اخبار مميزةليبيا

خبير طاقة: ارتفاع أسعار النفط فرصة لتعزيز إيرادات ليبيا وحصتها في السوق العالمي

أكد أستاذ هندسة البترول والطاقة وعضو جمعية مهندسي النفط العالمية، الدكتور الهادي بالحاج، أن عامل الوقت يمثل عنصراً حاسماً في قدرة ليبيا على الاستفادة من أي ارتفاع محتمل في أسعار النفط في ظل التوترات والحروب الدائرة في المنطقة، مشدداً على أن التعامل مع هذه الظروف ينبغي أن يتم من خلال خطط زمنية متعددة ومحددة تسمح بالتكيف مع تطورات المشهد الدولي.

وأوضح بالحاج، في حديث لتلفزيون «المسار»، رصدته «الساعة 24»، أن طبيعة الحروب تجعل من الصعب التنبؤ بمدتها، إذ قد تستمر أياماً أو أسابيع وربما تمتد إلى شهور، الأمر الذي يفرض على المؤسسات النفطية إعداد خطط مرنة مرتبطة بأطر زمنية واضحة. وأضاف أن من الضروري وضع برامج للاستفادة من ارتفاع الأسعار وفق مراحل زمنية مختلفة، مثل خطط أسبوعية وأخرى تمتد لشهرين، إضافة إلى خطط سنوية قادرة على استيعاب تغيرات السوق.

وأشار في هذا السياق إلى أن أسعار النفط قد تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في حال استمرار الحرب، وقد يصل سعر البرميل إلى أكثر من 100 دولار، ما يتيح إمكانية تحقيق إيرادات إضافية يمكن استثمارها بصورة فعالة.

واستطرد قائلاً إن المؤسسة الوطنية للنفط كان من المفترض أن تمتلك خططاً مسبقة للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات، لاسيما أن التوترات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى عام 1979 مع التغيير الذي شهدته إيران، ومنذ ذلك الحين شهدت العلاقات بين الأطراف المختلفة مراحل متعاقبة من التوتر والتصعيد وصلت أحياناً إلى حافة المواجهة.

وفيما يتعلق بالإجراءات الممكن اتخاذها خلال فترات الأزمات، أوضح بالحاج أن الاستفادة الآنية من الظروف الاستثنائية قد تقتضي تعليق بعض برامج الصيانة غير الضرورية مؤقتاً، مثل أعمال الصيانة السطحية للأنابيب وخطوط الإنتاج وخزانات الوقود وبعض وحدات المعالجة، وذلك بهدف الحفاظ على مستويات الإنتاج المرتفعة واستغلال الأسعار العالمية المرتفعة.

وعلاوة على ذلك، لفت إلى إمكانية استفادة المؤسسة الوطنية للنفط من هذه التطورات على صعيد العقود والأسواق، خاصة في القارة الآسيوية، مبيناً أن دولاً مثل الصين والهند واليابان تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من منطقة الخليج، وهو ما قد يعرضها لمخاطر في حال تعطل الإمدادات نتيجة التوترات أو إغلاق الممرات البحرية.

واعتبر بالحاج أنه بإمكان المؤسسة الوطنية للنفط محاولة اقتناص حصة أكبر في السوق النفطية العالمية عبر استهداف الأسواق التي قد تتضرر من أي تراجع في الإمدادات القادمة من الخليج، مشيراً إلى أن الأزمات والحروب، رغم ما تحمله من مخاطر وتداعيات، قد تخلق في الوقت ذاته فرصاً اقتصادية، مؤكداً أن حسن إدارة هذه الفرص واستغلالها بذكاء يمكن أن يعزز موقع ليبيا في سوق الطاقة العالمي، خصوصاً في ظل احتمال تأثر جزء من الإنتاج العالمي الذي يقدر بنحو 3.3 إلى 3.5 مليون برميل يومياً، والذي تتجه نسبة كبيرة منه إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند، إضافة إلى اليابان.

وفي سياق متصل، أكد الخبير في قطاع الطاقة أن معالجة الأوضاع الاقتصادية في ليبيا في ظل الأزمات الراهنة تبدأ أولاً بترشيد إدارة الدخل العام، لافتاً إلى أن النفط يمثل المصدر الأساسي للدخل في البلاد، وهو ما يفرض التعامل معه بكفاءة عالية لضمان استدامته وتعظيم عوائده.

كما شدد بالحاج على ضرورة أن تعيد المؤسسة الوطنية للنفط النظر في خططها المتعلقة بزيادة الإنتاج، موضحاً أن الخطوة الأولى لتحقيق ذلك تتمثل في خفض تكلفة إنتاج البرميل. وأشار إلى أن من بين العوامل التي تؤدي إلى ارتفاع التكلفة التوسع في التعيينات غير الضرورية، خصوصاً في الوظائف الهامشية التي لا ترتبط مباشرة بعملية الإنتاج، إضافة إلى تضخم الميزانيات ووضع تقديرات مالية مبالغ فيها وغير واقعية.

وأضاف أن هذه الممارسات تؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع تكلفة إنتاج النفط، ما ينعكس سلباً على العائدات العامة للدولة، الأمر الذي يستدعي مراجعة هذه السياسات والعمل على ضبط الإنفاق داخل القطاع النفطي.

وفي موازاة ذلك، نبه بالحاج إلى أهمية إعطاء الأولوية لأعمال الصيانة داخل الحقول النفطية والبنية التحتية المرتبطة بها، موضحاً أن بعض خطوط الإمداد، سواء السطحية أو الموجودة داخل الآبار، تعاني من تسربات ومشكلات فنية تتطلب معالجة عاجلة. وأكد أن الصيانة الدورية للآبار والمنشآت تعد من الأولويات الأساسية التي تسهم في الحفاظ على مستويات الإنتاج ومنع الخسائر.

وأوضح أيضاً أن زيادة الإنتاج لا تقتصر على معالجة المشكلات الفنية فحسب، بل تتطلب كذلك خططاً استراتيجية للتوسع تشمل الاستكشافات الجديدة والاستجابة الإضافية للحقول القائمة، مشيراً إلى أن تنفيذ هذه الخطوات يستلزم برامج طويلة الأمد وتخطيطاً علمياً دقيقاً.

ومن ناحية أخرى، شدد بالحاج على أن المؤسسة الوطنية للنفط ينبغي أن تركز على دورها الفني والإنتاجي، دون الانخراط في إدارة أو استغلال العائدات النفطية، مؤكداً أن توجيه الإيرادات يجب أن يتم ضمن سياسات اقتصادية أوسع تهدف إلى تنويع الاقتصاد والاستثمار في قطاعات غير نفطية.

وفيما يتعلق بموقع ليبيا في سوق الطاقة العالمي، أوضح أن الظروف الدولية الراهنة، بما فيها اضطرابات إمدادات الطاقة، قد تفتح أمام ليبيا فرصة لتعزيز مكانتها كمصدر موثوق للطاقة في منطقة البحر المتوسط، لا سيما إذا تحقق الاستقرار السياسي في البلاد.

وأضاف في هذا السياق أن تطوير قطاع الغاز يمثل أحد المسارات المهمة، وذلك عبر فتح خطوط إنتاج جديدة من خلال الاكتشافات البحرية وزيادة عمليات حفر الآبار في مواقع الغاز البحرية، مشيراً إلى أن بعض المشاريع في هذا المجال قد تكون بتكلفة محدودة نسبياً مقارنة بالعوائد المحتملة.

كما أكد بالحاج أهمية إشراك الشركات الأجنبية في عمليات الاستكشاف والتطوير ضمن خطة حفر واضحة تضعها المؤسسة الوطنية للنفط، مع ضرورة إعادة تقييم هذه الخطط بالتشاور مع الخبراء والمتخصصين داخل المؤسسة، بهدف صياغة استراتيجيات قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى.

ولفت أيضاً إلى أن الموقع الجغرافي لليبيا يمنحها ميزة استراتيجية مهمة، إذ تقع بالقرب من الأسواق الأوروبية مع امتدادها نحو أفريقيا وآسيا، فضلاً عن توفر خطوط بحرية قائمة لنقل الطاقة، وهو ما يعزز فرص تحولها إلى مركز مهم لإمدادات الطاقة.

وأعرب بالحاج عن تفاؤله بقدرة الكوادر الفنية والأكاديمية في القطاع النفطي الليبي على فهم هذه المتغيرات والتعامل معها بمرونة، مؤكداً أن تحقيق نتائج إيجابية ممكن إذا ما تم استثمار هذه الفرصة بالشكل الصحيح.

وفي ختام حديثه، أعرب عن أمله في أن تتحول الأزمات الحالية إلى فرص للنهوض الاقتصادي، مشيراً إلى أن كثيراً من الأزمات السابقة كانت نتائجها سلبية، كما حدث خلال فترة ما سُمي بـ“الربيع العربي”. ومع ذلك، رأى أن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، خصوصاً في محيط الخليج، قد تفتح مجالاً أمام دول شمال أفريقيا والبحر المتوسط للاستفادة من التحولات في أسواق الطاقة العالمية، مؤكداً ضرورة استثمار هذه الظروف لتعزيز التفاؤل وتحقيق نجاحات اقتصادية حقيقية تدعم مستقبل الاقتصاد الليبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى