الشريف: رفع الدعم أو فرض ضرائب جديدة في الظروف الراهنة كارثي

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، أن الجدل الدائر حول فرض الضرائب في ليبيا لا يمكن فصله عن السياق العام للاقتصاد السياسي، مشيرًا إلى أن معظم الأزمات الاقتصادية الحالية هي نتاج مباشر للانقسام السياسي وتعدد الحكومات.
وأوضح الشريف، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن وجود أكثر من حكومة أدى إلى الحاجة المتزايدة إلى الموازنات العامة، والتي تتطلب بدورها إيرادات، وأن الطريقة التي سعت من خلالها هذه الحكومات لجمع هذه الإيرادات كان لها انعكاسات سلبية مباشرة على المواطن البسيط، خاصة عبر التوجه نحو فرض الضرائب.
وأشار الشريف إلى أن الضريبة تُعد أداة من أدوات السياسة المالية وضمن اختصاص وزارة المالية، ويجب أن تُفرض بقانون واضح ومتكامل يصدر عن جهة تشريعية مختصة، وليس عبر قرارات إدارية كما هو حاصل حاليًا، مؤكداً ضرورة وجود إطار قانوني شامل ينظم العملية الضريبية.
وأضاف أن للضريبة وظائف متعددة، منها مكافحة التضخم، وإعادة توزيع الدخل عبر تحويل جزء من دخول الفئات الغنية إلى الفئات الفقيرة عبر مساعدات نقدية أو عينية، وتمويل عجز الموازنة العامة.
وشدد على أن مكافحة التضخم عبر الضرائب لن تكون فعّالة إلا إذا كان لدى المواطنين فائض من السيولة، وهو أمر لا ينطبق على الواقع الليبي الحالي، لافتًا إلى أن الهدف المعلن من فرض الضرائب على بعض السلع هو الحد من أرباح التجار وتقريب أسعارها من أسعار الدول المجاورة للحد من التهريب، إلا أن هذا الطرح غير واقعي عمليًا في ظل التركيبة الاقتصادية لليبيا.
وبيّن أن ليبيا دولة استهلاكية بمعظمها، إذ يتم استيراد حوالي 90% من احتياجاتها من الخارج، ما يعني أن أي ضريبة على السلع المستوردة تُحمّل مباشرة على المستهلك النهائي، خاصة في ظل انخفاض مرونة الطلب على السلع الأساسية.
وأشار الشريف إلى أن أكثر من 70% من السلع المستوردة تعتبر ضرورية، ما يجعل العبء الضريبي يقع بنسبة تتراوح بين 70% و80% على المواطن، بينما يتحمل التاجر جزءًا بسيطًا، مؤكداً أن الحديث عن ضريبة إنتاج غير واقعي في ظل غياب الإنتاج المحلي. وشدد على أن دخل المواطن الحقيقي يتراجع بسبب انخفاض قيمة الدينار الليبي وفرض ضرائب جديدة، ما يزيد من معاناة الأسر.
وفي المقابل، أوضح أن الضرائب على السلع الكمالية، مثل السيارات الفارهة أو السلع غير المستهلكة من قبل الطبقات محدودة الدخل، يمكن أن تشكل مصدرًا للإيرادات دون الإضرار بالمواطن البسيط.
ورأى الشريف أن فرض ضريبة بنسبة 2% على بعض المواد الغذائية، وفق القرار الأخير، يُعد أمراً مطمئناً نسبياً مقارنة بما طُرح سابقاً، لكنه شدد على أن نجاح أي سياسة ضريبية يعتمد على عدالتها ووضوحها القانوني ومراعاتها للواقع المعيشي للمواطن.
وأكد أن ما يُتداول حول الضرائب الجديدة يشوبه الكثير من الخلط، وأن المسار القانوني الصحيح لإقرار الضرائب يتطلب تقديم المقترح من وزارة المالية أو الحكومة لمجلس النواب، ليتم التصويت عليه وإصداره كقانون، وليس كما حصل من خلال وزارة الاقتصاد بحكومة الدبيبة عبر طلب مباشر من وكيل الوزارة.
