اخبار مميزةليبيا

العبار: التقرير الأولي لا يقدم معطيات فنية حاسمة حول سقوط طائرة الحداد

قال الخبير في مجال الطيران، صلاح العبار، إن التقرير الأولي الصادر عن المدعي العام التركي، بشأن حادثة سقوط طائرة الحداد، لا يقدم حتى الآن معلومات فنية ملموسة يمكن البناء عليها في مسار التحقيقات، معتبرًا أنه يندرج في إطار الروايات والتكهنات أكثر من كونه معطيات مؤكدة.

وأوضح العبار، في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن الرواية الأولى للحادث تحدثت عن خلل كهربائي في حاسوب الطائرة، أعقبه تواصل بين قائد الطائرة وبرج المراقبة لطلب الإذن بالهبوط في أقرب مطار، قبل أن تنقطع الاتصالات، في حين ظهرت لاحقًا رواية جديدة تفيد بوقوع تصادم مع جبال أنقرة.

وأشار العبار، إلى أن آلية عمل الطيران التجاري تقوم على خطة طيران متكاملة يتم إعدادها مسبقًا من قبل قائد الطائرة والجهات المختصة، وتتضمن جميع البيانات المتعلقة بالوقود، ومسار الرحلة، والمطارات البديلة، وحالة الطقس، والارتفاعات، والسرعات، وتكون هذه المعلومات مخزنة ومسجلة في أنظمة الطائرة ومسلّمة إلى برج المراقبة.

وبيّن أن هذه المنظومة تخضع لمتابعة دقيقة من قبل مراقبة الحركة الجوية منذ وجود الطائرة على الأرض وحتى انتهاء رحلتها، بما يشمل مراقبة الارتفاعات وتفادي أي تصادم جوي، مؤكدًا أن إعطاء ارتفاعات قد تشكل خطرًا بسبب التضاريس الجبلية يُعد أمرًا غير سهل الحدوث ضمن هذه الأنظمة.

ولفت العبار، إلى أن السيناريو الذي قد يفسر اصطدام طائرة تجارية بجبل يتمثل في اعتماد الطيار على الرؤية الشخصية، وهو أمر محظور في الطيران التجاري، لا سيما في الظروف الجوية السيئة أو في حال وجود ضباب.

وأضاف أن الأعطال الكهربائية، حتى في حال وقوعها، لا تؤدي إلى إعطاء قراءات خاطئة لارتفاع الطائرة أو لأنظمة الملاحة مثل نظام تحديد المواقع، وبالتالي لا تشكل بحد ذاتها سببًا مباشرًا لاصطدام الطائرة بجبل.

وأكد العبار، أن غياب تسجيلات الصندوق الأسود حتى الآن يحول دون الوصول إلى نتائج حاسمة، مشددًا على أن ما يُطرح حاليًا لا يتعدى كونه روايات جزئية.

واستحضر العبار، في هذا السياق حادثة الطائرة الألمانية عام 2015 التي اصطدمت بجبال الألب، والتي ثبت لاحقًا أنها نتيجة فعل متعمد بعد استكمال التحقيقات واستخراج المعطيات الفنية الكاملة، معتبرًا أن الإعلان عن معلومات غير مكتملة، مثل الاكتفاء بالقول إن الطائرة اصطدمت بجبل، يفتح باب التأويل ويثير الشكوك حول دوافع طرحها في هذا التوقيت.

وأوضح أن التقرير الأولي أشار إلى إبلاغ الطائرة برج المراقبة بوجود عطل كهربائي وطلبها الهبوط الاضطراري عند الساعة الثامنة وثلاث وثلاثين دقيقة، قبل اختفائها عن شاشات الرادار بعد ثلاث دقائق فقط، مؤكدًا أن هذا التسلسل الزمني لا يرجح بالضرورة فرضية الخلل في الأنظمة الإلكترونية بوصفه سببًا مباشرًا للحادث. وبيّن أن السيناريوهات المحتملة تشمل خللًا في الأنظمة الآلية أو الحاسوبية، أو خطأً بشريًا ناتجًا عن تقدير غير صحيح من الطيار أو ضعف في التعامل مع الحالة.

وأشار العبار، إلى أن الخلل الكهربائي، وفق الأنظمة المعتمدة في الطيران، لا يؤثر على قراءات الارتفاع التي تعتمد على نظام الضغط الميكانيكي أو الهيدروليكي، لافتًا إلى أن الطائرات مزودة بأنظمة بديلة وبطاريات احتياطية تضمن استمرار معرفة الارتفاع حتى في حال تعطل الكهرباء.

وأضاف أن خطط الطيران تكون محددة مسبقًا لدى قائد الطائرة، وتشمل الارتفاعات والمسارات الآمنة التي تبتعد عن المخاطر الطبيعية مثل الجبال، فضلًا عن تجنب تزاحم الطائرات، وتكون هذه الخطط خاضعة لمتابعة مستمرة من مراقبة الحركة الجوية.

وأكد أن الطائرة تبقى على تواصل دائم مع أبراج المراقبة حتى في حالات الخلل الفني أو سوء الأحوال الجوية، حيث يتم إعطاء تعليمات دقيقة تتعلق بالارتفاعات أو التوجه إلى مطارات بديلة بما يضمن سلامة الملاحة الجوية، مشيرًا إلى أن حركة الطيران العالمية، التي تضم ملايين المسافرين ومئات الطائرات في الجو في الوقت ذاته، تقوم على حسابات دقيقة تقلل من احتمالات الاصطدام أو الخطأ غير المحسوب.

