اخبار مميزةاقتصاد

طلوبة: أي زيادة في الضرائب أو رسوم الصرف تهدد القدرة الشرائية للمواطن

حذّر أستاذ الاقتصاد عبد اللطيف طلوبة من أن أي زيادة في الضرائب أو الرسوم المرتبطة بسعر الصرف ستنعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطن الليبي، مؤكدًا أن الاقتصاد المحلي شديد الحساسية لأي تغييرات في قيمة الدينار.
وأوضح طلوبة، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدتها “الساعة 24″، أن نحو 90% من السلع الاستهلاكية في ليبيا تعتمد على الاستيراد بالعملة الأجنبية، ما يجعل أي تعديل في سعر الصرف أو قيمة الدينار يؤثر بشكل فوري على مستوى المعيشة، إذ يؤدي انخفاض قيمة العملة المحلية إلى تراجع مماثل في القدرة الشرائية للمواطنين.
وأشار إلى أن آلية اتخاذ القرارات الاقتصادية الأخيرة اتسمت بارتباك واضح وابتعاد عن المسار القانوني والمؤسسي، موضحًا أن تنفيذ مثل هذه الإجراءات كان يتطلب تنسيقًا مسبقًا بين الجهات المعنية، إلى جانب حملة توضيحية للرأي العام لتفسير طبيعة التغييرات وأهدافها.
وبينّ طلوبة أن فكرة استبدال ضريبة الصرف الأجنبي، بنظام ضرائب متدرجة على السلع الأساسية والكمالية تُعد من حيث المبدأ خيارًا اقتصاديًا صحيحًا، لأنها تتيح تخفيف العبء على السلع الأساسية مقابل فرض نسب أعلى على السلع الكمالية، وهو توجه طالما دعا إليه خبراء الاقتصاد في توصيات سابقة.
لكنّه اعتبر أن التجربة الحالية كشفت ضعف التنسيق بين الجهات التشريعية والخبراء الاقتصاديين، واتخاذ قرارات مفاجئة دون إعداد كافٍ، ما أدى إلى حالة من الارتباك لدى الرأي العام، خاصة مع اقتراب شهر رمضان وما يرتبط به من حساسية تجاه أي زيادات في الأسعار أو الرسوم.
ولفت طلوبة إلى أن التجارب الدولية تُظهر أن السياسات الضريبية الناجحة تقوم على التمييز بين السلع بحسب أهميتها للمستهلك، بحيث تُفرض ضرائب منخفضة على السلع الأساسية ومرتفعة على الكمالية، مشددًا على أن تطبيق هذا النموذج يتطلب سياسات واضحة ومدروسة، لا قرارات جزئية أو متسرعة.
وأكد أن أي إجراءات ضريبية يجب أن تأتي ضمن حزمة إصلاح اقتصادي متكاملة، تشمل السياسات المالية والميزانية العامة وضبط الإنفاق، وبالتنسيق بين السلطة التشريعية والحكومة، محذرًا من أن فرض ضرائب منفردة دون معالجة مشكلة الإنفاق العام لن يؤدي إلى الحد من استنزاف النقد الأجنبي أو تحسين الوضع الاقتصادي.
ورأى أن تصنيف السلع إلى أساسية وكمالية يجب أن يستند إلى معايير اقتصادية دقيقة واحتياجات المجتمع، وأن يتم عبر لجان متخصصة تضم خبراء اقتصاديين، مع مراعاة التدرج في دعم السلع الأساسية وفق قدرة الدولة المالية، بما يضمن العدالة الاقتصادية.
وفيما يتعلق بسعر الصرف، شدد طلوبة على أن ليبيا لا تستطيع التخلي عن نظام سعر صرف ثابت أو مدار في ظل اعتمادها شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للدخل، مستعرضًا تجارب سابقة تمكنت فيها البلاد من تجاوز أزمات انخفاض أسعار النفط عبر سياسات استيرادية منضبطة وسيطرة حكومية على الطلب العام.
وحذّر من أن الجدل الحالي حول سعر الصرف يركز على ملفات الفساد والاعتمادات المستندية، لكنه يغفل مشكلة الإنفاق الحكومي الكبير وغير المنضبط، معتبرًا أن تقليص الإنفاق يمثل الخيار الأكثر واقعية وفعالية لمعالجة الأزمة، لأنه يؤدي مباشرة إلى خفض الطلب على العملة الصعبة ويحد من الضغوط على الدينار.
وشدد على أن أي إصلاح اقتصادي مستدام يتطلب خطة شاملة لضبط الإنفاق العام وتنظيم الدعم للسلع الأساسية والكمالية، بدل الاكتفاء بإجراءات آنية تؤثر مباشرة على حياة المواطنين، مؤكدًا أن الانقسام السياسي والصراعات الداخلية تمثل العقبة الأكبر أمام تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية.
وبينّ طلوبة أن أولى خطوات الإصلاح يجب أن تبدأ بتحديد السلع المسموح باستيرادها بالعملة الصعبة وتلك التي يجب تقييدها وفق الموازنة الاستيرادية، موضحًا أن موافقة المصرف المركزي وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون جزءًا من توافق وطني شامل بين مختلف الأطراف.
وأكد أن الأولوية ينبغي أن تُمنح للسلع الأساسية مثل الدقيق والحبوب والمواد الغذائية، مع وضع جدول واضح للأولويات وشروط صارمة على المستوردين، تشمل الالتزام بالضرائب وتوريد السلع وفق ضوابط محددة.
وختم طلوبة تصريحاته بالتأكيد على أن الأزمة الاقتصادية في ليبيا لا تملك حلولًا سهلة، وأن الخيارات المتاحة جميعها مكلفة، إلا أن خفض الإنفاق الحكومي يظل الخيار الأقل كلفة والأكثر تأثيرًا في استقرار سعر الصرف، داعيًا القوى السياسية والاقتصادية إلى التعامل مع هذا الخيار بجدية ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى