اخبار مميزةليبيا

العبار: مجلس الدولة تجاوز دوره الاستشاري وأصبح عقبة أمام الاستحقاقات

قال المحلل السياسي صلاح العبار إن تعطيل مسار الاستفتاء على مشروع الدستور لا يعود لأسباب فنية أو قانونية، بل يرتبط بعوامل سياسية داخلية وخارجية معقدة، مؤكدًا أن أي وثيقة دستورية يمكن تمريرها فنيًا بمجرد توفر التوافق السياسي.

وفي مداخلة له على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة24″، أوضح العبار أنه تابع بيان المفوضية العليا للانتخابات بشأن الاستفتاء على الدستور، إضافة إلى ما دار سابقًا بين الحكومة ومجلس الدولة، مشيرًا إلى أن الجدل القانوني موجود، إلا أن جوهر الأزمة سياسي بالدرجة الأولى.

وبيّن أن المفوضية، من حيث اختصاصها، تتعامل مع مجلس النواب بوصفه الجهة التشريعية، وهو ما واجه اعتراضًا من بعض أعضاء الأعلى للدولة على بنود محددة في مشروع الدستور، وأدى بالتالي إلى تعطيل العملية. مشيراً إلى أن الخلاف الجوهري يدور حول شكل الدولة، وما إذا كانت مركزية أو مركبة أو قائمة على نظام اتحادي.

وأشار العبار إلى أن هذه الخلافات تنبع من مخاوف قوى سياسية محددة، وعلى رأسها تيارات الإسلام السياسي، لا سيما فيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية، وإدارة المال العام، وقطاع النفط، مؤكدًا أن هذه المخاوف غالبًا لا تنطلق من اعتبارات وطنية، بل من رغبة في الحفاظ على النفوذ والتوازنات القائمة.

وبين أن هناك عوامل خارجية تضغط أيضًا على مسار الدستور، موضحًا أن بعض الدول لا ترغب في قيام نظام سياسي معين في ليبيا، خاصة النظام الرئاسي الذي يتركز فيه القرار بيد رئيس واحد، في ظل الانقسام العسكري والسياسي المستمر وعدم تحقق التوافق الفعلي بين الأقاليم.

وأكد أن مشروع الدستور، بحسب معارضيه، لم ينبثق عن قاعدة توافق شعبي واسعة، بل ظل محصورًا في إطار التجاذب بين مجلسي النواب والدولة، حيث تبدو الخلافات بينهما عميقة وواضحة، ما يجعل البعد السياسي طاغيًا على فكرة إقرار الدستور.

وشدد العبار على أن مصالح دولية، من بينها فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، تلعب دورًا في تعطيل المسار، نظرًا لارتباط شكل الدولة الليبية المستقبلية بمصالح تلك الدول في مجالات النفط والغاز والنفوذ السياسي، إضافة إلى رؤيتها لطبيعة النظام، سواء كان موحدًا أو قائمًا على أقاليم فيدرالية ذات صلاحيات واسعة.

ورأى أن إشكالية الدستور لا تتعلق ببنود تفصيلية مثل مكانة الشريعة في التشريع أو تبعية القيادة العليا للجيش، بل تعكس صراعًا سياسيًا داخليًا وتدخلًا خارجيًا واسعًا، ما يجعل المسار معطلًا ومعقدًا بعيدًا عن التفسيرات المبسطة.

ولفت إلى أن تدخل مجلس الدولة في العديد من الخلافات مع مجلس النواب أسهم في تعطيل التقدم في ملفات أساسية، بما في ذلك المسار الدستوري والعملية الانتخابية وملفات الوزارات والحكومات، معتبرًا أن هذه التعطيلات أصبحت نمطًا متكررًا يعرقل أي توافق سياسي.

واعتبر العبار أن التركيز على الجوانب الفنية أو القانونية، مثل أحقية طرف على آخر، لا يعالج أصل المشكلة، مؤكداً أن استمرار الأزمة يعود إلى وجود مجلس الدولة إلى جانب مجلس النواب، وما يترتب على ذلك من تضارب في الصلاحيات وغياب الانسجام المؤسسي. وأضاف قائلاً: مجلس الدولة سيظل، في تقديره، معترضًا على أي توافقات تتعلق بالاتفاقات الدولية أو بالمسار الانتخابي، مشيرًا إلى أن إقرار الدستور وإجراء الانتخابات سينهي جميع الأجسام المؤقتة، وعلى رأسها مجلس الدولة نفسه، باعتباره جسماً غير منتخب مباشرة من الشعب.

وأكد أن السياسة الدولية ساهمت في تكريس وجود جسمين سياسيين في ليبيا، هما مجلسي النواب، والأعلى للدولة، ما عزز حالة الانقسام وكرّس واقعًا سياسيًا مختلًا، وصل في بعض الأحيان إلى وضع الأعلى للدولة في موقع متقدم على البرلمان.

وفيما يتعلق بالدعوات إلى تغيير المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، شدد العبار على أن تحميل المفوضية مسؤولية الأزمة غير دقيق، موضحًا أنها قامت بواجباتها الفنية وفق المهام الموكلة إليها، وأن الإشكال الحقيقي يكمن في الأجسام السياسية غير المنتخبة والقوانين المتنازع عليها، وليس في المفوضية نفسها. وأكد أن استمرار تعطيل المسار الدستوري والانتخابي سيبقي ليبيا رهينة للأجسام المؤقتة، ويؤخر الوصول إلى حل شامل قائم على الشرعية الشعبية والانتخاب الحر.

وأوضح العبار أن الاتفاق السياسي نص صراحة على أن يكون دور المجلس الأعلى للدولة استشاريًا فقط، ومحصورًا في إبداء الرأي بشأن المناصب السيادية والقوانين ذات الطابع السيادي، مؤكداً أن هذا الدور لا يشمل أي صلاحيات تنفيذية أو اختصاصات أخرى خارج نطاق المناصب السيادية.

وأضاف أن بعض الأطراف اعتمدت على فكرة أن المجلس الأعلى للدولة أصبح جسماً تشريعياً يمثل جهة معينة، في سياق سعي المجتمع الدولي آنذاك لتحقيق “توازنات سياسية”، خصوصًا بعد خسارة بعض الأطراف لمواقعها في الدولة عقب الانتخابات البرلمانية. وبيّن أن وجود مجلس النواب في طبرق دفع إلى خلق جسم آخر في طرابلس ليكون موازياً له، بذريعة الحفاظ على التوازن ومنع الانقسام.

وبينّ العبار إلى أن التخويف من شبح التقسيم كان حاضرًا بقوة في تلك المرحلة، حيث استُخدم كذريعة لإنشاء مجلس الدولة، مؤكداً أن عدداً من أعضائه كانوا في الأصل من أعضاء المؤتمر الوطني العام، ضمن ما وصفه بـ “ترضية أطراف داخلية وخارجية على حساب الدولة”.

وحملّ العبار مجلس النواب جزءًا من المسؤولية، معتبراً أنه كان من المفترض عدم الاعتراف بهذا الجسم، لأن الجهة المنتخبة والمخولة دستورياً هي البرلمان، وهو صاحب الحق في سن القوانين واعتماد التشريعات، بما في ذلك اعتماد الدستور واختيار الحكومة.

وأكد العبار أن نتائج هذا المسار ما زالت قائمة حتى اليوم، حيث تحوّل مجلس الدولة، بحسب وصفه، إلى مجلس يمثل توجهاً سياسياً خاصاً داخل إقليم طرابلس، يعارض البرلمان أحياناً ويتوافق معه أحياناً أخرى، قبل أن يعود إلى التعطيل بفعل ما سماه “التعليمات أو الإملاءات الخارجية”.

واعتبر أن وجود هذا الجسم أصبح عاملاً معطِّلاً للمسار السياسي، إذ يتذرع بالقوانين وغيرها رغم كونه مجلساً استشارياً، لكنه تغوّل على قرارات الدولة وأضحى جسماً موازياً للبرلمان، ما أدى إلى وجود برلمانين فعليين، مؤكداً أن أي أمل في التوافق سيظل صعب المنال طالما استمر وجود جسم سياسي موازٍ له توجهه الخاص.

وأشار العبار إلى أن مرحلة ما بعد انتخاب مجلس النواب شكّلت نقطة تحوّل حاسمة في المشهد السياسي الليبي، حيث بدأ المجتمع الدولي، وفق قوله، في إعادة تشكيل المعادلة السياسية عبر رفض غير مباشر لمخرجات انتخابات برلمانية خرجت من إرادة الشعب وأُجريت تحت إشراف دولي وبمعايير نزاهة.

وأوضح أن هذا الرفض مثّل الشرارة الأولى للصراع السياسي، ما قاد إلى انقسام البلاد وخلق أجسام موازية، في وقت غاب فيه الشعب إلى حد كبير عن مجريات الأحداث بسبب تدهور الوضع الأمني والعسكري، وانشغال المواطنين بالحرب على الإرهاب والصراعات المسلحة المفروضة عليهم. مشيراً إلى أن هذه الظروف استُغلت لتأسيس كيانات سياسية جديدة تم التعامل معها دولياً، وعلى رأسها مجلس الدولة، مؤكداً أن إنشاء هذه الأجسام لم يكن بدافع التوافق الوطني أو تفادي الانقسام، بل لتلبية متطلبات التعامل الخارجي.

وأشار العبار إلى أن الانقسام نتج عن تكتلات وجماعات “ارتهنت الوطن” وما زالت، ما أدى إلى ارتهان القرار الوطني للتدخلات الخارجية، محمّلاً هذه الأجسام السياسية مسؤولية تعميق الأزمة، إلى جانب أدوار سابقة لحكومة الوفاق وغيرها.

وتابع: الشعب الليبي دفع ثمن هذا المسار، إذ يعاني من تقلبات حادة على المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية، لافتاً إلى أن المجالس التشريعية القائمة، سواء مجلس النواب أو مجلس الدولة، لم تعد تعبّر عن ليبيا بقدر ما أصبحت خاضعة لتأثير المنظمات الدولية والدول المتدخلة.

وأكد أن العالم يتجه اليوم نحو تدويل الصراعات، مستفيداً من ضعف وهشاشة الدولة الليبية، الأمر الذي أسهم في تكريس الانقسام وحصار الشعب اقتصادياً وسياسياً.

وختم العبار مداخلته بالتعبير عن توقعه بتحرّك شعبي واسع في مختلف أنحاء ليبيا، يهدف إلى إنهاء الخلافات السياسية ووضع حد لوجود الأجسام السياسية الحالية، وصولاً إلى مسار وطني جامع يلبي تطلعات الليبيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى