العبود: الملف الليبي يتحرك عبر مسارات أمريكية متعددة ومتوازية

أكد المحلل السياسي أحمد العبود، أن الملف الليبي لا يتحرك عبر مسار واحد، بل من خلال عدة مسارات متوازية تنطلق جميعها من المبادرة الأمريكية، التي تركز على إشراك دول وصفها بـ “الأكثر هشاشة لكنها معنية بشكل حقيقي بالاستقرار الليبي”.
وأوضح العبود، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، الممولة من قطر، أن هذه المسارات تهدف بالأساس إلى توحيد المؤسسات السيادية، مشيرًا إلى أن بعض النجاحات تحققت بالفعل، لا سيما في مسار توحيد المصرف المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، اللتين كانتا محور نقاشات متقدمة مع واشنطن وأسفرت الجهود عن خطوات عملية ملموسة.
وأضاف العبود في حديثه الذي رصدته “الساعة 24″، أن المسار التالي تمثل في الميزانية الموحدة بدلًا من الميزانيات التقسيمية، وهو ما أتاح لمجلس النواب تمرير بنود تتعلق ببرامج التنمية، معتبرًا ذلك تطورًا مهمًا في إدارة الموارد.
كما أشار إلى انطلاق مسارين جديدين خلال الفترة الأخيرة، أولهما مسار الشراكة الاقتصادية بين مؤسسات وشركات أمريكية وليبية، وثانيهما المسار السياسي الذي يمر بعدة محطات دولية، بدأت في روما وصولًا إلى فرنسا.
ولفت العبود إلى دور واشنطن في التواصل مع قيادات عسكرية وأمنية ليبية رفيعة، معتبرًا أن هذه اللقاءات تعكس وجود تفاهمات محتملة، من بينها ما يتعلق بمناورات عسكرية مرتقبة خلال شهر مارس المقبل. وشدد على أن الهدف النهائي من هذه التحركات هو توحيد السلطة التنفيذية بما ينسجم مع المقترحات الأممية السابقة، رغم فشلها في تحقيق اختراق حقيقي حتى الآن.
وأضاف أن الخطة الحالية انتقلت من “المستوى الأول” القائم على ثلاثة مسارات هي: توحيد المؤسسات، تشكيل حكومة موحدة، وإنهاء الجدل حول قوانين الانتخابات، إلى البحث عن مسارات تكاملية قد تُفضي إلى إنتاج سلطة تنفيذية موحدة بدعم دولي.
وأشار العبود إلى وجود تقدم نسبي في بعض الملفات مثل المصرف المركزي وقطاع النفط، لكنه وصف هذه التطورات بأنها تسويات جزئية وليست نهائية، مؤكدًا أن الحل الجذري يظل مرهونًا بآليات حقيقية لتقاسم السلطة، خصوصًا في الوزارات السيادية والخدمية.
وكشف المحلل السياسي، عن مخاوف أمريكية حقيقية من فشل المسارات الحالية، ما يدفع واشنطن إلى التركيز على توحيد المؤسسات السيادية والسلطة التنفيذية تمهيدًا للذهاب إلى انتخابات خلال آجال زمنية قريبة، محذرًا في الوقت نفسه من خطورة استمرار الانقسام، الذي طال حتى بعض المؤسسات التي كانت تُعد محصنة، وعلى رأسها المؤسسة القضائية.
وأوضح أن المعسكر يضم أطرافًا منخرطة في مسار سياسي واضح، يتمثل في دمج الحكومتين القائمتين أو تشكيل حكومة جديدة حال تعذّر الدمج، معتبرًا أن النقاش الدائر لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يرتبط بمسار سياسي، ومؤتمر دولي مرتقب.
وأكد العبود أن السياسة الأمريكية في ليبيا لا تُدار فقط عبر وزارة الخارجية، بل تعتمد على مستشارين مقربين من الرئيس الأمريكي، وأن تحركات واشنطن تأتي بدافع الخوف من فشل مسار التسوية السياسية، خصوصًا أن أحد الأهداف الرئيسية للمبادرة الأمريكية يتمثل في توحيد الحكومة والمفوضية العليا للانتخابات والتوافق على القوانين الانتخابية، محذرًا من أن استمرار الانقسام قد يقود إلى سيناريوهات خطيرة مشابهة لما حدث في السودان.
وشدد على أن ليبيا تمثل دولة محورية بوصفها بوابة أفريقيا والحافة الجنوبية لأوروبا، وأن استمرار الانقسام الجغرافي والاقتصادي والمؤسسي بات مصدر قلق إقليمي ودولي.
وفيما يتعلق باللقاءات السياسية الأخيرة، أوضح العبود أن الفريق صدام حفتر يمثل مركزًا تفاوضيًا يعكس موقف القيادة العامة، وأن فريقه حقق نجاحات في ملفات الاستقرار وبناء قنوات التواصل، وأن أي انخراط في مسار توحيد السلطة تحكمه ثلاثة دوافع رئيسية: الدافع الداخلي الليبي، والظرف الإقليمي المعقد، والدور الأمريكي المباشر باعتباره الطرف الدولي الأبرز.
وتابع: انخراط الولايات المتحدة بشكل مباشر في رعاية أي تسوية سياسية سيدفع الأطراف الليبية إلى الاستجابة نظرًا لثقل واشنطن وتأثيرها في موازين القوى الإقليمية والدولية، موضحًا أن التحركات الأمريكية في الملف الليبي ليست آنية أو متعجلة، بل تقوم على رؤية استراتيجية طويلة المدى، مع التركيز على المسارات المركزية مثل النفط والشراكة الاقتصادية، وتهيئة الأرضية لتكامل أمني مستقبلي بين القوات المتنازعة، مع التأكيد على أن الطرح الأمريكي يراعي الفصل بين المسار الاقتصادي والمؤسسي والمسار العسكري، وأن الضغوط الدولية، وخصوصًا الأمريكية، تمثل العامل الحاسم في دفع المؤسسات الليبية نحو التوافق وتحقيق تسويات مرحلية.
وأشار العبود إلى أن المسار الأمريكي، رغم بطئه الظاهر، مستمر ومؤثر، ويعكس إرادة واشنطن في معالجة الانقسام الحكومي، والدفع نحو توحيد السلطة التنفيذية، مع استمرار التساؤلات حول تشكيل حكومة جديدة كإشكالية رئيسية على طاولة التسويات، في ظل مخاوف من تكرار إخفاقات التجارب السابقة برعاية أممية، مؤكدًا أن الضغط الأمريكي على مجلسي النواب والدولة أسفر عن تفاهمات سياسية ملموسة، بما في ذلك في ملف توحيد المصرف المركزي، وهو ما يعكس وضوح المسار الأمريكي وتأثيره المستمر في المشهد الليبي.









