اخبار مميزةليبيا

الفيتوري: الاعتماد على ضخ الدولار حل مؤقت لا يعالج جذور الأزمة

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، عطية الفيتوري، إن سوق الصرف في ليبيا يشهد حالة من التذبذب في أسعار الدينار الليبي والدولار الأمريكي، سواء في السوق الرسمية أو الموازية، مرجعًا ذلك إلى عوامل عدة ترتبط بإجراءات مصرف ليبيا المركزي وهيكل العرض والطلب في السوق غير الرسمية.

وأوضح الفيتوري في تصريحات لقناة «ليبيا الحدث»، رصدتها «الساعة 24» أن إعلان المصرف المركزي عزمه ضخ نحو 2.5 مليار دولار اعتبارًا من أول شهر أبريل انعكس مباشرة على السوق، إذ تراجع سعر الدولار من مستويات بين 10 و11 دينارًا إلى نحو 9.5 دينار، معتبرًا أن هذا الانخفاض يُعد نتيجة طبيعية للإجراء المعلن. وأضاف أن هذا التحسن يمكن اعتباره مؤشرًا إيجابيًا، إلا أنه يظل مؤقتًا ومرهونًا بحجم تدفقات الدولار القادمة.

وبيّن الفيتوري أن الطلب على الدولار يتعدد بين عمليات الاستيراد، التحويلات المالية إلى الخارج مثل دبي ومصر، إضافة إلى الطلب المرتبط بالعلاج والسفر واحتياجات الليبيين المقيمين خارج البلاد، مؤكدًا أن هذه العوامل تمثل محركات رئيسية للطلب على العملة الأجنبية.

وفي المقابل، يعتمد جانب العرض في السوق الموازية بدرجة كبيرة على تحويلات غير نقدية أو ما وصفه بـ “الدولار غير الكاش”، إلى جانب بعض عمليات التهريب، في ظل محدودية توفر النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، ما يدفع بعض الأطراف لجلب العملة من الخارج بطرق غير رسمية.

وأشار إلى أن زيادة المعروض من الدولار عقب ضخ المركزي للعملة الأجنبية تؤدي عادة إلى انخفاض السعر، في مقابل تراجع نسبي في الطلب نتيجة توفر العملة عبر القنوات الرسمية.

وفي سياق السياسة النقدية، أوضح أن تأثير ضخ العملة يعتمد على آلية التوزيع، مبيناً أن تمويل الإنفاق الحكومي قد يؤدي إلى زيادة عرض النقود وارتفاع التضخم، بينما ضخ الدولار عبر المصارف التجارية مقابل خصمها من حسابات المصارف لدى المركزي لا يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية مباشرة.

وفيما يتعلق بالجدل حول إعادة طباعة فئة 50 دينارًا، أشار الفيتوري إلى ضرورة مراعاة فئات نقدية أعلى مثل 100 دينار، مشددًا على أن محدودية الفئات الحالية لا تتناسب مع القوة الشرائية، حيث باتت أعلى فئة نقدية منخفضة القيمة مقارنة بسعر الدولار في السوق الموازية. لافتاً إلى أن إعادة هيكلة الفئات النقدية معمول بها في العديد من الدول لتسهيل المعاملات والحد من ظاهرة تخزين النقد لدى كبار المتعاملين.

وأكد الفيتوري أن الدينار الليبي يظل الوحدة النقدية الرسمية، غير أن تراجعه يعكس ظروفًا اقتصادية استثنائية تمر بها الدولة، مشيرًا إلى أن الانقسام السياسي وتحديات السيولة وارتفاع الطلب على الدولار يشكل ضغوطًا مباشرة، ما يدفع المواطنين للتحوط عبر شراء الدولار كملاذ آمن. وفي تقييمه لسياسات المصرف المركزي، رأى أن بعض الإجراءات تسهم في تهدئة السوق على المدى القصير لكنها محدودة الأثر في غياب إصلاحات اقتصادية وهيكلية شاملة.

وشدد على أن الاعتماد على ضخ الدولار يمثل حلًا مؤقتًا، وأن استقرار سعر الصرف مرتبط بوفرة الإيرادات من النقد الأجنبي وحسن إدارة الموارد، لافتًا إلى أن فترات الاستقرار السابقة ارتبطت بتدفق منتظم للعملة الصعبة عبر القنوات المصرفية الرسمية.

كما حذر الفيتوري من أن أي إعلان مسبق من المصارف حول خفض قيمة العملة الوطنية يزيد المضاربة عليها، ما قد يؤدي إلى تدهور إضافي يصعب السيطرة عليه، مؤكدًا أن التلميح المسبق قد يدفع المضاربين للتحرك مبكرًا ورفع نسبة التراجع المحتمل إلى 10–40%.

وأردف: أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف البنية المؤسسية للمصرف المركزي ومؤسسات الدولة، مؤكدًا الحاجة إلى خبراء اقتصاديين ولجان فنية متخصصة، معتبرًا أن غياب هذا النموذج يعكس ضعف جودة القرارات الاقتصادية. وأضاف أن الاقتصاد الليبي يعاني من خلل في آليات اتخاذ القرار وتشتت في الهياكل الإدارية، ما يزيد الضغوط على العملة المحلية.

وفيما يخص نظام الدفع، أشار إلى أن التوسع في الدفع الإلكتروني لا يزال محدودًا رغم تطوره النسبي في مدن مثل بنغازي وطرابلس، مؤكداً أن الاعتماد على النقد ما زال قائمًا في معظم المناطق، خاصة الريفية، وأن بعض المحلات والخدمات لا تقبل الدفع الإلكتروني بانتظام، ما يحافظ على أهمية الكاش في الحياة اليومية. كما اعتبر أن السوق الموازية تعتمد أساسًا على المعاملات الخارجية مثل الاستيراد والتحويلات، فيما يظل النقد عنصرًا أساسيًا لاستمرار هذه السوق.

واستطرد: بعض المعاملات النقدية قد تُنفذ بخصومات كبيرة مقارنة بالقيمة الاسمية، ما يعكس أهمية الكاش، مضيفًا أن الدفع الإلكتروني موجّه أكثر للاقتصاد الداخلي، بينما تظل السوق الموازية مرتبطة بالعملة الأجنبية والتحويلات الخارجية. وشدد على أن التحول نحو الدفع الإلكتروني خطوة إيجابية لكنه غير مكتمل، داعيًا إلى التوسع التدريجي وتقليل الاعتماد على النقد، خصوصًا في المعاملات الكبرى مثل العقارات، وضرورة إلزام المؤسسات الخدمية كالكهرباء والضرائب بتبني الدفع الإلكتروني لضمان نجاح السياسات الاقتصادية.

وفيما يتعلق بالإدارة المالية، أشار الفيتوري إلى أن بعض المؤسسات تحتفظ بإيراداتها قبل توريدها للخزانة العامة، ما يعقد منظومة الرقابة المالية ويؤثر على شفافية الإنفاق، مؤكدًا أن هذه الممارسات تقلل من دقة تقدير الإنفاق الفعلي وتؤثر على مستوى الشفافية. كما أشار إلى أن أسواق الطاقة العالمية تتأثر بالتوترات الدولية، مثل الحرب في أوكرانيا، وأن تقلبات أسواق النفط والغاز تعكس هذا التداخل بين السياسة والاقتصاد، ما يجعل استقرار الأسواق مرتبطًا بعوامل جيوسياسية معقدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى