اخبار مميزةليبيا

الفارسي: المسار الدولي والتفاهمات الحالية تقرّب ليبيا من لحظة الحسم

قال أستاذ العلوم السياسية يوسف الفارسي إن النجاحات التي تحققت ضمن البرنامج الاقتصادي في ليبيا تُعد مؤشرات إيجابية تعكس تطورًا ملموسًا في المشهد العام، لافتًا إلى أن هذا التحسن جاء في سياق تدخلات دولية فاعلة، وعلى رأسها الدور الذي اضطلع به المستشار الأمريكي مسعد بولس في دعم هذه المسارات.

وأوضح الفارسي، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24″، أن بولس يمتلك فهمًا عميقًا لطبيعة المجتمع الدولي وتوازناته، مؤكدًا أن التعامل مع الملف الليبي لا يمكن أن يتم بمعزل عن شبكة المصالح الدولية المتداخلة، وهو ما يجعل الحلول المطروحة ذات طابع دولي بالدرجة الأولى، رغم وجود محاولات داخلية متفرقة. مشدداً على أن الضغط الدولي يظل العامل الأكثر تأثيرًا في دفع مسارات الحل، نظرًا لارتباطه المباشر بمصالح الولايات المتحدة داخل ليبيا.

وأشار الفارسي إلى أن الولايات المتحدة تبدي مخاوف متزايدة من احتمال تحول بعض المناطق، خاصة في غرب ليبيا، إلى بيئة غير مستقرة أمنيًا، في ظل وجود تحديات معقدة، من بينها انتشار تنظيمات مسلحة، وهو ما قد يشكل تهديدًا مباشرًا لمصالحها وللشركات الأجنبية العاملة في البلاد.

ومن جهة أخرى، بيّن أن المشهد الدولي في ليبيا لا يقتصر على الدور الأمريكي فقط، بل يمتد ليشمل تنافسًا واضحًا مع أطراف أوروبية، في ظل امتلاك أوروبا مصالح استراتيجية حيوية، خصوصًا في مجالي الطاقة والغاز، إلى جانب حضور شركاتها في هذا القطاع، الأمر الذي يجعل من ليبيا ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية.

وفي سياق متصل، لفت الفارسي إلى أن الاضطرابات التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية، لا سيما في المنطقة الشرقية، أسهمت في إعادة تشكيل أولويات الاهتمام الدولي، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية، خاصة مع تصاعد التنافس على موارد الطاقة وعمليات الاستكشاف الجديدة، وهو ما عزز من موقع ليبيا في أجندة القوى الكبرى.

وبناءً على ذلك، أكد أن هذا الواقع دفع الأطراف الدولية إلى تكثيف انخراطها في الملف الاقتصادي الليبي، معتبرًا أن أي تقدم في هذا المسار سينعكس بشكل تلقائي على بقية المسارات، سواء السياسية أو الأمنية. كما أشار إلى أن الوضع الاقتصادي الراهن بلغ مرحلة صعبة للغاية، حيث يعاني المواطن من تدهور حاد في مستوى المعيشة، مع اتساع رقعة الفقر وعجز شريحة واسعة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، بما يعكس عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية.

واعتبر الفارسي أن الاهتمام المتزايد بملف الموازنة العامة، إلى جانب الحديث عن مشاريع التنمية، يمثل مؤشرًا واضحًا على وجود توجه نحو تشكيل حكومة جديدة، موضحًا أنه لا يمكن الحديث عن ميزانية موحدة دون وجود سلطة تنفيذية موحدة تتولى إدارتها.

وتابع بالقول إن هذه المعطيات تعزز من فرضية قرب تشكيل حكومة جديدة، وهو ما سيقود بدوره إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي، بما في ذلك الدفع نحو إجراء الانتخابات، التي باتت – وفق تقديره – أقرب من أي وقت مضى، في ظل التقارب والتفاهمات القائمة بين مختلف الأطراف.

وبالعودة إلى مسار المبادرات، أشار الفارسي إلى وجود ضغوط دولية كبيرة تدفع في هذا الاتجاه، موضحًا أن البعثة الأممية وما يُعرف بـ “الحوار المهيكل” يتحركان في إطار متقاطع مع المبادرة الأمريكية، مع وجود درجة عالية من التفاهم والتنسيق بين مسعد بولس والبعثة.

في المقابل، رأى الفارسي أن حالة الرفض التي تبديها بعض الأطراف تعود في جوهرها إلى استفادتها من الوضع القائم، وإدراكها أن نجاح المسارين الاقتصادي والسياسي قد يؤدي إلى إقصائها من المشهد، إلا أنه شدد على أن استمرار هذا الرفض لن يكون ممكنًا في ظل التحولات الجارية، خاصة أن تشكيل حكومة جديدة سيؤدي إلى تراجع شرعية أطراف أخرى، مؤكدًا أن القرار الدولي في نهاية المطاف سيكون حاسمًا.

كما أوضح أن المجتمع الدولي لا يتجه نحو دعم حكومة قائمة على توافق داخلي فقط، وهو ما يتجلى – بحسب قوله – في التفاهمات الجارية بين مجلسي النواب والدولة، لافتًا إلى أن مسألة اختيار رئيس الحكومة لم تُحسم بعد، نظرًا لأهمية وجود دعم دولي لأي سلطة تنفيذية قادمة، تجنبًا لعودة الانقسام السياسي.

وفي السياق ذاته، أشار الفارسي إلى أن تصاعد الضغوط الدولية، إلى جانب حضور المصالح الاقتصادية بقوة، يدفع المشهد نحو مزيد من الحسم، مستدلًا بتمرير ملف الميزانية الموحدة رغم تشكيك كثيرين في إمكانية حدوث ذلك، معتبرًا أن هذه الخطوة تعكس تفوق تأثير الضغط الدولي على العوامل الداخلية، ومشيرًا إلى أن بعض الأطراف الرافضة قد تجد نفسها لاحقًا مضطرة لإعادة تقييم مواقفها في ظل واقع جديد تفرضه التطورات.

وأضاف أن المصالح الاقتصادية الكبرى باتت شبه محسومة، ما يعني أن المسار السياسي سيتجه نحو تشكيل حكومة موحدة، موضحًا أن قيام هذه الحكومة سيؤدي إلى إسقاط كثير من الترتيبات السابقة، وإعادة صياغة التفاهمات ضمن إطار سياسي جديد.

وفي هذا الصدد، نبّه الفارسي إلى أن المجالس السياسية القائمة تعاني من حالة “تآكل تدريجي”، نتيجة تسارع الأحداث وتداخل الأدوار وغياب الرؤية الواضحة، مشيرًا إلى أن هذا التآكل بات ملحوظًا ليس فقط على المستوى الشعبي، بل أيضًا لدى المجتمع الدولي.

كما أضاف أن التعويل السابق على دور البعثة الأممية كان يحمل قدرًا من الأمل، إلا أن دخول أطراف دولية جديدة، من بينها مسعد بولس، أسهم في إعادة تشكيل آليات الضغط الدولي وإنتاج تفاهمات مختلفة، ما جعل الحلول الداخلية أكثر تعقيدًا في ظل تشابك المصالح الدولية.

وأكد في السياق ذاته أن المسار الحالي لم يعد مقتصرًا على جهود البعثة الأممية، بل أصبح جزءًا من منظومة دولية أوسع تسعى إلى إنتاج مخرجات خلال فترة زمنية محددة، مع استمرار الضغط الدولي لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض.

وفيما يتعلق بإمكانية الوصول إلى الانتخابات، اعتبر الفارسي أن ذلك “ممكن”، لكنه ربطه بجملة من التطورات المرتقبة، خاصة على الصعيدين الأمني والسياسي، لافتًا إلى احتمال تصاعد التحركات الدولية في ملف مكافحة الإرهاب، وفرض عقوبات على بعض الأطراف التي تُصنف كتهديد للمصالح الأمريكية.

وأشار إلى أن هذه الإجراءات قد تشمل ملاحقات وقرارات عقابية بحق جماعات مسلحة، في إطار جهود أوسع لحماية الاستقرار الإقليمي والدولي، مؤكدًا أن الأمنين الاقتصادي والسياسي يرتبطان بشكل وثيق بهذه التحركات.

كما لفت إلى أن اعتماد الميزانية الموحدة خلال فترة وجيزة يعكس وجود ضغط دولي غير مسبوق، ساهم في تسريع وتيرة اتخاذ القرار، وهو ما يُعد مؤشرًا واضحًا على تغير موازين القوى داخل المشهد الليبي.

وفي ختام تصريحاته، شدد الفارسي على أن ما تشهده ليبيا حاليًا يمثل مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية، مؤكدًا أن المسار المقبل سيظل مرهونًا بمدى القدرة على استثمار هذه التحولات في اتجاه بناء دولة مستقرة، وإطلاق عملية انتخابية حقيقية تفضي إلى إنهاء حالة الانقسام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى