إسماعيل: لا حل دون توحيد الحكومة والمؤسسات لإنهاء المراحل الانتقالية

أكد المتحدث السابق باسم مجلس الدولة الاستشاري، السنوسي إسماعيل، أن تقييم المشهد السياسي في ليبيا يقتضي قدراً من الإنصاف في توزيع المسؤوليات بين مختلف الأطراف، سواء تعلق الأمر ببعثة الأمم المتحدة أو بمجلسي النواب والدولة، مشدداً على أهمية الإحاطة بكافة العوامل المحلية والدولية المؤثرة في مسار العملية السياسية.
وفي مداخلة عبر قناة “العربية الحدث” رصدتها صحيفة “الساعة 24″، رصدتها صحيفة الساعة24، أوضح إسماعيل أنه لا يجوز تحميل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا كامل المسؤولية عن تعثر المسار السياسي، لافتاً إلى أن أداءها شهد تبايناً من مرحلة إلى أخرى، إذ أسهمت في بعض الفترات في تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، بينما لم تكن في فترات أخرى بالمستوى المطلوب لدعم التوافقات التي جرى التوصل إليها بين مجلسي النواب والأعلى للدولة.
وأضاف أن البعثة، وإن كانت لا تملك سلطة اتخاذ القرار نيابة عن الليبيين، إلا أن دورها يتمثل في دعم ما ينضج من توافقات محلية، والعمل على إحالتها إلى مجلس الأمن الدولي لضمان تبنيها ومتابعة تنفيذها، بما يحول دون أي تدخلات إقليمية منفردة أو عراقيل داخلية قد تعصف بما يتم الاتفاق عليه.
وفي سياق متصل، أشار إسماعيل إلى أن بعض القوى الداخلية قد لا تكون لديها مصلحة في إجراء الانتخابات أو في توحيد السلطة التنفيذية، خاصة إذا كان ذلك يفضي إلى تسليم السلطة لحكومة موحدة جديدة، معتبراً أن هذه الحسابات السياسية تمثل أحد أبرز العوائق أمام إنجاز الاستحقاقات الوطنية.
وعند تقييمه لأداء المجلسين، شدد على ضرورة الإقرار بالإيجابيات التي تحققت في إطار التفاهم بين مجلس النواب والأعلى للدولة، غير أنه أشار في المقابل إلى وجود “نكوص” من جانب مجلس الدولة، بينما اعتبر أن مجلس النواب كان – وفق تقديره – في موقع أكثر تقدماً من حيث دعم مسار التوافق، خصوصاً بعد تعثر الانتخابات في نهاية عام 2021.
وذكّر بأن مجلس النواب أصدر آنذاك قوانين انتخابية كان يمكن تنفيذها لولا الظروف التي حالت دون ذلك، وإعلان المفوضية حالة “القوة القاهرة”.
كما لفت إلى أن المجلس واصل لاحقاً مساعيه نحو التوافق مع مجلس الدولة، غير أن تغيير رئاسة المجلس الاستشاري انعكس سلباً على تلك التفاهمات، حيث شهدت المرحلة الراهنة تراجعاً عن بعض ما تم الاتفاق عليه سابقاً من دون تقديم بدائل واضحة.
واتهم إسماعيل رئاسة مجلس الدولة الحالية بتبني موقف الحكومة، معتبراً أن عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة لا يُبدي – من وجهة نظره – رغبة حقيقية في إجراء الانتخابات، مستشهداً برفض القوانين الانتخابية وعدم القبول بتشكيل حكومة موحدة جديدة، فضلاً عن انقطاع قنوات التواصل بين الحكومة ومجلس النواب.
وفي هذا الإطار، أكد أن تحميل مجلسي النواب والدولة مسؤولية تعثر العملية السياسية “غير منصف”، معتبراً أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الأطراف التنفيذية الفاعلة التي يُفترض بها الدفاع عن التوافقات والعمل على تنفيذها، لا سيما أن مجلس النواب يمثل سلطة تشريعية، فيما يُعد المجلس الأعلى للدولة هيئة استشارية عليا، ما يجعل تنفيذ الاتفاقات مرهوناً بوجود سلطة تنفيذية موحدة قادرة على تطبيقها.
كما أوضح أن الانقسام الحكومي القائم بين حكومة الدبيبة وحكومة حماد يُعد – بحسب توصيفه – السبب الرئيسي في تعثر إجراء الانتخابات العامة، بخلاف الانتخابات البلدية التي نجحت لعدم ارتباطها بوجود حكومة موحدة على المستوى الوطني.
وأكد أن الانتخابات التشريعية والرئاسية تتطلب حكومة موحدة تمارس سلطتها في كامل البلاد، معتبراً أن تمسك الحكومتين بالبقاء يشكل عائقاً مباشراً أمام هذا المسار.
وتطرق إسماعيل إلى ما يُتداول بشأن مقترحات لإعادة هيكلة حكومة الدبيبة أو دمجها مع الحكومة الليبية الأخرى، مشيراً إلى أن بعض الأوساط تصف هذه المساعي بأنها “سيناريو أمريكي”، غير أنه شدد على أن نجاح أي مبادرة تفضي إلى تشكيل حكومة موحدة سيفتح الباب أمام تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية.
وفي جانب آخر، أكد أن ليبيا بحاجة ملحة إلى تحقيق استقرار سياسي باعتباره المدخل الأساسي لتحسين الوضع الاقتصادي وإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن المواطنين يواجهون ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار وتضخماً كبيراً لم تشهده البلاد من قبل، الأمر الذي يجعل الإسراع في إيجاد حل سياسي واقتصادي أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
وأشار إلى أن تشكيل حكومة موحدة تحظى بتمرير رسمي من مجلسي النواب والدولة، وبموافقتهما، يمثل خطوة مفصلية نحو إنهاء الانقسام، موضحاً أن هذه الحكومة ينبغي أن تنال اعترافاً دولياً واضحاً ودعماً من الأمم المتحدة، إضافة إلى تأييد مجلس الأمن، بما يضمن تسلمها السلطة فعلياً في العاصمة وممارسة مهامها على كامل التراب الليبي.
وشدد إسماعيل على أن أي حكومة تفشل في تنفيذ الاستحقاقات الموكلة إليها، وعلى رأسها إجراء الانتخابات ضمن سقف زمني محدد، لا ينبغي أن تُكافأ بالاستمرار، بل يتعين إيقافها سريعاً واتخاذ إجراءات لتغييرها بالكامل. وأوضح أن الحكومة، كأي جهة متعاقدة، مطالبة بالالتزام بتعهداتها وتنفيذ برامجها، وأن الحكومة التي تنال الثقة من مجلس النواب يجب أن تشرع فوراً في تنفيذ برنامجها، على أن تكون نتائج عملها ملموسة خلال المئة يوم الأولى.
وانتقد في الوقت ذاته التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن الليبي، معتبراً أن دعم بعض الدول لأطراف تنفيذية بعينها يعمّق الانقسام ويعرقل الوصول إلى الانتخابات، إذ إن استمرار مساندة حكومتين متنافستين من قبل قوى إقليمية يجعل توحيد مؤسسات الدولة أمراً بالغ الصعوبة.
وبيّن أن توحيد الدولة الليبية يستلزم توافقاً إقليمياً ودولياً على دعم حكومة موحدة، مع التزام جميع الأطراف بإتاحة المجال لها للعمل في مختلف أنحاء البلاد وفق جدول زمني واضح. واقترح أن تمتد المرحلة الانتقالية بين سنة ونصف إلى سنتين كحد أقصى، محذراً من أن إطالة أمدها ستعيد البلاد إلى الجدل حول شرعية الحكومة وآليات تغييرها.
وشدد على أن الانتخابات التشريعية والرئاسية تمثل الحل الجذري للأزمة الليبية، غير أن تنظيمها في ظل استمرار الانقسام قد يترتب عليه تبعات خطيرة، ما يفرض تهيئة بيئة مستقرة عبر حكومة موحدة تتولى الإشراف على العملية الانتخابية.
كما أشار إلى مقترح مستشار رئيس مجلس النواب بشأن تشكيل لجنة مشتركة مدعومة محلياً ودولياً تتولى الإعداد للانتخابات والإشراف عليها، معتبراً أن هذا الطرح قد يشكل مدخلاً عملياً إذا حظي بنقاش واسع وموافقة مختلف الأطراف، مؤكداً أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تتركز على تشكيل حكومة موحدة تقود البلاد نحو انتخابات شفافة تُفضي إلى تسليم السلطة لمن يختاره الليبيون عبر صناديق الاقتراع، سواء على مستوى السلطة التشريعية أو الرئاسة، بما ينهي حالة الانقسام المستمرة.









