بوالرايقة يكشف مخاطر التطبيقات غير المؤمّنة على الأمن القومي الليبي

حذّر الخبير في شؤون الأمن القومي فيصل بو الرايقة، من التحولات العميقة والخطيرة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في بيئة التهديدات الأمنية، مؤكداً أن العالم، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024، شهد تغيرات جذرية في طبيعة الإرهاب والصراعات، حيث انتقلت ساحات المواجهة من الصحاري والجبال، ومناطق النزاع التقليدية إلى الفضاء الرقمي وعقول الناس.
وأوضح بوالرايقة، في مداخلة عبر قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن تقارير حديثة تتناول ما يُعرف بـ “إرهاب المستقبل” تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد حكراً على الدول والمؤسسات السيادية، بل أصبح متاحاً عبر شركات التكنولوجيا الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي كسر احتكار الدولة للتفوق المعلوماتي والتقني، وأتاح لجماعات من غير الدول امتلاك أدوات بالغة الخطورة للتأثير والاختراق.
وأشار إلى أن هذا التحول أوجد تهديداً رقمياً وتقنياً معقّداً، إذ مكّن الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة من العمل داخل البيوت والغرف المغلقة، دون الحاجة إلى تحركات ميدانية تقليدية، معتمدة في ذلك على التضليل، وبناء الوعي الإدراكي وصناعة القناعات قبل اللجوء إلى استخدام السلاح.
وأكد بو الرايقة، أن بعض الدول، وفي مقدمتها إسرائيل، تخصص ما بين 10 إلى 12 في المئة من مواردها للاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي، وهو ما انعكس بوضوح في الحروب الأخيرة، سواء على مستوى المواجهات الإقليمية أو العمليات الخاصة، حيث لعب التفوق المعلوماتي والاستخباراتي دوراً حاسماً في إدارة الصراع وحسم نتائجه.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي أسهم في ردم الفجوة بين الجماعات المسلحة والدول، وفتح ميادين صراع جديدة تقوم على التأثير في الرأي العام وتوجيهه، معتبراً أن “الوعي الإدراكي بات اليوم ميزان المعركة الحقيقي”، وليس فقط التفوق العسكري التقليدي.
وفيما يتعلق بقدرة المؤسسات الأمنية الليبية على مواجهة التهديدات الإرهابية الرقمية، لا سيما في مجالات التضليل والتجنيد عبر الإنترنت، أوضح بو الرايقة أن أنماط التجنيد تغيّرت بصورة جذرية؛ فبعد أن كان التجنيد التقليدي يعتمد على الانتقال الجغرافي والاحتكاك المباشر داخل البيئات المتأثرة بالحروب، أصبح اليوم يتم خلال ساعات قليلة عبر المنصات الرقمية، من دون عناء يُذكر أو تماس مباشر.
ولفت في هذا السياق إلى أن تطبيقات واسعة الانتشار، مثل “تيك توك”، تحولت إلى بيئة خصبة لمثل هذه التهديدات، مستشهداً بتجارب دولية، من بينها تركيا، التي سارعت مبكراً إلى إنشاء وحدات متخصصة في استخبارات التقنية، وإشارات الاتصال، ودمجتها ضمن القوات المسلحة، بهدف التصدي لهذا النوع المتطور من التحديات.
وحذّر بو الرايقة من المخاطر الجسيمة لاستخدام شبكات الاتصال غير المؤمّنة، وعلى رأسها تطبيق “واتساب”، مؤكداً أنها تمثل ثغرة خطيرة قد تؤدي إلى انكشاف استراتيجي لقيادات عليا ووسطى، وتسهم في تسهيل عمليات الاختراق والرصد.
كما نبّه إلى خطورة البيانات الخاصة بالمواطنين الليبيين المخزنة لدى شركات أجنبية تشرف على أنظمة مصرفية، موضحاً أن هذه البيانات، التي تشمل الأسماء والصور والأعمار والميول، يمكن توظيفها في عمليات التصنيف والتلاعب، بما في ذلك التأثير على المزاج العام وتوجيه الرأي العام خلال مراحل حساسة، مثل الاستحقاقات الانتخابية.
واختتم بو الرايقة حديثه بالتأكيد على أن العالم دخل مرحلة متقدمة من حروب الجيل الخامس، حيث يجري دمج الذكاء الاصطناعي، والتطبيقات الذكية، والعمل الاستخباراتي الميداني، وحتى الأقمار الصناعية، ضمن منظومة واحدة متكاملة، كما ظهر في بعض الصراعات الأخيرة التي شهدت اختراقات لقيادات عسكرية واستخباراتية وعلماء متخصصين.
وشدد في ختام حديثه على أن الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي لم يعودا مجرد خيارات تقنية، بل تحوّلا إلى تحدٍّ وجودي حقيقي يواجه أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي والخارجي في مختلف دول العالم.