ولفت الشريف إلى أن المقترح المقدم كان يفترض أن يكون رسومًا جمركية، لكنه أُدرج ضمن إطار ضريبي بالتنسيق مع المصرف المركزي، ما زاد من تعقيد المشهد، مشيراً إلى أن هذه الآلية ستخفض هامش ربح الموردين بينما يتحمل المواطن كامل الفارق عبر ارتفاع الأسعار، ما يجعل نجاح الضريبة المستحدثة أمراً مستبعدًا. وأضاف أن الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي يشجع على الاستفادة من الاعتمادات، وأن فرض ضريبة إضافية لن يقضي على هذه الظاهرة، بل قد يعمّقها، في ظل استمرار التهريب وعدم تضرر المحتكرين.
وتطرق الشريف إلى الخلاف بين وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي، مشيرًا إلى أن الوزارة تحاول نقل ملف الاعتمادات إلى نطاقها عبر فرض رخص استيراد، ما يفتح الباب أمام المحاصصة والاحتكار وخلق “بزنس” جديد قائم على منح التراخيص، مؤكداً أن المشكلة الحقيقية هي وضع سلطة الاعتمادات بيد جهة واحدة تمنحها القدرة على التحكم بمن يُسمح له بالاستيراد، ما يضر بالمنافسة ويشجع الفساد.
واقترح الشريف تفعيل دور صندوق موازنة الأسعار لاستيراد خمس أو ست سلع أساسية بشكل مباشر لصالح الدولة، وفق مواصفات محددة تشمل نوعية السلع والدول الموردة والأسعار العالمية المعتمدة، لتوزع على مخازن الدولة وتوجه لدعم المواطنين، مؤكداً أن هذه الآلية طبقت سابقاً وحققت نتائج إيجابية في ظل ارتفاع سعر الصرف. كما دعا إلى تنظيم الاستيراد عبر موازنات واضحة وربطها بآليات رقابية من تاجر الجملة إلى التجزئة، محذراً من استمرار تهريب السلع المدعومة، ما يمثل نزيفًا مستمرًا للعملة الصعبة.
وأكد الشريف أن ليبيا، رغم الأوضاع الراهنة، لا تزال من أرخص الدول في أسعار العديد من السلع مقارنة بدول الجوار، نتيجة التهرب الجمركي وفروقات سعر الصرف، ما يستدعي سياسات اقتصادية مدروسة لا تزيد أعباء المواطن. وحذر من ارتفاع حجم الواردات إلى ثلاثة أضعاف حاجة السكان الفعليين، مشيراً إلى أن الاستيراد بهذا الحجم يمثل نزيفاً حاداً للعملة الصعبة ويضعف قدرة المصرف المركزي على حماية الاحتياطيات الأجنبية.
وشدد الشريف على أن أي إجراءات ضريبية أو إصلاحات مالية حالياً قد تكون كارثية، في ظل أوضاع معيشية متدهورة، إذ يعيش أكثر من 50% من الليبيين تحت خط الفقر، محذراً من أن فرض ضرائب جديدة سيدفع شرائح إضافية إلى دائرة الفقر. واستدل على ذلك بالارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية مثل السكر والأرز، مؤكدًا أن الوضع خطير إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإنشاء شبكة أمان اجتماعي تحمي المواطن البسيط قبل أي إصلاحات.
وتابع: حالة عدم الانسجام بين السياسات التجارية والمالية والنقدية، واختلاف المواقف بين المصرف المركزي ووزارة الاقتصاد، تزيد تعقيد المشهد، حيث يرى المصرف أن دوره يقتصر على تغطية العملة الصعبة، بينما تقع مسؤولية تنظيم الدورة الاقتصادية على المصارف التجارية ووزارة الاقتصاد، دون اتفاق واضح حتى الآن.
وشدد على أهمية إعادة تصنيف السلع إلى ضرورية وعادية وكمالية وفق دراسات دقيقة، مع فرض ضرائب تصاعدية على السلع الفاخرة، مع حماية احتياجات المواطن الأساسية، محذراً من القرارات المتسرعة التي قد تُربك السوق. وأكد أن رفع الدعم عن الوقود أو استبداله بالدعم النقدي حالياً غير ممكن بسبب غياب البدائل الأساسية، وعلى رأسها النقل العام والبنية التحتية.
وختم الشريف بالتأكيد على أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات، وأن القرارات المصيرية تحتاج إلى تهيئة اقتصادية واجتماعية شاملة قبل الشروع في تنفيذها، داعياً إلى التريث وبناء سياسات متكاملة تحمي المواطن قبل تحميله كلفة الإصلاح.