وبيّن العبار، أن فرضية اعتماد الطيار على الرؤية الشخصية في أجواء ضبابية أو ممطرة تبقى غير محسومة، ولا يمكن الجزم بها دون معرفة ما جرى داخل قمرة القيادة، موضحًا أن ردود فعل الطيار وما شاهده أو قرره في اللحظات الأخيرة تبقى محفوظة في الصندوق الأسود، الذي يمثل العنصر الحاسم في كشف حقيقة ما حدث.

وتطرق العبار، إلى ما يُثار من نظريات مؤامرة، موضحًا أن الشخصية التي كانت على متن الطائرة تتمتع بصفة رسمية وشرعية كرئيس أركان في حكومة معترف بها دوليًا، ما يجعل سيناريو الاستهداف داخل دولة مستضيفة أمرًا بالغ الحساسية، نظرًا لما يحمله من تعقيدات سياسية وأمنية. لافتاً في الوقت ذاته إلى احتمال وجود أطراف أخرى متداخلة، مع التأكيد على رمزية الشخصية بغض النظر عن حجم نفوذها العسكري الفعلي.

وأوضح العبار، أن منظمة الطيران المدني الدولي «الإيكاو» معنية بالجانب الفني للحادث وليس الجنائي، وأن الدولة التي وقع فيها الحادث ملزمة بتقديم تقريرها الفني للمنظمة، نظرًا لصلاحياتها الواسعة المتعلقة بسلامة الطيران، بما في ذلك إصدار التعليمات وتنظيم الرحلات ومنح أو تعليق التراخيص.

وأضاف أن الإيكاو، في حال عدم قناعتها بالروايات المقدمة، يمكنها الاستعانة بخبراء دوليين للمشاركة في التحقيق، نظرًا لاهتمامها الأساسي بمعرفة أسباب سقوط الطائرة من أجل تطوير القوانين والتعليمات التي تضمن سلامة النقل الجوي عالميًا.

وقال العبار، إن ما ورد في التقرير الفني بشأن سلامة الطائرة وعمل محركيها بشكل طبيعي عند وقوع الحادث، إلى جانب عدم تسجيل مؤشرات على عطل فني مباشر، يفرض إعادة توجيه النقاش الفني بعيدًا عن المحركات والتركيز على عناصر أخرى في منظومة الطيران.

وبيّن أن الطائرة تعتمد في بقائها في الجو على عنصرين أساسيين هما قوة الدفع التي توفرها المحركات، وقوة الرفع التي تنتجها الأجنحة وأجزاء أخرى من هيكل الطائرة، موضحًا أنه في حال ثبوت سلامة المحركات فإن الخلل المحتمل قد يكون مرتبطًا بأنظمة الرفع مثل الأجنحة أو مجموعة الذيل.

وأشار إلى أن أي عطل في مجموعة الذيل قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على الطائرة بشكل كامل، ما يمنع الطيار من استعادتها ويؤدي إلى هبوط حاد وسريع.

ورأى أن الفارق الكبير بين الارتفاع الذي كانت تحلق فيه الطائرة، والذي قُدّر بنحو 30 ألف قدم، وارتفاع موقع الاصطدام الذي قُدّر بنحو 1200 متر، يدل على هبوط حاد أشبه بالسقوط الصاروخي، ما يرجح وقوع حدث مفاجئ عطّل قوة الرفع وأدى إلى انهيار في جسم الطائرة قبل ارتطامها بالأرض، معتبرًا أن هذا الطرح يندرج ضمن قراءة فنية ممكنة استنادًا إلى المعطيات المتداولة دون الجزم بأنها السبب النهائي.

وشدد العبار، علي أن الانتقال إلى التفسيرات السياسية ونظريات المؤامرة يجب ألا يتم على حساب التحليل الفني، رغم الإقرار بأن الشكوك تبقى مبررة في ظل سقوط طائرة تقل شخصية عسكرية رسمية وفي دولة لها دور مؤثر في الملف الليبي.

وأضاف أن طبيعة حوادث الطيران، وما يرافقها من غموض وتسريبات متناقضة، تفتح المجال أمام الرأي العام ووسائل التواصل الاجتماعي والمحللين لطرح سيناريوهات متعددة، خاصة عندما تتقاطع الحادثة مع صراعات سياسية وإقليمية.

وأشار إلى أن تسريب معلومات أولية قبل استكمال التحقيق، ولا سيما في ظل وجود الصندوقين الأسودين في بريطانيا لإخضاعهما للتحليل، يزيد من حدة الجدل ويعمق الشكوك، لافتًا إلى تصريحات سابقة تحدثت عن تعرض الصندوقين لأضرار دون وضوح دوافع توقيت الإعلان عن هذه المعلومة.

وأوضح العبار، أن حوادث الطائرات، رغم ندرتها مقارنة بوسائل النقل الأخرى، تحظى بتركيز عالمي كبير نظرًا لحساسيتها وارتباطها بسلامة الملاحة الجوية الدولية. واستشهد بحادثة الطائرة الألمانية عام 2015، التي أسفرت نتائج التحقيق فيها عن سن تشريعات جديدة داخل الاتحاد الأوروبي تتعلق بوجود أكثر من شخص داخل قمرة القيادة، مؤكدًا أن نتائج التحقيقات لا تقتصر على كشف الأسباب فحسب، بل تمتد إلى تطوير القوانين والإجراءات الوقائية.

وختم العبار، بالقول إن التحقيق في هذه الحادثة يهم عدة أطراف، من بينها ليبيا وتركيا وشركة تشغيل الطائرة والدول التي ينتمي إليها طاقمها، مؤكدًا أن لكل هذه الأطراف حق المتابعة والمشاركة في مسار التحقيق، مع التشديد على أن إعلان النتائج النهائية يبقى من صلاحيات الدولة التي وقع الحادث على أراضيها وفق القوانين الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى