اخبار مميزةليبيا

الكاديكي: نجاح خفض الدولار مرتبط بتوفير السيولة والرقابة والشفافية

أكد الخبير الاقتصادي، خالد الكاديكي، أهمية قرار مصرف ليبيا المركزي، المتعلق بسعر الصرف وتوفير الدولار، مشيرًا إلى أن مثل هذه القرارات انعكاسات مباشرة على المواطنين والمصارف التجارية، وعلى السياسة النقدية بشكل عام.

وأوضح الكاديكي، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن المصرف المركزي يعاني منذ سنوات من ارتفاع الطلب على الدولار نتيجة الاعتماد الكبير عليه في عمليات الاستيراد، إضافة إلى طبيعة الاقتصاد الليبي القائم على الاستهلاك المباشر، وهو ما أدى إلى ضغط مستمر على العملة الأجنبية، خاصة في ظل توسع السوق الموازية خلال أكثر من 12 عامًا.

وبيّن أن المصارف التجارية لم تكن قادرة خلال تلك الفترة على تلبية احتياجات المواطنين من العملة الأجنبية، الأمر الذي دفع المصرف المركزي إلى التدخل المباشر عبر توريد الدولار، واصفًا هذه الخطوة بأنها “إيجابية وضرورية” في ظل الواقع الاقتصادي الراهن.

وأشار الكاديكي، إلى أن استخدام سعر الصرف والعملة الأجنبية في تغطية نفقات الدولة، إلى جانب فرض ضريبة على بيع النقد الأجنبي، ساهم في تمويل الإنفاق الحكومي وسداد جزء من الدين العام، مؤكدًا أن هذه الآلية وفرت موردًا مهمًا للدولة في ظل محدودية البدائل.

وأضاف أن فتح مكاتب الصرافة وربطها بعقود تُلزم المصرف المركزي بتوفير مبالغ شهرية من الدولار، يتطلب وجود سيولة كافية لتغطية احتياجات هذه المكاتب، معتبرًا أن تفعيل دور مكاتب الصرافة يعد بديلاً منظمًا عن السوق الموازي الذي ظل يهيمن على تداول النقد الأجنبي لفترة طويلة.

ولفت إلى أن نسبة الضريبة المفروضة على بيع الدولار، والمقدرة بنحو 20%، تُستخدم في سداد الديون المتراكمة على الحكومات، لكنها في الوقت ذاته تسهم في تفاقم الدين العام، ما يستدعي معالجة متوازنة ضمن رؤية اقتصادية شاملة.

وأكد الكاديكي، أن هذه الخطوات ضرورية في المرحلة الحالية، خاصة أن مصرف ليبيا المركزي، يمثل القناة الوحيدة القادرة على ضبط سوق الصرف والتحكم في مفاصل الاقتصاد الليبي، في ظل غياب فعلي للسياسة المالية نتيجة تعثر دور الحكومة ومجلس النواب وبقية المؤسسات التشريعية، ما حمّل المركزي مسؤولية وضع حلول مؤقتة لمعالجة الأزمات الاقتصادية المتراكمة.

وبينّ أن مكاتب الصرافة لا تزال تعمل داخل ليبيا، لكنها أُعيد تسجيلها رسميًا وفقًا للقانون لدى مصرف ليبيا المركزي، في إطار جهود تنظيم سوق النقد الأجنبي وتعزيز الرقابة على حركة الأموال. موضحا أن نحو 600 مليون دولار دخلت البلاد نقدًا، وهي أموال لا تُخصص للمصارف التجارية، بل سيتم توزيعها عبر مسارات محددة تشمل معاملات البطاقات والأغراض الشخصية، إضافة إلى تلبية احتياجات المواطنين ومكاتب الصرافة.

ونوه الكاديكي، إلى أن مكاتب الصرافة تُستخدم من قبل العمالة الأجنبية والمستثمرين المقيمين في ليبيا، فضلًا عن عمليات التبادل النقدي المشروعة، موضحًا أن مصرف ليبيا المركزي حدّد هامش ربح لهذه المكاتب بنسبة 7%، وهو هامش واضح ومعلن. وأضاف أن المصرف المركزي شدد على فرض ضوابط قانونية صارمة بحق أي جهة يثبت تورطها في بيع النقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية أو التعامل مع السوق السوداء.

وبيّن أن المصرف المركزي يمتلك أدوات رقابية فعالة، في مقدمتها إدارة الرقابة المصرفية، التي تتابع مكاتب الصرافة من خلال منظومة إلكترونية دقيقة ترصد عمليات بيع الدولار يوميًا، حيث تُجرى في نهاية ساعات العمل تسوية كاملة مع المصرف لمعرفة حجم المبيعات والكميات المصروفة، على غرار الأنظمة المعمول بها في عدد من الدول المجاورة.

وأوضح أن بيع النقد الأجنبي يتم وفق ضوابط محددة، تشمل إثبات الغرض من الشراء، مثل السفر، وتحديد سقوف يومية للمواطنين، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تُعد من أهم أدوات ضبط سوق الصرف وحماية الاستقرار النقدي.

وفيما يتعلق بملف الاعتمادات المستندية، أشار الكاديكي، إلى أن هذا الملف يشهد إشكاليات كبيرة، حيث توجد مئات القضايا المتعلقة بفتح اعتمادات لم تُورّد مقابل السلع المتفق عليها. وكشف أن عدد القضايا المفتوحة في هذا الشأن يتجاوز 300 قضية، لافتًا إلى أنه طرف شخصيًا في إحدى القضايا لدى أحد المصارف، حيث تم فتح اعتماد مستندي دون توريد السلع، وهو ما يعكس خللًا خطيرًا في الدورة المستندية ويتطلب معالجة عاجلة لضمان حماية المال العام وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي.

ورأى الخبير الاقتصادي الكاديكي، أن الحديث عن خفض سعر صرف الدولار في السوق الليبية يجب أن يُبنى على معطيات واقعية، في مقدمها قدرة الدولة على توفير ما لا يقل عن 600 مليون دولار شهريًا لتغطية احتياجات السوق، محذرًا من أن أي سياسة نقدية لا تراعي هذا الشرط ستبقى عرضة للفشل والمضاربة.

وأوضح أن السياسة المطروحة تشبه إلى حد كبير ما اتبعته مصر سابقًا عبر الخزانة والبنك المركزي، حيث تم الاعتماد على تدفقات شهرية ثابتة من الدولار. وتساءل: هل تستطيع ليبيا عمليًا توفير 600 مليون دولار شهريًا بشكل منتظم لتلبية الطلب المحلي؟ وأشار إلى أن مصدر هذه التدفقات ليس الاحتياطي الذهبي، موضحًا أن الولايات المتحدة تخلّت منذ عام 1971 عن ربط الدولار بالذهب، وانتقلت إلى نظام يقوم على التبادل التجاري والسوق المفتوحة، وليس على الغطاء الذهبي.

وتابع: ما يُعرف بتوريد الدولار من الخزانة الأمريكية يتم عبر علاقات تجارية وتبادلات اقتصادية قائمة على الثقة والعقود والتسويات، وهو نموذج طُبق في دول عدة مثل لبنان والسودان، خاصة في ظل ظروف سياسية واقتصادية استثنائية.

وفي هذا السياق، كشف الكاديكي، أن مصرف ليبيا المركزي، كان قد تقدم سابقًا بطلب شراء الدولار مقابل الدينار، ثم بطلب آخر مقابل الذهب، إلا أن الخزانة الأمريكية رفضت الخيارين، قبل أن يُعاد فتح باب منح الدولار لاحقًا ضمن أطر تجارية محددة، وليس كدعم نقدي مباشر.

وحول توقعات سعر الصرف، أوضح الكاديكي، أن السعر الحالي للدولار في السوق الموازية يقترب من 9 دنانير، مؤكدًا أنه في حال تطبيق السياسة المعلنة وضبط السوق، من المفترض أن ينخفض السعر إلى حدود سعر مكاتب الصرافة الرسمية (3.6 دينار) مع هامش لا يتجاوز 7%، أي أن السعر العادل يجب ألا يتجاوز 3.7 دينار. إلا أنه حذّر من مخاطر التلاعب بالهوامش، مستندًا إلى مخاوف خبراء آخرين، من بينهم الأستاذ الشريف، بشأن استغلال آليات بيع الدولار على حساب المواطنين.

وتوقف الكاديكي، عند إشكالية جوهرية، قائلًا إن أزمة السيولة النقدية تمثل عائقًا حقيقيًا أمام استفادة المواطن من أي خفض في سعر الدولار، متسائلًا: كيف يمكن للمواطن شراء الدولار في ظل غياب السيولة النقدية وعدم توفر الدينار في المصارف؟

وأوضح أن المستفيد الفعلي من هذه الآلية، في حال استمرار أزمة السيولة، سيكون أصحاب الحسابات الكبيرة والتجار فقط، ما يعيد إنتاج نفس الحلقة المغلقة التي تتحكم فيها فئة محدودة بالسوق، دون أن ينعكس ذلك إيجابًا على المواطن أو أسعار السلع. مؤكدا أن نجاح أي سياسة لخفض الدولار يجب أن يكون مرتبطًا بإصلاحات متكاملة تشمل السيولة، والرقابة، والشفافية، وليس مجرد قرارات إدارية قد تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي بدل تحسينه.

وأشار الكاديكي، إلى أن الارتفاع المقترح في سقف المبالغ الممنوحة، يُعد إجراءً غير منطقي اقتصاديًا، خاصة في ظل ما تم منحه سابقًا في مجالي الدراسة والعلاج. وأوضح أن رفع المبالغ إلى مستويات تتراوح بين 8 آلاف و10 آلاف يُعد صعبًا، لا سيما مع ربط ذلك بزيادة النسبة الضريبية والهوامش الربحية كلما ارتفع السقف.

واعتبر أن هذه السياسة ستؤدي مباشرة إلى ارتفاع سعر الدولار، وزيادة معدلات التضخم، وانعكاس ذلك على ارتفاع الأسعار في السوق المحلي، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء يفتح المجال أمام التجار للتدخل والاستفادة من الحصول على مبالغ كبيرة بسعر منخفض نسبيًا. مؤكداً أن هذه الممارسات ليست جديدة، إذ اعتاد التجار، بحكم خبرتهم في سوق العملة، على اكتناز الدولار بكميات كبيرة، ما يؤدي إلى ضخه في السوق ومن ثم رفع سعره. متوقعا أن تتكرر هذه السيناريوهات في حال استمرار غياب الرقابة الفعالة.

واختتم الكاديكي، محذرا من أن عدم متابعة مصرف ليبيا المركزي لهذه العمليات ومراقبتها بشكل دقيق سيقود في النهاية إلى تفاقم الأزمة وارتفاع سعر الصرف بصورة أكبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى