازي، علام الفلاح، أن الأزمات السياسية التي ظهرت بعد العام 2022 في ليبيا كانت مدفوعة جزئيًا بدور البعثة الأممية، التي وصفها بأنها كانت طرفًا في خلق تلك الأزمات، مشيراً إلى تجارب سابقة مثل اتفاق الصخيرات وجنيف التي أظهرت أن الحلول التي ترعاها الأمم المتحدة غالبًا ما تُهدر على الأرض، متمنيا أن يكون العام الجديد م2026 عامًا للخير على المجتمع الليبي.
وأكد الفلاح، في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24” أن تكليف فائز السراج بتشكيل الحكومة لم يلتزم بالاتفاقيات الأولية، مثل توزيع الحقائب الوزارية على المناطق المختلفة، مما أدى إلى فشل التوافق أمام القوى السياسية في طرابلس، ومع القوات المسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر. وأوضح أن المجتمع الدولي والبعثة الأممية تجاهلوا نتائج اللجنة الاستشارية التي كان عضوًا فيها، إذ لم تُنفذ توصياتها عمليًا، وبعض البنود لم تُلزم أي طرف، مؤكدًا أن الحل يجب أن يكون داخليًا ويعتمد على القوى الفاعلة على الأرض وليس على قرارات خارجية.
وأشار الفلاح، إلى أن اجتماعات مثل مؤتمر روما برعاية أمريكية يمكن اعتبارها بذرة يمكن البناء عليها، إلا أن الأزمة في ليبيا ليست مرتبطة بالدستور أو القوانين، بل بحاجة إلى حل عملي يركز على بناء هيئة أو مؤسسة تنفيذية تجمع الليبيين حول وطنهم. مؤكدا أن وجود حكومتين متوازيتين لن يحل الأزمة، بل يفاقم الوضع السياسي والاقتصادي والعسكري.
ورأى أن الحل يكمن في تشكيل حكومة تنفيذية واحدة قادرة على توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والحكومية، بالتنسيق مع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة الاستشاري، بما يضمن التوافق بين القوى القوية على الأرض وتحقيق الاستقرار والتقدم نحو الانتخابات.
ولفت الفلاح، إلى أن أي توافق بين مجلسي الدولة والنواب، لم يُنفذ بالشكل المتوقع، موضحًا أن مجلس الدولة دوره استشاري بينما النواب، هو المسؤول التشريعي عن إصدار القوانين.
وفي حديثه عن دور القوات المسلحة، شدد الفلاح، على أن القائد العام المشير خليفة حفتر مسؤول عن مهام إشرافية، بينما يتولى نائبه الفريق صدام حفتر مهام ميدانية وإدارية مختلفة، مؤكدًا على أهمية دعم المؤسسة العسكرية التي بدأت في صقل جنودها في دول مثل روسيا، وكندا، وباكستان، والأردن.
ورأى الفلاح أن تحميل المشير خليفة حفتر أو القيادة العامة مسؤولية كل الأزمات السياسية والأمنية في ليبيا يمثل تبسيطًا مخلًا بالواقع، مؤكدًا أن كثيرًا من القرارات التي تُنسب لحفتر صدرت في الحقيقة عن جهات حكومية أو مؤسسات أخرى، وليس عن القيادة العامة بشكل مباشر.
وأوضح، أن قرار تعطيل أو تنظيم الانتخابات البلدية في بعض المناطق لم يكن قرارًا صادرًا عن القائد العام، بل عن الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، مشددًا على أن خصوم حفتر يتعمدون، بحسب وصفه، تحميله مسؤولية أي تطور سياسي أو إداري بغض النظر عن الجهة التي اتخذت القرار فعليًا.
وأشار إلى أن هذه الإشكالية تعكس خللًا أعمق في طريقة إدارة المشهد السياسي، حيث يتم القفز فوق الواقع ومحاولة بناء “دولة مثالية افتراضية”، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات معيشية واقتصادية خانقة، داعيًا إلى التعاطي مع موازين القوى القائمة بدل تجاهلها أو إنكارها.
واعتبر أن ليبيا تعيش اليوم واقع وجود قوتين أمر واقع تحظيان بموارد ودعم شعبي نسبي في مناطق نفوذهما، مؤكدًا أن تجاوز هذا الواقع أو القفز عليه لن يقود إلى حل، بل سيزيد من تعقيد الأزمة، مشددًا على أن الحل الأكثر واقعية يتمثل في التوجه نحو تشكيل حكومة واحدة تمثل جميع الليبيين.
وفيما يخص صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، أوضح الفلاح، أن الموارد المالية التي تم صرفها خلال السنوات الماضية لم توضع في خزانات خاصة، بل استُخدمت في تنفيذ مشاريع ميدانية حقيقية.
وأضاف أن الصندوق، الذي يديره المهندس بالقاسم حفتر، صرف خلال ثلاث سنوات مبالغ ضخمة على عقود شركات تنفيذية، بالإضافة إلى تنفيذ أعمال إعادة إعمار في بنغازي، بما في ذلك الطرق والجسور والمستشفيات والجامعات التي دمرتها داعش وأنصارها من الجماعات الإرهابية.
ورأى أن القوات المسلحة الموجودة على الأرض يجب أن تكون طرفًا رئيسيًا في أي حل سياسي للحفاظ على الأمن والاستقرار، لافتاً إلى أن المجلسين “النواب والأعلى للدولة” هما الجهتان اللتان ستعتمدان أي توافق سياسي، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة، يدرك الوضع الراهن ويسعى إلى تحقيق نتائج ملموسة.
وتطرق الفلاح، إلى مسألة الاستقرار، معتبرًا أن الهدف من ثورة فبراير ليس مجرد توفير استقرار جزئي مثل صرف المرتبات أو تأمين المواد الغذائية الأساسية، بل بناء دولة فعلية. مؤكداً أن الحديث عن “دولة فبراير” أو “دولة الأحلام” – حسب وصفه – غير واقعي، داعيًا إلى التعامل مع الواقع الميداني القائم في ليبيا.
وانتقد الفلاح بشدة مسارات الحوار التي ترعاها البعثة الأممية، وعلى رأسها ما يعرف بـ “الحوار المهيكل”، واصفًا إياه بـ “المسرحية السياسية” التي تفتقر، وفق تعبيره، إلى الكفاءة والخبرة، سواء من حيث تركيبة المشاركين أو مخرجاته المتوقعة، معتبرًا أن هذه المسارات لا تعكس حجم وتعقيد الأزمة الليبية.
كما أبدى تحفظه على ما وصفه بـ “الهياكل الوهمية” التي يتم إنتاجها تحت مسميات المجتمع المدني أو اللجان الاستشارية، مؤكدًا أن كثيرًا من هذه الأجسام لا تمتلك الخبرة السياسية أو الدراية الكافية لتقديم حلول حقيقية لأزمة ممتدة منذ أكثر من عقد.
وشدد الفلاح على ضرورة تجاوز هذه المسارات والانتقال إلى حلول واقعية، تبدأ بتوحيد السلطة التنفيذية، والتعامل الجاد مع الملفات الأمنية والمعيشية، بدل الاستمرار في تدوير الأزمة عبر حوارات شكلية لا تفضي إلى نتائج ملموسة.
واعتبر الفلاح أن المسار الأسرع والأكثر أمانًا لليبيا هو الاعتراف بالواقع السياسي والعسكري القائم، والعمل على بناء تسوية وطنية حقيقية تنهي حالة الانقسام، وتضع البلاد على طريق الاستقرار بدل الاستنزاف المستمر.
واختتم أستاذ التاريخ، حديثه بالتأكيد على ضرورة إعداد قوانين جديدة وتشكيل حكومة توافقية تمثل كافة الليبيين، على غرار حكومة تكنوقراط، مع الإشارة إلى إمكانية استبعاد بعض الشخصيات الحالية إذا تطلب التوافق السياسي ذلك. مشدداً على أهمية تشكيل حكومة تنفيذية جديدة تشمل وزراء حقيقيين لإدارة وزارات الداخلية والحكم المحلي والإشراف على الانتخابات، لضمان تنظيم ومتابعة مدنية فعّالة.









