اخبار مميزةليبيا

أوغلو: المعطيات الفنية والتصريحات الرسمية ترجّح إسقاط طائرة الحداد عمدًا

اعتبر الباحث في العلاقات الدولية، مهند حافظ أوغلو، أن المعطيات الفنية والتصريحات الرسمية، ومنها ما صدر عن وزير النقل التركي، بشأن تضرر الصندوق الأسود، لطائرة الراحل محمد الحداد، تعزز فرضية الإسقاط المتعمد لا السقوط العرضي، مؤكدًا أن الصندوق الأسود مصمم تقنيًا لتحمل أقسى الظروف من حرارة وضغط، ما يجعل تعرضه للتلف مؤشرًا على تدخل خارجي.

واعتبر أوغلو، في تصريحات لقناة «سلام»، رصدتها «الساعة 24»، أن السياسة تقوم على مبدأ الشك إلى أن يثبت العكس، لافتًا إلى أن مجمل المؤشرات المرتبطة بهذه الحادثة تدل على وجود أطراف لا ترغب في استقرار ليبيا، ولا في انتقالها إلى دولة موحدة برئيس واحد، وتسعى إلى الإبقاء على حالة الانقسام والتشرذم بما يخدم مصالح دولية بعينها.

وأضاف أن المرحلة التي سبقت حادثة إسقاط الطائرة شهدت تقدمًا ملحوظًا في مسار التفاهمات، وتحركات متوازنة تجاه الشرق والغرب الليبيين، إلى جانب خطاب سياسي أقل تصعيدًا من مختلف الأطراف، معتبرًا أن الحادثة شكلت نقطة تحول أعادت الملف الليبي إلى حالة الجمود.

وأوضح أن المسار السياسي والعسكري في ليبيا كان قد قطع شوطًا متقدمًا، ووصل إلى ما وصفه بالمراحل الأخيرة التي كان يُفترض أن تقود، في منتصف العام، إلى تشكيل حكومة واحدة، غير أن تطورًا مفصليًا غيّر مجرى الأحداث ومسار التاريخ الليبي الحديث، تمثل في حادثة إسقاط طائرة الحداد ومرافقيه.

وفي سياق اَخر، رأى أوغلو أن إصرار البعثة الأممية على الدفع نحو انتخابات في ليبيا من دون وجود دستور دائم يشكل جوهر الإشكال السياسي الراهن، موضحًا أن أي عملية انتخابية تفتقر إلى أرضية دستورية وقانونية واضحة لا يمكن أن تنتج استقرارًا حقيقيًا أو بناءً مؤسسيًا سليمًا.

وأوضح أن هذا التوجه يعكس، في تقديره، سعيًا من البعثة الأممية إلى إخماد النيران السياسية والعسكرية مؤقتًا والإبقاء على الوضع القائم، بدل الانخراط في حلول جذرية تعالج أصل الأزمة الليبية.

وقال أوغلو، إن البعثة الأممية في ليبيا تعمل بمزيج من التفويض الدولي وحسابات القوى الكبرى، مرجحًا أن يكون أداؤها منحازًا لمصالح الدول التي فوضتها أكثر من كونه موجهًا لخدمة الملف الليبي أو تطلعات الشعب الليبي نحو الاستقرار وبناء دولة موحدة.

وأكد أن استمرار البعثة الأممية في النهج الحالي سيبقي الأزمة الليبية عالقة في مكانها، مشددًا على أن دورها، بصيغته الراهنة، كان ولا يزال سلبيًا في إعاقة الوصول إلى حل حقيقي ومستدام للأزمة.

وأشار أوغلو، إلى أن الحالة الليبية لا يمكن مقارنتها بتجارب دول أخرى مثل السودان أو لبنان، مؤكدًا أن السودان شهد مطالبات واضحة بالانقسام، بينما يقوم الواقع اللبناني على تعددية طائفية وأيديولوجية معقدة، في حين أن المجتمع الليبي رغم بعض الاختلافات المحدودة، يقوم على دين واحد وأيديولوجية عامة واحدة، ولا توجد فيه مطالب حقيقية أو واسعة النطاق بالتقسيم، سواء في الشرق أو الغرب.

وأضاف أن ليبيا تختلف كذلك عن الحالة العراقية، حيث برزت نزعات انفصالية واضحة في إقليم كردستان، لافتًا إلى أن مثل هذه النزعات غير موجودة في ليبيا، وأن أي تلويحات سابقة بالفيدرالية أو التقسيم سرعان ما خمدت واختفت من المشهد العام.

وأكد أوغلو، أن تقسيم ليبيا غير ممكن لا من الناحية البنيوية ولا بحكم موقعها الجغرافي، مشددًا على أن أي مسار سياسي يتجاوز معالجة الأساس الدستوري للدولة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة وإطالة أمد المرحلة الانتقالية.

ورأى أن القوى الدولية المتدخلة في الشأن الليبي تخشى في جوهرها من تبلور رؤية ليبية موحدة، معتبرًا أن امتلاك ليبيا لرؤية وطنية جامعة ودستور واضح من شأنه أن يقيّد قدرة هذه الدول على التدخل والتأثير في مخرجات السلطة، لافتًا إلى أن الموقع الجيوسياسي لليبيا يؤهلها، في حال استقرارها، لفرض إيقاعها السياسي على أطراف دولية كبرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي.

وأكد أوغلو رفضه القاطع لسيناريو تقسيم ليبيا، مشددًا على أن التجارب التاريخية والمعاصرة، مثل توحيد ألمانيا الشرقية والغربية، تُظهر أن الانقسام ليس قدرًا محتومًا، مضيفًا أن الدول العربية، سواء في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا، لا يمكن أن تنجح إلا في إطار دولة مركزية قوية، وكلما كانت الدولة أكثر مركزية زادت فرص نجاحها واستقرارها.

وأوضح أن ليبيا لا يمكن إلا أن تكون دولة مركزية بحكم تركيبتها الاجتماعية، مؤكدًا أن الشعب الليبي واحد، وأن الليبيين، على اختلاف مواقعهم، يرفضون التقسيم، مشيرًا إلى أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في النزعات الانفصالية، بل في غياب الجرأة لدى الأطراف السياسية والعسكرية على تقديم تنازلات متبادلة، حيث “يتمترس” كل طرف خلف قوته العسكرية والسياسية والقبلية بهدف الإبقاء على الوضع القائم.

واعتبر الباحث في العلاقات الدولية، أن إصرار البعثة الأممية على الدفع نحو انتخابات من دون دستور دائم يهدف إلى إغراق المشهد في التفاصيل وإدامة حالة الدوران في حلقة مفرغة، موضحًا أن وجود بوصلة دستورية واضحة من شأنه أن يفقد البعثة ومن يقف خلفها من دول كبرى أدوات التأثير والسيطرة على المسار السياسي، في حين أن استمرار الانقسام يخدم هذه المصالح.

وأشار إلى أن حل الأزمة الليبية لن يأتي عبر البعثة الأممية أو القوى الدولية الكبرى، بل من خلال دور إقليمي فاعل تقوده دول الجوار المؤثرة، وعلى رأسها تركيا ومصر، بالتوازي مع توافق حقيقي بين القوى في الشرق والغرب، محذرًا من أن الذهاب نحو التقسيم أو ترسيم حدود بين دولتين قد يعيد البلاد ليس فقط إلى المربع الأول، بل إلى ما قبله، بما يعني اندلاع حرب أهلية شاملة.

وشدد أوغلو، على أهمية الترابط البنيوي بين شرق ليبيا وغربها، مؤكدًا أن الغرب لا يستطيع الاستغناء عن الشرق بسبب الموارد، كما أن الشرق لا يستطيع الاستغناء عن الغرب بسبب الثقل الدولي للعاصمة طرابلس، معتبرًا أن الكرة باتت في ملعب الأجسام السياسية الليبية، إما أن تفرض إرادتها الوطنية وتمنع تحويل ليبيا إلى دولة ضعيفة، أو تترك المجال لاستمرار الدور الأممي بما يحمله من إضعاف للدولة واختبار حقيقي لمستقبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى